• ×

أ.د. أحمد القاضي

تفسير سورة المدثر

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  257
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

سورة المدثر

سورة (المدثر)، سورةٌ مكية من أوائل ما نزل من القرآن. سميت بهذا الاسم لاستهلالها بهذا النداء: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ

مقاصد السورة:

  إثبات رسالة النبي r وما تتضمنه من النذارة.

  بيان حقيقة القرآن.

  إثبات المعاد.

ولا ريب أن هذه المقاصد من المقاصد العظام التي كان النبي r يلح عليها في الفترة المكية، ويجاهد عليها كفار قريش.

قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ[المدثر:1]،خطابٌ، ونداءٌ من الله U لنبيه r، الذي تغشّى بثوبه.

قوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ[المدثر:2]، قال العلماء: نُبِئ النبي r بـ (اقرأ)، وأُرسِل بـ (المدثر)، وذلك أن بين النبوة والرسالة، فرق، وقد غلط من قال: إنه لا فرق بين النبي والرسول، والدليل على وجود الفرق، أن الله تعالى قال في سورة (الحج): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ[الحج:52]، فدلَّ ذلك على أن الرسول غير النبي، لكن يجمعهما معنى الإرسال؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا، فالرسول مُرسل والنبي مرسل، لكن بينهما فرق, ومما يدل على وجود فرق قوله تعالى في وصف موسى وإسماعيل: {وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم: 51، 54].

 وقد اختلف العلماء في الفرق بين النبي والرسول، على أقوال، أشهرها:

 القول الأول: أن النبي من أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول من أوحي إليه بشرع، وأُمِر بتبليغه، وهذا القول قد قال به جمعٌ من العلماء، لكن يشكل عليه: كيف يوحي الله تعالى إلى عبدٍ من عباده بشرع، ثُمَّ لا يأمره بالتبليغ؟!، إذا كان الله تعالى قد أخذ العهد والميثاق على العلماء، وهم أدنى رتبة من الأنبياء، بالتبيان، وعدم الكتمان, فكيف بالأنبياء؟! قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ[آل عمران:187]، وقد أخبر النبي r : (بأن يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ)([1]), مما يدل على أنه قد دعاه، فلا يتوجه هذا التفريق.

القول الثاني: إن الرسول من أُوحِي إليه بشرعٍ جديد، وأمر بتبليغه، وأن النبي من أوحي إليه بشرع رسولٍ قبله، وأُمِرَ بتجديده. وهذا القول له حظٌ من النظر؛ لأنَّ الناظر في أنبياء بني إسرائيل يجد أنهم يعملون بالتوراة المنزلة على موسى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا[المائدة:44]، فهم بمنزلة المجددين.

     لكن يشكل أيضًا على هذا التفريق قول الله U في قصة مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا[غافر:34]، فسمى يوسف رسولًا، مع أن يوسف كان يعمل بشريعة يعقوب، ولم يكن قد أتى بشرعٍ جديد؛ حتى إنه قال لإخوته لما أراد أن يستبقي أخاه بنيامين: ﴿ فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾[يوسف:74-75]، كما في شريعة يعقوب، فلم يكن قد أتى بشرعٍ جديد، ومع ذلك سماه الله رسولًا. بل إن كل من ذُكِروا في القرآن رسل، لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾[غافر:78]، فجميع المقصوصين على النبي r رسل.

القول الثالث: ولعله أقربها إلى الصواب، قول من قال: إن الرسول من يبعث إلى قومٍ مخالفين، وإن النبي من يُبعث إلى قومٍ موافقين، فالرسول من يُبعث إلى قومٍ مخالفين يدعوهم إلى الدخول في الدين، والنبي يبعث في قومٍ مؤمنين موافقين لتعليمهم، والحكم والقضاء بينهم، ونحو ذلك.

     وهذا، عند التأمل، أقرب الأقوال، فإن المتتبع يجد أن الأنبياء يكونون في أقوامهم مجددين لدينهم، بينما الرسل يدعون أقوامًا آخرين. حتى يوسف u كان يدعو آل فرعون، إلى دين الله، وداود وسليمان كانا يقاتلان في سبيل الله، ويدعوان الأمم الأخرى؛ كما دعا سليمان ملكة سبأ. وأنبياء بني إسرائيل من جنس من ذكر الله تعالى في سورة البقرة ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ[البقرة:246]، فذلكم النبي كما في كتبهم: هو "صموئيل"، ويسمون حقبة الأنبياء بين موسى وداود، عليهما السلام،  عهد القضاة، لأنهم  كانوا يقضون بين الناس، بوحي من الله, وعمل بالتورة.

     والنذارة: هي الإخبار بالأمر المخوف، والبشارة: هي الإخبار بالأمر السار، وأنبياء الله مبشرين ومنذرين، ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ[النساء:165]، وإنما غلَّب النذارة في هذه الحال؛ لأنَّ اتقاء المرهوب، مقدمٌ على تحصيل المطلوب. فحال القوم يستدعي النذارة قبل البشارة؛ لكي يتخلوا عما هم فيه.

     وأمره r بالقيام، يدل على أن الدعوة تحتاج إلى جهد، وأن ينفض الإنسان عنه الدعة والسكون.

قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾[المدثر:4-5]. هذا هي الأوامر الثلاثة هي مضامين الرسالات الإلهية؛ فأولها تعظيم الرب U، فلا بُدَّ للداعي إلى الله U من زرع تعظيم الرب في القلوب، لا ينبغي أن يتشاغل الداعي إلى الله U بالفروع، والمسائل الهامشية، قبل أن يزرع تعظيم الله وإجلاله في القلوب؛ لأنَّ هذا هو أساس العبودية.

قوله: ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾، الطهارة يراد بها الطهارة المعنوية، والطهارة الحسية، فالطهارة المعنوية تكون من الشرك، والبدعة، والطهارة الحسية تكون من النجاسات والقذارات، وكلا الأمرين مطلوب. وإنما عبر بالثياب لأنها تلابس الإنسان، والعرب تعبر بهذا، وقد تكني به عن أمرٍ معنوي كما قال القائل:

فإني بحمد الله لا ثوب ذلةٍ            لبستُ ولا من ريبةٍ أتقنعُ

فالمقصود بالثوب هنا ليس قماشًا يكتسيه، وإنما حالٌ يتلبس بها، فأمر الله نبيه بالتخلي والتطهر من أمرين:

أحدهما: التطهر من النجاسة المعنوية وهي الشرك، وليس ذنبٌ أعظم من الشرك، فإنه أظلم الظلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[لقمان:13]، ولا أسوأ منه حالًا: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾[الحج:31]، ولا أشأم منه عاقبة ومآلاً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾[المائدة:72]. فهذا أعظم ما يجب أن يُتطهر منه، وما عُبِد الله بحسنةٍ أفضل من التوحيد، ولا عُصِي الله بذنبٍ أعظم من الشرك.

