• ×

أ.د. أحمد القاضي

تفسير سورة المزمل

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  127
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

سورة المزمل

سورة المزمل أحدى السور المكية، التي نزلت أول الإسلام. ومن مقاصدها:

 - تقوية الصلة بالله عز وجل من طريقين قيام الليل, ترتيل القرآن وتدبره.

 - تصبير النبي r على ما يلقى من أذى قومه، لاسيما في أول الدعوة.

 - إثبات المعاد والجزاء والحساب.

وهذه المقاصد الإيمانية والتربوية، ضرورية للنبي r،  وللمؤمنين الأوائل الذين استجابوا لدعوته، ولقوا في ذات الله مالقوا.

قوله:{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل: 1], هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ونداء له من ربه عز وجل، بوصف تلبس به في حال من الأحوال، وهو (التزمل). ومما قيل في سبب وصفه بهذا أن قريشًا اجتمعوا ليوصِّفوا حال النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو كاهن، وقال بعضهم: هو ساحر، وقال بعضهم :كاذب, وأرادوا أن يصفوه بوصف قبيح، ليصدوا الناس عن دعوته، وينفروا الناس منه. فلما بلغه ذلك ضاق صدره، والتحف بكساء، والتف به، فأنزل الله عليه:{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}, هذا هو المخرج حينما يضيق الصدر، وتتراكم الهموم، فإن الفرج والمخرج بأن ينشئ العبد بينه وبين ربه عبادة خاصة, ومناجاة حميمة، يسرب ما في نفسه من الضيق، والهم، والغم، والكدر، ويشكو بثه وحزنه إلى الله. لهذا ندبه ربه عز وجل إلى قيام الليل.

قوله: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}: فكان قيام الليل واجبًا على النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال له ربه عز وجل: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا).

قوله:{نِّصْفَهُ أَو انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا} هذا تقدير لمدة القيام. وما دون النصف هو الثلث. ويعرف منتصف الليل، بأن ننصف الوقت ما بين مغيب الشمس، إلى طلوع الفجر، فذلك منتصف الليل، لا كما يظن بعض العوام، أن منتصف الليل هو الساعة الثانية عشرة، محاكاةٌ لاصطلاح الغربيين، ومن لفَّ لفهم. وما عليه أهل الإسلام أدعى إلى الدقة، وأقرب إلى الواقع؛ لأنَّ مبتدأ الليل مغيب الشمس، ومنتهاه طلوع الفجر، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان.

قوله: {أَوْ زِدْ عَلَيْهِ}, أي زد على النصف إلى الثلثين، مما يدل على أن في الأمر سعة، وأن ذلك يتعلق بحال القائم؛ فتارة يتمكن من القيام نصف الليل، أو أكثر من ذلك، وتارة دون ذلك. كما أن صلى الله عليه وسلم قد يدع قيام الليل لعارض من العوارض البشرية، فيقضيه ضحى.

     روى الإمام أحمد من حديث سعيد بن هشام الطويل، أنه دخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقال: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ؟  قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: " فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ، وَأَمْسَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَاتِمَتَهَا فِي السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ التَّخْفِيفَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَصَارَ قِيَامُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطَوُّعًا مِنْ بَعْدِ فَرِيضَتِهِ"، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ ثُمَّ بَدَا لِي وَتْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ وَتْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: "كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَتَسَوَّكُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ إِلَّا عِنْدَ الثَّامِنَةِ، فَيَجْلِسُ وَيَذْكُرُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَدْعُو، وَيَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي التَّاسِعَةَ، فَيَقْعُدُ، فَيَحْمَدُ رَبَّهُ وَيَذْكُرُهُ وَيَدْعُو، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ "، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ. فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأُخِذَ اللَّحْمُ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَمَا يُسَلِّمُ، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ. وَكَانَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ نَوْمٌ، أَوْ وَجَعٌ، أَوْ مَرَضٌ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا قَامَ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ)([1]) .

قوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} ترتيل القرآن: أي قراءته بتؤدة، وتمهل، لكي يكون أكثر وقعًا وتأثيرًا. وقد كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، كما وصفت عائشة، رضي الله عنها، وغيرها، مدًا، كان إذا قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد (الله) ويمد (الرحمن) ويمد (الرحيم)، كما أنه كان يقف على رؤوس الآي، لم يكن يهذه هذَّ الدقل أو هذ الرمل، بل كان يتأنى في تلاوته، ذلك أن القرآن مكنز للمعاني، والعظات، والعبر، يحتاجُ قارؤه ومستمعه  إلى قدر من المهلة الذهنية لاستيعاب ما تضمنه من هذه المعاني، وتذوقها والتفكر فيها. وهذا لا يتأتى بالقراءة المترسلة السريعة. ربما احتاج الإنسان في بعض الأحوال إلى قراءة مترسلة, لكن قيام الليل شأنه يختلف؛ المقصد منه أن يفرغ الإنسان, ويخلو بربه عز وجل, ويتذوق كلامه.

     والقرآن كلام الله, وهذا أجل أوصافه، ومن القصور في تعريف القرآن أن يقال: هو المفتتح بالفاتحة، المختتم بالناس! هذا تعريف المصحف. فيجب أن يكون التعريف المتعين للقرآن العظيم أنه: (كلام الله)، كما قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، لأن هذه الجملة تلقي في النفس القدسية، والعصمة، والعظمة، التي تنبغي لهذا الكلام المجيد. فإذا علم العبد أنه هذا كلام الله عز وجل، تهيأت نفسه وتكيفت لاستقباله بما يليق به. وقد حكى الإمام البخاري، رحمه الله، عن بعض الصحابة، ما يدل على استشعارهم لهذا المعنى الجليل، فقال: (وَقَالَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «تَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ مَا اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّكَ لَنْ تَقْتَرِبَ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِهِ». وَقَالَ نِيَارُ بْنُ مَكْرَمٍ الْأَسْلَمِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمَّا نَزَلَتْ: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ}، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ يَصِيحُ يَقُولُ: «كَلَامُ رَبِّي». وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، إِذَا سَمِعَتِ الْقُرْآنَ قَالَتْ: «كَلَامُ رَبِّي، كَلَامُ رَبِّي»»[2]. وروى الطبراني عن عكرمة، رضي الله عنه، أنه كَانَ يَأْخُذُ الْمُصْحَفَ، وَيَضَعُهُ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: «كَلَامُ رَبِّي، كَلَامُ رَبِّي»[3]. فهذه الآثار تدل على قوة الاستشعار والاستحضار لهذا المعنى.

     والقرآن: (منزل) من عنده سبحانه كما قال: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ}، ولم يقل على أذنك. وهو (غير مخلوق), فالذين حاولوا أن يخرجوا القرآن عن قدسيته، وصفوه بأنه مخلوق، بناء على أصلهم الفاسد، وهو إنكارهم لصفات الباري عز وجل. وأثاروا محنة فتنوا فيها خيار المؤمنين، في القرن الثالث من الهجرة، فأبى أهل السنة إلا أن يقولوا: كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدا و إليه يعود، تكلم الله به حقيقة، فأوحاه إلى جبريل، فنزل به على قلب محمد صلى الله عليه وسلم. فحينما يمتلئ القلب يقينا بهذه الحقيقة، يخضع، ويسلم سمعه، وبصره، وقلبه، وجميع مشاعره، لاستقبال هذا الكلام الكريم.

قوله: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}, وصف الله سبحانه وتعالى القرآن بأنه قول ثقيل ؛ ثقيل في معانيه, ثقيل في هداياته ودلالاته, ثقيل في مقاصده وغاياته, فليس كسائر الكلام. فإن العرب قد عرفت الشعر، والسجع، والبديع، وسائر المحسنات،  ولكنهم لم يقفوا يوما من الأيام على مثل هذا اللون من القول! فلذلك بهروا حينما سمعوه، حتى إن صناديد قريش كانوا يتسللون خفية لسماعه, حتى لا يراهم العامة, يسيرون في جنح الظلام, ويقربون من بيت النبي صلى الله عليه وسلم, وهو يترنم بالقرآن, فيعثر بعضهم على بعض فيتلاومون، قال الله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 26].