الثاني: التطهر الحسي، وهو ان يتطهر الإنسان من النجاسات، والقاذورات؛ كالبول، والغائط، وما شابههما، فإنَّ ديننا مبنيٌ على النزاهة والطهارة. والطهارة شرعًا: رفع الحدث، وإزالة الخبث، وهي من شروط صحة الصلاة، فلا تصح صلاة أحد إلا بعد إزالة الخبث عن ثوبه، وبدنه، وبقعته، ورفع الحدث الأصغر بغسل أعضاء الوضوء الأربعة، ورفع الحدث الأكبر بالغسل. أو التيمم في حال العجز عن الوضوء، أو الغسل.

     ويدخل في تطهير الثياب رفع الإزار، فلا يكون مسبلاً يمس الأرض، وتلحقه القاذورات، والنجاسات. ولما رأى عمر -رضي الله عنه- غلامًا من الأنصار، جاء يعوده في مرض موته، رأى إزاره مسترخيًا قال: (يَا ابْنَ أَخِي ارْفَعْ ثَوْبَكَ، فَإِنَّهُ أَبْقَى لِثَوْبِكَ، وَأَتْقَى لِرَبِّكَ)([2]).  ولا ريب أن الإسبال لا يجوز؛ بل هو من الكبائر.

قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾[المدثر:5]، (الرجز) هي الأصنام، وفي قراءة بالسين، (الرجس)، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ[الحج:30]، وقال بعضهم: إذا كانت بضم الراء فهي بمعنى الأصنام، وإذا كانت بكسرها، فهي بمعنى النجاسة.  فأمر الله نبيه r بهجر عبادة الأصنام. ولا ريب أنه لا يمكن عبادة الله U إلا بالتخلي عن الشرك. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[النحل:36]، فلا يمكن عبادة الله إلا باجتناب الطاغوت، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى[البقرة:256]، فهما قضيتان متلازمتان. فمن أشرك بالله، وادعى التوحيد، لم ينفعه توحيده، ولو ملأ الجو تهليلًا. من أشرك بالله؛ بأن دعا غير الله، أو استغاث بغير الله، أو ذبح لغير الله، أو نذر لغير الله،  فهو مشركٌ بالله ولو ملأ الجو بلا إله إلا الله. لا بُدَّ من التخلية قبل التحلية، فالتخلية: تنقية القلب وتطهيره من أدران الشرك، والتحلية: عمارته ببهجة التوحيد.

قوله: ﴿فَاهْجُرْ﴾، أي: اجتنب وانبذ، وهذا دليل على أنه لا بُدَّ من المجاهرة والاستعلان بذلك، وأن هذه ليست من القضايا المصلحية، القابلة للتأجيل، فلا يسوغ أن يقول: لا أبادؤهم بالتوحيد، لا أصدمهم بإنكار معبوداتهم، وشركياتهم، كلا! هذه قضية مفصلية، مبدئية، أولية، لا يجوز أن يقدم عليها شيء.

قوله: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ[المدثر:6]، أدب الله تعالى نبيه r بهذا الأدب، وللعلماء في توجيهها قولان:

القول الأول: لا تمُنَّ وتُدِلَّ بعبادتك على الله U، وتستكثرها، وهذا خطابٌ له ولغيره. فإن من الناس من إذا عمل عملًا صالحًا داخله شيءٌ من الزهو والعجب بنفسه، وظن أنه قدم أمرًا عظيمًا، فيقال له: المنُّ لله، والفضل لله، كما قال تعالى:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 164], وقال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً[الحجرات:8]، فالمن لله، فلا تستكثر عملك على ربك، فإنه يعود عليك، وهو وفقك إليه.

القول الثاني: لا تطلب عوضًا وأجرًا على دعوتك؛ كما قال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ[ص:86]، ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾[هود:51].

قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ[المدثر:6-7]، في هذا تنبيهٌ بليغ على ان من تصدى لهذه الأعباء العظام، والمهام الجسام، فهو بحاجةٌ إلى الصبر، فلا بُدَّ أن يصبر على الأذى القولي والأذى الحسي، فسيطاله من ذلك الشيء الكثير. وهذا ما وقع لنبينا r، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لاَ أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ». ثَلاَثَ مَرَّاتٍ)([3]).

     فالصبر عبادة، ويجب أن يخلص لله، لا تصبر لمجرد التجلد، وإظهار القوة، فمن الناس من يتصبر لدواعٍ خلقية، حتى لا يُحفَظ عنه أنه جزع، كقول الشاعر:

وتجلدي للشامتين أريهم              أني لريب الدهر لا أتضعضع

ولا شك أن الصبر محمدة، فهو من أمهات الأخلاق الكريمة، لكن الذي أمر الله به نبيه أن يجعل صبره لله، حتى إنه قدم الجار والمجرور ليدل على الاختصاص، فيكون قربةً وعبادة.

والصبر: لغةً: الحبس، واصطلاحًا: حبس النفس على ثلاثة أمور: حبسها على طاعة الله، وحبسها عن معصية الله، وحبسها على أقدار الله المؤلمة. ومن حبسها على طاعة الله، مما يناسب السياق، الصبر على الدعوة إلى الله، وهذا يحتاج إليه الدعاة إلى الله U، الناصرين للسُنَّة، القامعين للبدعة، معلمي الناس الخير، الآمرين للمعروف، الناهين عن المنكر، فلا يظنوا أنهم سيقابلون بالترحاب، والتصدير، وتقبيل الرؤوس، بل الأحرى أن يطالهم أذًى معنوي، وأذًى بدني.

قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ[المدثر:8-10]، بعد أن أمر الله نبيه r بالصبر على ما يلقى من أذى قومه، واساه بأن هؤلاء المعتدين الظالمين وراءهم يومٌ ثقيل، يفجؤهم بالنقر في الناقور، أي: النفخ في الصور، والنافخ والناقر هو إسرافيل u، والنفخة المقصودة هنا: هي النفخة الثانية. ووصف ذلك اليوم بالعسر، وحسبك بشيءٍ سماه الله عسيرًا ! ونبَّه على أن عسره على الكافرين، فلا يسر يكتنفهم فيه البتة.

 قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا[المدثر:11]، ما أعظم هذا التهديد! وما أشد هذا الوعيد! أن يقول الله لنبيه: ﴿ذَرْنِي﴾، كأنما يقول: خلِّ بيني وبينه، كأنما يقول: لا تشفع له، لا تدعُ له. وما ظنك بأحدٍ قد أراد الله به سوءاً وشرًا؟  والمقصود به: الوليد بن المغيرة المخزومي، وكان من صناديد قريش، ومن كبارها وأشرافها، وقد سمع قراءة النبيr يومًا صدر سورة (غافر)، فعجب عجبًا شديدًا من القرآن، وكان العرب يعتنون بالكلمة، والقصيدة، والمثل، أمَّةٌ ذواقة، أمَّةٌ تتأثر بالكلام، وتتذوق المعاني، فخافت قريش أن يسلم الوليد، فإنه لو أسلم لأسلمت قريش كلها. روى ابن جرير بسنده، عن ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قُحافة، رضي الله عنه، يسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبًا لما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعر، ولا بسحر، ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله. فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا، وقالوا: والله لئن صبأ الوليد لتصبأنّ قريش، فلما سمع بذلك أبو جهل، قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته، فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة، قال: ألستُ أكثرهم مالا وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدّثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قُحافة، لتصيب من طعامه، قال الوليد: أقد تحدثت به عشيرتي، فلا يقصر عن سائر بني قُصيّ، لا أقرب أبا بكر، ولا عمر، ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) إلى (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ).

     وروى بسنده عن عكرِمة، أن الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أي عمّ إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً. قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه، فإنك أتيت محمدًا تتعرّض لما قِبَله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً. قال: فقل فيه قولاً، يعلم قومك أنَّك مُنكر لما قال، وأنك كاره له؛ قال: فما أقول فيه، فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه مني، ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إن لقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته، وإنه ليعلو ولا يعلى. قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكر فيه؛ فلما فكَّر، قال: هذا سحر يأثره عن غيره، فنزلت.[4]

قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا[المدثر: 11-14]، هذه نِعَم أفاضها الله تعالى على الوليد، فقابلها بالكفران، مع أنه خرج من بطن أمه وحيدًا، لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا. فكان له مالٌ طائل، يقال: بين مكة والطائف؛ من بساتين، وأنعام، والمال الممدود: هو المال الذي له مغل مستمر؛ كالأنعام التي تستولد، والزروع  والثمار التي تَكثُر وتتجدد، والتجارة التي تربح وتزدد.

قوله: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾، أعطاه الله عشرةً من الولد, منهم خالد بن الوليد، ووصفهم بالشهود، فإن نعمة البنين نعمة، وكونهم شهودًا نعمةٌ أخرى، أي: يكونون بين يديه، يحتفُّون به، ويصحبونه في ذهابه وإيابه، ويحضرون معه المحافل، ويشهدون معه المواطن. ومن الناس من يكون له أبناء كثر، لكن متفرقين في الأقطار، أو لا يصحبون أباهم، ولا يشهدون مجالسه، فلا يهنأ بهم، ولا ينتفع بخدمتهم، ولا يتذوق طعم النعمة بهم. فبهذا امتن الله على الوليد.

     فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا، كما قال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف؛ 46]. فأحسن ما يتزين به الإنسان؛ أن يكون له مال طائل وولد شاهد.

قوله: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، أي: وطأت له أكناف الأرض، ويسرت له أسباب العيش؛ حتى بلغ السيادة في قريش والشرف. وهذا من آثار الربوبية، لأنه الذي رَبَّى خلقه بنعمه، فهو لا يمنع نعمته، وفضله، الكافر؛ بل ينعم عليه في الدنيا، لكن ذلك يكون وزرًا عليه في الآخرة؛ لأنه لم يقابل هذه النعمة بالشكر. فلا يستغرب الإنسان ذلك؛ لأن هذا مقتضى الربوبية؛ ولهذا قال: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]،[النحل: 18]، وقال: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، وقال:{وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20].

قوله: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ[المدثر:15]، مع تكذيبه وجحوده، يطمح للمزيد.

قوله: ﴿ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا[المدثر: 16]: أي: أي: ليس الأمر كما يظن، ولا يستحق ذلك، بسبب عناده، وتكذيبه بآيات الله.

 قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا[المدثر:17]، هذا تهديدٌ ووعيدٌ من الله أنه سيصعِده جبلًا في النار، حتى إذا بلغ منتهاه خرَّ إلى أسفله، فيعود مرةً إثر مرة. وقيل عذابًا متصاعدًا، متزايدًا، لا هوادة فيه.

 قوله: ﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ [المدثر: 18 - 20] ، أي: لُعِن، وكرر ذلك عليه ذلك. هذا وصف من الله لحال هذا الوحيد العنيد، وهو يريد النيل من القرآن، وتهوينه في نفوس قريش. لقد فكر وأمعن في التفكير؛ لكن مسلكه في التفكير كان مسلكاً باطلاً خاطئاً، لا مسلك من ينشد الحق ويتحراه، فلذلك أورده المهالك. وهكذا، كُل من لا يستنير بنور الله؛ من الفلاسفة، والمتكلمين، وغيرهم، ربما كانوا أذكياء، لكنهم لم يستنيروا بنور الله -عز وجل- فلم ينفعهم فكرهم وعقولهم؛ لأن العقل إذا لم يستنر بنور الله فإنه يضل. كما لو دخلت هذا المسجد ليلاً، وهو مُظلم، قد ترتطم بعمود، وقد تعثر بكرسي، أو بحامل مصاحف، أو بإنسان، رغم أنك تملك عينين، فإذا وجدت لوحة مفاتيح المصابيح، وأضأتها استنار المكان، وانتفعت بعينيك. فالعقل أداة التفكير، فلا يستقيم العقل إلا حينما يستنير بنور الله، فيكون عقلًا سليماً، وأما إذا استقّل عن نور الله، وعن هدي أنبياء الله، فإنه يضّل. وهذا ما آلَ إليه الوليد بن المغيرة، ومن سبقه، ومن لحقه من الفلاسفة، والمتكلمين، ، وإن كانوا ذوي ذكاء، وفطنة، وعلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن المتكلمين: "أوتوا ذكاءً ولم يؤتَوا زكاءً، وأوتوا فهوماً ولم يُؤتوا علوماً" يعني أن الآلة والأداة موجودة عندهم، ولكن التوفيق والهدى قد سُلبوا إياه!([5]).

قوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ[المدثر:21-23]، يرسم السياق صورةً مزرية، تبعث على السخرية لرجلٍ يتكايس، يدعي الروية، وعمق التفكير، وبعد النظر، فهو يقطب بجبينه, وتظهر عليه مظاهر الاهتمام، ويتصنع الموضوعية، والبحث عن الحقيقة، ولعلها لاحت له، لكنه غلبت عليه شقوته، وأعماه كبره، وبطره الحق، فانتكس

قوله: ﴿ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ[المدثر:23-24]، تظاهر أمام العامة بإمعان التفكير، وإعادة النظر؛ لكي يوهمهم بإنه مجتهد في الوصول إلى الحق، وإصابة كبد الحقيقة، وهي حركات وانفعالات مصطنعة. فلا تغتر ببعض هؤلاء الذين يتظاهرون بالكياسة، ثم يُضّلون عباد الله، فهذا تفنن في التغرير بالعوام.

والمشار إليه بقوله: ( إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) القرآن، الذي امتدحه في أول الأمر بقوله: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، الخ»، فلما نخته قريش بنخوة الجاهلية، أراد استرضاءهم، فقال: «والله ما محمدٍ بكاهن، قد سمعنا سجع الكهان، فما قوله بكهانة، والله ما محمدٌ بمجنون، هل رأيتموه يصرع؟ ما كان يصرع، والله ما محمدٌ بكذاب؟ هل جربتم عليه كذبًا؟ والله ما جربنا عليه كذبًا»، كل الاحتمالات هذه فنيت، فما بقي إلا أن يصفه بالسحر([6]).

قوله: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ(24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ[المدثر:24-25]، بئس ما قال! بئس ما فاه به لسانه؛ أن وصف القرآن العظيم، كلام رب العالمين, بأنه سحرٌ يُؤثر، وإنه من قول البشر، لم يجد توصيفًا، وتكييفًا يتخرج به من مذمة قومه له إلا هذا الوصف الكاذب البائر.

أين المقدمات الصحيحة التي أنتجت له هذه النتيجة الفاسدة؟  تبحث عن الدليل فلا تجد شيئاً يستند عليه سوى أنه لم يمكنه أن يصفه بالسجع، ولا بالشعر، ولا يمكنه أن يصف قائله -عليه الصلاة والسلام- بالكذب، وهو الصادق الأمين. فما بقي له إلا أن يقول هو سحر! هذا ما أدى إليه تفكيره، وتقديره. وهكذا المكذبون المستكبرون، يستسهلون إطلاق التهم الفاجرة، ويرجمون بالغيب، دون دليل وبينّة.

قوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ[المدثر:26]،  وهي النار، والإصلاء: بأن يشوى فيها, فتكتنفه من جميع جهاته. توعد الله تعالى هذا المكذب بهذا الوعيد الهائل، المروّع، المخيف، وهي سقر، التي تشويهم شياً، تقلب جلودهم وتحرقها، ثم يبدلهم الله جلوداً أخرى.

قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ[المدثر:26-27]، الاستفهام التعظيم.

قوله: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ(28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ[المدثر:28-29]، تلفح وجوههم، وأبشارهم وجلودهم كما قال تعالى: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون: 104].

قوله: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ[المدثر:30]، أخبر الله -عز وجل- بأن النار عليها خزنة من الملائكة الكرام الذين أُعدّوا لهذه المهمة؛ فإن ملائكة الله تعالى لهم وظائف متنوعة، ولهم أعمال كثيرة، وإن كانت تجمعهم وظيفة واحدة، وهي العبادة والتسبيح، كما قال الله تعالى عنهم: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [الصافات: 164 - 166]. فمن ملائكة الرحمن من يتنزل بالوحي، وهو جبريل، ومنهم من يتنزل القطر؛ وهو ميكائيل، ومنهم من هو موكول بالأرواح، وهو إسرافيل؛ لأنه ينفخ في الصور، ومنهم من يقبض الأرواح، وهو ملك الموت، ومنهم من يتسور على الجنين في بطن أمه، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكَتبِ أربع كلمات، ومنهم من يقاتل مع المؤمنين، ومنهم ملائكة سيّاحون في الأرض، يبتغون مجالس الذكر. فأعمالهم كثيرة، متنوعة، لكنهم جميعاً يسبحون الليل والنهار لا يفتُرون، ولا يسأمون, ولا يستحسرون. ومن مهام الملائكة: خزانة النار، وعدد خزنة النار تسعة عشر؛ وربما كان هذا عدد رؤسائهم ويكون تحتهم مزيد جنود.

    الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: أن المخاطبة بالوصف الراهن لا غضاضة فيه؛ لأنه حكاية حال.

الفائدة الثانية:  أن المدثر والمزمل ليسا من أسماء النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه وصف مجرد، وأسماء النبي -صلى الله عليه وسلم- تدل على أوصاف كاملة تليق به، أما المدثر، والمزمل، فإنهما لا يدلان إلا على كمال ولا نقص. ومن المسلمين من يتقصد تسمية ابنه بمدثّر أو مزمل، ظنًا منه أنه يسمّيه على اسم النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ والأمر ليس كذلك.

الفائدة الثالثة: إثبات الرسالة، وتضمّنها للنذارة.

الفائدة الرابعة: أهمية تعظيم الرب، وتنزيهه عن الشركاء، وإجلاله في القلوب.

الفائدة الخامسة: وجوب التطهر الحسي والمعنوي.

الفائدة السادسة: وجوب البراءة من الأصنام وعابديها وعبادتهم، وإعلان ذلك.

الفائدة السابعة: النهي عن المنّ بالعمل واستكثاره، أو طلب العوض على الدعوة.

الفائدة الثامنة: حاجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين إلى الصبر. الفائدة التاسعة: وجوب إخلاص الصبر لله.

الفائدة العاشرة: إثبات النفخ في الصور، والنافخ فيه.

الفائدة الحادية عشرة: التذكير بالمعاد، والنذارة به.

الفائدة الثانية عشرة: عسر يوم القيامة على الكافرين؛ وهذا بمنطوق الآية. الفائدة الثالثة عشرة: يسر يوم القيامة على المؤمنين؛ وهذا بمفهوم الآية. 

الفائدة الرابعة عشرة: قبح التكذيب والجحود؛ سيّما إذا كان مسبوقًا بالإنعام.  

الفائدة الخامسة عشرة: أن المال والبنون زينة الحياة الدنيا.

الفائدة السادسة عشرة: أن أفضل المال ما كان ممدودًا، له مَغَلٌّ دائم لا ينقطع.

الفائدة السابعة عشرة: أن أفضل البنين من كان شاهدًا عند أبيه.

الفائدة الثامنة عشرة: إنعام الله تعالى على جميع خلقه، مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم.

الفائدة التاسعة عشرة: شدة غرور الكافر وطمعه.

الفائدة العشرون: شؤم الكبْر والعناد للحق.

الفائدة الحادية والعشرون: أن الفكر الذي لا يستنير بنور الله يورِد صاحبه المهالك.

الفائدة الثانية والعشرون: شدّة عذاب الله للكافر العنيد ورهَقه: 

الفائدة الثالثة والعشرون: الدعاء على الكافر المُبطل، وتكرار ذلك عليه، إذا تمّحض للباطل، وقامت عليه الحجة، وأبى وعاند. أما إذا كان لا يزال في طور الدعوة، فإنه يدعى له بالهداية.

الفائدة الرابعة والعشرون: تظاهر المكذبين بالروية، والعمق، وبُعد النظر، والمعاناة في التفكير.

الفائدة الخامسة والعشرون: أن الاستكبار، وعدم التجرد للحق، يُفضي إلى الزيغ وفساد النتيجة.

الفائدة السادسة والعشرون: إطلاق المكذبين الدعاوى الفاجرة دون بيّنات.

الفائدة السابعة والعشرون: مشابهة القائلين بخلق القرآن للمشركين في دعواهم. فقد وُجد في القرن الهجري الثاني، إبان الدولة العباسية، من قال بخلق القرآن -وهم المعتزلة-، وناصرهم على ذلك بعض خلفاء بني العباس، لأنهم ينكرون أن الله تعالى متصفٌ بصفة الكلام، فجعلوا كلام الله مخلوقًا! فما أشبههم بالذي قال: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ}.

الفائدة الثامنة والعشرون: وعيد الله الشديد للمكذبين القائلين عليه بغير علم.

قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ[المدثر:31]

لما أخبر الله نبيه بعدة خزان النار، تفكه المشركون بذلك وصاروا يستهزئون، حتى إن أحدهم، وهو الحارث بن كلدة الجمحي، ويكنى أبو الأشدّين؛ إذ كان قوي البنية، مصارعًا، قال لقريش: اكفوني اثنين وأنا أكفيكم سبعة عشر. وقال أبو جهل لقريش: كل عشرة منكم يقومون على واحد فندفعهم. هكذا خُيّل إليهم! يضنون أن الملائكة من جنسهم، وأنهم يستطيعون أن مغالبتهم، واغترّوا، وصاروا يتفكهون بالكلام الذي يعارضون به كلام الله، عز وجل.([7]).

     فبين الله -سبحانه وتعالى- في هذه الآية الطويلة الحكمة من هذا العدد، وضمنها خمس حِكَم لجعل عدتهم تسعة عشر:

إحداها: (فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا) أي: اختبارًا للكافرين، حيث حملتهم على مزيدٍ من التكذيب، وحصول مزيدٍ من العذاب؛ لأن الفتنة تأتي بمعنى العذاب، كما قال الله تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ}[الذاريات: 13، 14]. أي: ذوقوا عذابكم. فهي في حق الكفار اختبار لهم، وزيادة ضلال، وزيادة عذاب.

الثانية: (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ), لأنه مذكور في كتب اليهود والنصارى، أن عدة خُزان النار تسعة عشر، فإذا جاء النبي الخاتم بهذا الخبر كان في ذلك زيادة يقين لهم بصدق الخبر، وصدق المخبر؛ لموافقته لما جاء به أنبياؤهم.       

الثالثة: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا), لأن المؤمن يزيد إيمانه بزيادة التصديق؛ فكلما جاءه خبر عن الله وعن رسوله فآمن به، زاد إيمانه، والإيمان يزيد وينقص.

الرابعة: (وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ) أي: تنمحق الريبة، ويرتفع الشك والالتباس؛ وذلك لأن المؤمن يؤمن بالغيب، لا بالعقل والقياس؛ بل بما يأتيه من عند الله؛ فهو يؤمن أولاً، ويتفكر ثانيًا. أما من جعل عقله هو المقياس وقال: ما وافق العقل قبلته، وما ناقض العقل رددته؛ فهذا ليس مؤمنًا بالله، هذا مؤمن بعقله. فالإيمان بالله يقتضي التسليم، والانقياد، والقبول، وعدم الاعتراض على النصوص؛ قال تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[النور: 51].

     فالمؤمن الحق، لا يقول: لِمَ كانوا تسعة عشر؟ قال الله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ } [الأنبياء: 23]. فإذا بلغك الخبر عن الله فاقبله، وصدقه، واطلب الحكمة من ورائه, فإن ظهرت لك الحكمة فذاك، وإن لم تظهر فاقطع بوجود حكمة غيبية، كما أنك لا تعلم لمَ خلق الله السماوات سبعًا، والأرضين سبعًا؟ هذه حكمة كونية. ولا تعلم لماذا شرع الله الطواف حول البيت سبعًا، وبين الصفا والمروة سبعًا، ورمي الجمار سبعًا، وهذه حكمة شرعيّة. هناك حكمة، لكنها غير معلومة بالنسبة لنا، ويكفي أنها تدل على إيمان من قبِلها وصدّقها، وعلى كفر من يعترض على هذه التقديرات ويقول لِمَ؟ وكيفَ؟ فإن من شرط الإيمان القبول، والإذعان، والرضا، والتسليم، قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].  ويجب أن يعود الإنسان نفسه على ذلك، ويتأدب بآداب الإيمان، ففي الصحيح أنه صَلَّى رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، صَلاَةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهذَا؛ إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ». فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ فَقَالَ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهذَا، أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بَشَاةٍ، فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: هذَا، اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي، فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لاَ رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي». فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ! ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ  فقَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ»ّ([8]). هذا حكم r حكمًا غيابيًا على صاحبيه! لأنه يعلم أنه بمجرد ما يبلغهما الخبر، سيقبلانه، ولا يردانه، ولا يستنكرانه ولا يعترضان عليه.

     وهكذا في الأحكام، ثمّ إن بدا للمؤمن أن يسأل، على سبيل الاستفهام والاستخبار، فلا حرج، فإن كانت الحكمة منصوصة فالحمد لله، وإن كانت الحكمة تعبدية، رضي وسلَّم.

     والواجب على أهل العلم والإيمان أن يجتهدوا في إزالة الشكوك، ودحض الشبهات، حتى لا تشوش على عقائد الناس، وتفسد عقولهم. كما ينبغي للإنسان إذا كان في نفسه ريب، أو في قلبه حسكة، أن يسعى في إزالتها، ويسأل أهل الذكر عمَّا لا يعلم، كما قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وقال نبيه :r (فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ)[9]

الخامسة: (وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) من كان في قلبه مرض، وزيغٌ، وشبهة، يعترض: لماذا ضرب الله هذا مثلاً؟ لماذا خص الله هذا العدد؟ لماذا قدّر الله هذا التقدير؟ كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26]

     وقد مايز الله بين طريقة الزائغين وطريقة الراسخين, فقال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]، فلتكن من أولي الألباب.