     وفي قوله: {إِنَّا سَنُلْقِي  عَلَيْكَ}, ما يدل أنه صادر من علو، لأن الإلقاء يكون من أعلى إلى أسفل. ففيه دليل على إثبات العلو كما يدل على وصفه بالقول, قال تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] فهو قول الله عز وجل الله.

 قوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}, عودٌ إلى التذكير بقيام الليل. و للمفسرين في (نَاشِئَةَ اللَّيْلِ) قولان:  

 الأول: كل آنائه من أوله أو أوسطه أو آخره، ناشئة.

          الثاني: هي التي تكون إثر نوم. وذلك أن النفس تستجم بالنوم، فإذا قام الإنسان من نومه يكون قد صفا ذهنه، وسكنت نفسه، واستراحت جوارحه، وصار مستعدًا للتأمل والتدبر. وأيًا كان، فإن الليل بجملته، محل للسكن، فالله تعالى: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} [الأنعام: 96], وقال: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} [يونس: 67], وقال: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} [غافر: 61]. فلو أن امرأً صلى من أول الليل لصدق عليه أنه قد قام الليل. عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: "مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ"[4]، وعنها، رضي الله عنها قَالَتْ: "مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَوَّلِهِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ"[5]، لأنه أفضل أوقاته حيث يتنزل الرب سبحانه وتعالى كما في حديث أبي هريرة الصحيح:  (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي، فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ)([6]), فآخر الليل أسمع وأوقع. ومعنى أشد وطئًا: أي أشد مواطئة بين القلب واللسان، فيقع توافق بين ما يلهج به اللسان، وما ينفعل به القلب. وهذا وَجْد يتذوقه كل من قام الليل، فيجد الفرق بيِّنا بين صلاته بالليل وصلاته بالنهار.

          قوله: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا}, سبحًا: أي فراغًا ممتدًا، وبغية ومنقلبًا، و مجالاً للتطوع بمختلف أنواعه،  فجعل الله سبحانه وتعالى النهار معاشًا, وجعل الليل لباسًا. فوظيفة الليل: الخلوة، ووظيفة النهار: الجلوة. وظيفة الليل أن يخلو العبد بربه عز وجل، ويناجيه بعيداً عن الأبصار، ويبثه شكواه ودعواه، ويلجأ إليه، ويتضرع بين يديه. فهذه الحال تسكب في قلب المؤمن من المعاني ما لا يتأتى في النهار. وفي النهار وظائف كثيرة؛ من السعي على نفسه، وأهله، و عياله, والضرب في الأرض لتحصيل المصالح.  و الموفق هو من ينزل كل وظيفة على الزمن المناسب لها.  ومن تأمل هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وجد أنه يجعل لكل مقام مقالا,  ولكل حال وظيفة تناسبه. وهذه حقيقة التعبد. فأحسن التعبد أن تشغل الوقت بالعبادة المناسبة لها؛ فإذا أذن المؤذن فالوظيفة هي إجابة المؤذن, ونقل الخطى إلى المساجد، وإذا حال حول الزكاة، فالوظيفة إخراجها، وهكذاً في كل أمر.  فحقيقة التعبد لله تعالى هو الإتيان بما ندب الله إليه عباده في ذلك الحال. أما أولئك الذين أسروا أنفسهم بأحوال، وهيئات، ورسوم، ويستثقلون الخروج عن هذه الوضعية، ولا يغيرون رسمًا التزموه،  فهؤلاء ما أحسنوا التعبد لله.  التعبد الحق: أن يفعل الإنسان ما يناسب الحال،  فلو قدر أن إنساناً كان له وردٌ وحزب معتاد، ثم حل به ضيف، فالوظيفة هي إكرام الضيف،  ولو تخلف بعض ما كان يجري عليه، ثم يقضي إن شاء. عن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ» [7]فينبغي للإنسان الموفق أن يتلمس هدي النبي صلى الله عليه وسلم في سبحهِ في النهار.