     لهذا عقّب الله تعالى على هذه المواقف المتباينة من الناس بقوله: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ)، هكذا  يبتلي الله عباده بأنواع البلاء، فيتمحضّ المؤمنون من الكافرين، والصادقون من الكاذبين، والراسخون من الزائغين, ويتبيّن الناس، لولا الفتنة والابتلاء ما حصل ذلك، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2، 3] فعليك أيها المؤمن، إذا جاءك خبر الله، أو خبر رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن تقرّ به عينًا، وتطيب به نفسًا، ولا تعترض عليه بأنواع الاعتراضات، ولا تتجنى عليه بأنواع التأويلات؛ بل تعتقد أن الله I أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلاً من خلقه، وأحسن حديثًا, فلا مسوغ أن تستدرك على النص، وأن تحمله على غير مُراد قائله، هذا تجنٍ وعدوان على النصوص، وهذا ما وقع من المتكلمين الذين أوّلوا آيات الصفات وغيرها. أما أهل السنة والجماعة، فقد اعتصموا بنص الكتاب والسنة، وعلموا أن كلام الله {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42]. ثم قال سبحانه: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) أي: كون هؤلاء تسعة عشر، لا يعني أن هؤلاء فقط هم جنود ربك! لا يعلم جنود ربك إلا هو: أي لا يعلمهم؛ عددًا ،وصفة، إلا هو سبحانه؛ لأن الملائكة عالمٌ غيبي. وقد قال سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [فاطر: 1]. وعن ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ.[10] وقال : (أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ)([11]). وعن عائشة، رضي الله عنها، عن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قَالَ عن جبريل: « لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ»[12]. وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ)([13]), ومعنى أطَّت: أي ثَقُلَت حتى سُمِعَ لها أطيط كأطيط الرَحل، الصادر من  السيور والحبال, إذا علاه الراكب. والصُّعُدَاتِ، جمع صعيد، يعني ظاهر البلد وضواحيه. وتجأرون إلى الله تعالى: أي تضرعون. فهذا أمور غيبية لا نحسها، يراها، ويسمعها نبينا r ولا نسمعها. قال ابو ذَر راوي الحديث: "وَدِدت أنني شجرة تعضد". يعني تُقطع وينتهي أمرها.

     كما نبه النبي r على كثرتهم بقوله: (ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرُ مَا عَلَيْهِمْ)([14])، يعني لا تأتيهم النوبة مرةً أخرى لكثرةِ ملائكة الرحمن.

قوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ أي: النار، ذكرها موعظة للبشر.

قوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ[المدثر: 32]، كلا هنا، بمعنى حقًا. والقمر معروف. قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ حال انقضائه، وفيها قراءتان ثابتتان: (إِذْ) و (إِذْا).

قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ أي بعد إقباله و إسفاره.

     هذه ثلاثة أقسام بآيات كونية مشاهدة. ولله سبحانه أن يُقسم بما شاءَ من مخلوقاته، وليس لأحد من الخلق أن يقسم إلا بالله، فمن حَلف بغير الله فقد كفر أو أشرك. والله تعالى يقسم بهذه المخلوقات العظيمة، والأحوال البديعة، لإنها مظاهر ربوبيته،  وقُدرته، سبحانه  وبحمده؛ القمر, والليل, والصبح.

قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَر، وهي النار التي جرى ذكرها، وهذا جواب القسم. و(الْكُبَر): الأمور الطوام العظام، التي تُخشى ويُرتجفُ من ذكرها.

قوله: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ، النذارة: هي الإخبار  بالأمر المَخوف، فأي نذارة أعظم من هذه النذارة بالنار اللواحةٌ للبشر, وفيها من صنوف العذاب ما تقشعر له الأبدان! قال تعالى {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [فاطر: 37]، وقال: {وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 21، 22], فأما المؤمنون فيتعظون وينتفعون بالنذارة ويقولون:{رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [آل عمران: 192]، ويقولون:{رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا} [الفرقان: 65، 66]

قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ هذا دليل على أن للعبد مشيئة وإرادة وفعل حقيقي، لأن الله تعالى أسند المشيئة والفعل إليه، فلا تعارضَ بين هذه الآية وبين قوله آنفاً (كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). فعند أهل السنة والجماعة: أن الله I قدر المقادير منذ الأزل، وأخفاها عن عباده, وأظهر لهم الشرع وأُعطاهم العقول، والجوارح، والإرادات، والأدوات، والقُوى، التي يتمكنون بها من الفعل أو الترك وقال: (مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ)([15]), فالقدر كتاب مكنون، والشرع كتاب معلوم. ومعنى (يتقدم) أي: يمتثل أوامر الله، ويجتنب نواهيه، ومعنى: (يَتَأَخَّر) ضد ذلك؛ فيُتبع نفسه هواها. فلا تعارض بين تقدير الرب, وفعل العبد.

 قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌكل من ألفاظ العموم, أي مرتهنة، ومعتقلة بعملها. قال تعالى:{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}[البقرة: 286] وقال: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} [الإسراء: 13], يعني كل إنسان ملزم بما طار من عمله,  يتقلده في عُنقه, وعَبَّر بالعُنق لأن العُنق أوثق ما يكون من الإنسان.

قوله: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِين ربما كان الاستثناء مُتصلاً، وربما كان منفصلاً؛ فإذا كانت (كل) تشمل نفس المؤمن والكافر، فكلهم مرتهنون بأعمالهم، فيكون الاستثناء متصلاً، فأصحاب اليمين غير مرتهنين، ولا مُعتقلين بأعمالهم، بل قد نجوا وانفك رهنهم. وإن قلنا: إن المراد نفوس الكفار خاصة، فالاستثناء منفصل، بمعنى بل، فكأنه استأنف الكلام. والمؤدى في النهاية يؤول إلى شيءٍ واحد؛ وهو أن المسيء مُرتهنٌ بإساءته، والمُحسن مَجزيٌ بإحسانه. وأصحاب اليمين: هم المؤمنون، كما سماهم الله في سورة الواقعة: ({وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ}[الواقعة: 27]، لأنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم كما قال تعالى: {فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} [الإسراء: 71]

قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ(40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ أي أن المؤمنين يوم القيامة حينما يستقرون في الجنان، يتذكرون أولئك الذين كانوا يُنازعونهم، ويُكذبونهم، ويُؤذونهم، وينالون منهم، حتى إن أحدهم يحدث أصحابه في الجنة قائلًا: {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [الصافات: 51- 57]، وقال عن عموم أهل الجنة: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)﴾   

 

قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾، ما أدخلكم في النار؟ فيجيبون بهذا بجواب يتضمن موجبات دخول النار الأربعة:

أولها: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، وفي هذا دليل على أن ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة، لأن الذي يستنكف ويستكبر عن الصلاة لا إيمان في قلبه. وهذا أحد الأدلة التي استدل بها من قال بكفر تارك الصلاة، ولو تهاوناً وكسلاً.

     وقد عدَّ ابن القيم، رحمه الله، هذه الآية الدليل الثاني من أدلة مكفِّري تارك الصلاة، ووجها بقوله: (فلا يخلو؛ إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر، وجعلهم من المجرمين، أو مجموعها، فإن كان كل واحد منها مستقلاً بذلك، فالدلالة ظاهرة، وإن كان مجموع الأمور الأربعة، فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم، وعقوبتهم. وإلا فكل واحد منها مقتض للعقوبة، إذ لا يجوز أن يضم ما لا تأثير له إلى ما هو مستقل بها.

     ومن المعلوم أن ترك الصلاة، وما ذكر معه، ليس شرطًا في العقوبة على التكذيب بيوم الدين، بل هو وحده كاف في العقوبة. فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك، إذ لا يمكن قائلاً أن يقول: لا يعذب إلا من جمع هذه الأوصاف الأربعة. فإذا كان كل واحد منها موجبًا للإجرام، وقد جعل الله سبحانه المجرمين ضد المسلمين، كان تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر. وقد قال: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} فجعل المجرمين ضد المؤمنين المسلمين)[16]

الثاني: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، يمنعون الزكاة الواجبة المستحقة للمساكين. فلا صلاة، ولا زكاة؛ لا عبادة للخالق, ولا نفع للمخلوقين.

الثالث: ﴿ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، يعني أنهم يهرفون بما يعرفون وما لا يعرفون، ويكذبون، ويفترون. والخوض: القول بغير علم، بمجرد تخرص وتخمين.

الرابع: ﴿ وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ كانو ينكرون البعث والمعاد.

قوله: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ, أي لم نزل على هذه العقيدة الباطلة، والسيرة الذميمة حتى فاجأنا الموت. فاليقين هو الموت، كما قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر: 99].

قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ, أي من هذا شأنه لا يمكن أن تقبل فيه شفاعة، لقوله عز وجل:{وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}[الأنبياء: 28] وقال:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26]. والله سبحانه وتعالى لا يأذن بالشفاعة للمشرك، ولا يرضى عنه، فلذلك لا تنفعهم شفاعة الشافعين. ودلت الآية بمفهومها على أن هناك شفاعة تنفع, قال العلماء إن الشفاعة نوعان:

 شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية، فالشفاعة المثبتة ما اجتمع فيها شرطان: أذن الله للشافع أن يشفع، الثاني: رضاه عن المشفوع له. لأن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند ملوك الدنيا؛ ملوك الدنيا لا يشعر أحدهم إلا قد ودخل عليه داخل  يشفع لفلان, دون إذن مسبق، ثم قد يقبل شفاعته رغبة، أو رهبة. أما شأن الله فليس كذلك. فإن قال قائل: ما فائدة الشفاعة إذا كان لابد من إذن مسبق، ورضا؟ فالجواب: فائدتها إكرام الشافع، حيث يجعل الله له هذه المنزلة التي يتبين بها فضله عند الله، على سائر الناس.

     أما الشفاعة المنفية، فهي الشفاعة التي أدعاها المشركون لمعبوداتهم، حيث زعموا أن آلهتهم شفعاء عند الله عز وجل، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3], فهذه شفاعة باطلة منفية، لا تغني عنهم شيئًا. قوله: قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، هذا استفهام إنكاري، وتثريب عليهم لإعراضهم عن الموعظة، والتذكرة التي بها صلاح أمورهم، واستقامة أحوالهم، فيعرضون عنها، ويستنكفون، ويشيحون بوجههم. والتذكرة هي ما تضمنه القرآن من هدايات وعظات.

قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَة ٌفَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ, هذا تشبيه يبعث على السخرية بهم؛ يقول ما أشبههم حينما يدعوهم الداعي، بقطيع الحمر الوحشية التي رأت أسداً، أو رامياً، فانطلقت نافرة تجري في كل اتجاه. والقسورة: قيل هو اسم الأسد بالحبشية، وقيل هو الرامي، أو الصياد.

قوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً, يعني أن القوم يتبجحون، ويعجِّزون النبي بطلب الآيات الخاصة، ويشترطون أن يؤتى كل واحد منهم كتابًا خاصًا به، منشورًا! كما قال ربنا عز وجل عمن كان قبلهم: {لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ} [الأنعام: 124], وقال: {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} [الإسراء: 93]. هذه اشتراطات تعجيزية، يريدون بها التنصل من قبول الحق.

قوله: ﴿كَلَّا بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ، هذا هو المانع لهم عن قبول الحق؛ أنهم لا يؤمنون بالمعاد, ويظنون أنها مجرد الحياة الدنيا، كما قال قائلهم: "بطونٌ تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر". فهمُّهم الاستمتاع، واتباع الهوى,  لأنهم لا يخافون وعيد الله، ولا يصدقون أنبياء الله. هذه عقيدة الوثنيين، والملاحدة.

     إن الإيمان بالمعاد أثره عظيم في استقامة الإنسان، واهتداء قلبه، فمن لا يخاف الآخرة لا يعمل صالحاً، ولا يقبل هدى الله. أما من كان يرجو الله واليوم الآخر، فإنه يستعد ويتهيأ للحياة الأخرى.

قوله: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ, يعني ما تقدم في هذه السورة، أو القرآن بمجمله.

قوله:  ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ[المدثر: 55، 56]، تكرر إثبات المشيئة للإنسان، ومسؤوليته, وأن الثواب والعقاب مرتب على عمله، كما قال ربنا عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } [الليل: 5 - 10]

     فالإيمان بالقدر ينتظم إثبات مشيئة الله وقدره السابق، وإثبات مشيئة العبد وفعله الحقيقي، الذي به يأتي ويذر، وعليه يترتب الثواب. والعقاب. وهي لا تخرج عن المشيئة السابقة، والقدر السابق. فلا تعارض بين الشرع والقدر.

قوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى [المدثر: 56] يعني أنه سبحانه أهل أن يُتقى، حقيقٌ أن يتقى، بامتثال أمره، واجتناب نهيه.

قوله: ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر: 56]، يعني أنه سبحانه أهل لأن يغفر الذنوب، ويصفح عن السيئات، ويتجاوز عن الخطيئات. عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَقُولُ اللهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ عَمِلْتَ قِرَابَ الْأَرْضِ خَطَايَا وَلَمْ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، جَعَلْتُ لَكَ قُرَابَ الْأَرْضِ مَغْفِرَةً)[17]  

     وقد أثبت الله اتصافه بالصفات، خلافًا للمعتزلة الذين يجعلون أسماء الله أعلامًا محضة، وينكرون ما تضمنته من الصفات. فهو الغفور وله المغفرة، كما انه الرحيم وذو الرحمة، وهو العزيز وله العزة وهكذا.

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: إثبات خزنة النار من الملائكة، وهم الزبانية وإثبات عددهم.

الفائدة الثانية: الحكمة من جعل خزنة النار ملائكة، لشدتهم وقوتهم.

الفائدة الثالثة: الحكمة من جعل عدتهم تسعة عشر، أمورٌ خمسة: فتنة للكافرين، ويقينًا لأهل الكتاب، وزيادة إيمان للمؤمنين، ورفع الريبة عنهم، وإضلال المنافقين والكافرين.

الفائدة الرابعة: تعدد الحكم والمقاصد في الأمر الواحد.

الفائدة الخامسة: وجوب قبول خبر الله ورسوله، وعدم معارضته بالرأي والقياس.

الفائدة السادسة: أن من أفعال الله ما حكمته تعبدية خفية، ليحصل الابتلاء بالتصديق واليقين.

الفائدة السابعة: أن اليقين درجة أعلى من مجرد العلم، لأن أهل الكتاب قد علموا، لكن مجيء هذا زادهم يقيناً.

الفائدة الثامنة: إثبات زيادة الايمان ونقصانه.

الفائدة التاسعة: الرد على المرجئة، والوعيدية، النافين لزيادة الإيمان ونقصانه، القائلين أن الايمان شيء واحد؛ إما أن يوجد كله، أو يعدم كله.

الفائدة العاشرة: التلازم بين اليقين وعدم الريب.

الفائدة الحادية عشرة: التلازم بين الكفر والنفاق والريب.

الفائدة الثانية عشرة: أن تحصيل اليقين، وزيادة الايمان، وطرد الشك والريبة، من أعظم المقاصد.

الفائدة الثالثة عشرة: أن القرآن العظيم هدى وشفاء للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا.

الفائدة الرابعة عشرة: الإضلال والهدى من الله.  

الفائدة الخامسة عشرة: كثرة جند الله، وانفراده بالعلم بهم عدداً، وصفة، وحالا.

الفائدة السادسة عشرة: حصول الذكرى بما تضمنه القرآن من أمثال ومواعظ.

الفائدة السابعة عشرة: مشروعية الذكرى لجميع البشر؛ مؤمنهم وكافرهم، مسلمهم، وكتابييهم.

الفائدة الثامنة عشرة: إقسام الله تعالى بما شاء من مخلوقاته، ودلائل قدرته.

الفائدة التاسعة عشرة: إسناد الأفعال إلى من قامت به.

الفائدة العشرون: تعظيم شأن النار والتخويف منها.

الفائدة الحادية والعشرون: إثبات مشيئة العباد في الكفر والايمان، ودخولها تحت مشيئة الله.

الفائدة الثانية والعشرون: إثبات المسؤولية الشخصية وتحمل الانسان تبعة أعماله وارتهانه بها.

الفائدة الثالثة والعشرون: نجاة المؤمنين وفكاكهم من الارتهان.

الفائدة الرابعة والعشرون: إثبات الجنة وأنها دار المؤمنين.

الفائدة الخامسة والعشرون:  أن الكفر جريمة.

الفائدة السادسة والعشرون: تساؤل المؤمنين في الجنة عن الكافرين في النار.

الفائدة السابعة والعشرون: بيان موجبات النار الأربعة: ترك الصلاة، والزكاة، والخوض بالباطل، وإنكار البعث. 

الفائدة الثامنة والعشرون: كفر تارك الصلاة، ولو تهاوناً وكسلاً.

الفائدة التاسعة والعشرون: أن الكافر لا عبد الخالق، ولا نفع المخلوق.   

الفائدة الثلاثون: إصرار الكافر على خصال الكفر حتى الموت.  

الفائدة لحادية والثلاثون: نفي الشفاعة عن الكفار.   

الفائدة الثانية والثلاثون: إثبات الشفاعة للمؤمنين.

الفائدة الثالثة والثلاثون: التشبيه الشنيع للكافرين المعرضين عن بالحمر الوحشية النافرة من الأسد، أو من الرامي.

الفائدة الرابعة والثلاثون: تبجح الكافرين، وسؤالهم المطالب التعجيزية.

الفائدة الخامسة والثلاثون: تشابه قلوب المشركين في حججهم ومماطلتهم.

الفائدة السادسة والثلاثون: بيان حقيقة كفر الكافرين، وسر إعراضهم، وهو إنكارهم للمعاد .

الفائدة السابعة والثلاثون: أهمية الخوف من الآخرة، وأثره في استقامة العبد.

الفائدة الثامنة والثلاثون: أن القرآن العظيم أعظم مذكر وواعظ.

الفائدة التاسعة والثلاثون: إثبات مشيئة العبد، ودخولها تحت مشيئة الله.   

الفائدة الأربعون: استحقاق الله أن يتقى، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه.

الفائدة الحادية والأربعون: اتصاف الله بالمغفرة لمن شاء، سوى المشركين.  

الفائدة الثانية والأربعون: إثبات صفات الكمال لله تعالى، والرد على المعتزلة المنكرين لها.

 


([1]) أخرجه احمد رقم (11558).

([2]) أخرجه البخاري رقم (3700).

([3]) أخرجه البخاري رقم (240), ومسلم رقم (1794).

([4]) الأثران في جامع البيان ت شاكر (24/ 24)

 

([5]) مجموع الفتاوى: (5/119).

([6]) انظر: تفسير الطبري: (24/24-26).

([7]) تفسير الطبري: (24/28-30).

([8]) أخرجه البخاري رقم (3471), ومسلم رقم (2388).

([9]) أخرجه أبو داود برقم (336) وأحمد برقم (3056)

([10]( أخرجه مسلم برقم (280)

([11]) أخرجه أبو داود رقم (4727).

([12]) أخرجه مسلم برقم (287).

([13]) أخرجه احمد رقم (21515), والترمذي رقم (2312).

([14]) أخرجه مسلم رقم (164).

([15]) أخرجه البخاري رقم (182).

[16] الصلاة وأحكام تاركها (ص: 38). ط: المكتب الإسلامي.

 

([17]) أخرجه أحمد برقم (21311) وهو صحيح على شرط الشيخين.



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:04 صباحًا السبت 20 ربيع الثاني 1442 / 5 ديسمبر 2020.