          قوله: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ), المقصود من عبادة الليل، ومن عبادة النهار، ذكر اسم الله، قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26], وقال: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]. فحقيقة الذكر: ارتباط القلب بالله، وإن أجل العبادات أن يكون القلب موصولًا بالله تعالى، لا يغيب عنه،  فلأجل ذا ضخ الشارع الكريم من الأذكار، في مختلف المناسبات، والأحوال، والهيئات، ما يجعل الإنسان متصلًا بالله على الدوام؛ كأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم واليقظة، وأذكار الطعام والشراب، وأذكار دخول المسجد والخروج منه،  بل وأذكار دخول الخلاء والخروج منه، وحتى إتيان أهله والاستمتاع بهم،  وسائر الأشياء. لا تكاد تجد مرفقًا من مرافق الحياة إلا وقد اقترن به ذكر حسنٌ جميل، يذكّر العبد بالله تعالى. هذا هو الذكر الحق،  وليس الذكر بأن يطقطق بالمسابح، ويتلو بعض الوظائف، وقلبه ساهٍ لاهٍ، بل ينبغي أن يكون يتواطأ القلب واللسان حال الذكر. قال العلماء: إن أعظم أحوال الذكر ما تواطأ فيه القلب واللسان،  يليه في المرتبة ما استقل به القلب عن اللسان،  يليه في المرتبة ما استقل به اللسان عن القلب.  فربما درج بعض الناس على بعض الأذكار، ومعهم نوع من الذهول، فلعلهم يؤجرون, لكنهم دون أجر من أحيوا ذكر الله تعالى بقلوبهم.  ولأجل ذا كان الذكر هو الغنيمة الباردة،  قال صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ»؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى)([8]).هذا عرض مغرٍ  للموفق، يغتنمه قائمًا، أو قاعدًا، أو على جنبه، ويتقلب في مصالحه اليومية، وهو يتمتم بالكلم الطيب، فينال بذلك أعلى الدرجات،  ولما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فدلني على أمرٍ أتشبث به. قال: (لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ)([9]).

          قوله: {وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا}، أي اعبده حق عبادته،  ودُمْ على ذلك.  فالتبتل: هو الانقطاع في العبادة لله عز وجل. وليس معنى ذلك أن يأوي إلى الديارات، والمغارات، وينقطع عن الناس، كلا،! تلك رهبانية النصارى، والنسك الأعجمي، المقصود أن ينقطع بقلبه لله تعالى، وإن كان يعافس الأهل والأولاد, ويضرب في الأرض يبتغي من فضل الله، لكنه موصولٌ بالله تعالى،  يتعبد لله تعالى في كل ما يأتي وما يذر.  ولا أعبَدَ لله تعالى من أنبيائه،  وخير الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان زوجًا،  وأبًا، وجارًا، وإمامًا، وقائدًا، ومعلمًا، ومع ذلك، فإنه هو أعبد الناس لربه، يفعل كل هذه المهام وهو موصول بربه عز وجل.

          قوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}, هذا التعقيب بعد الأمر بذكره وعبادته، تنويهٌ باستحقاقه سبحانه وتعالى لإخلاص العبادة له لأنه الرب. والمشرق والمغرب هنا اسم جنس،  يعني كل مشرق وكل مغرب، في أي موضع من الأرض،  في أي ساعة من الساعات، فالله تعالى خالقه، ومالكه، ومدبره. هذه هي حقيقة الربوبية، تدور حول هذه المعاني الثلاث؛ الخلق والملك والتدبير.

          قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}، هكذا يقترن توحيد الربوبية بتوحيد الألوهية، أي لا معبود بحق إلا هو،  فكل عبودية مزعومة مدّعاة، فهي باطلة، إلا عبوديته سبحانه وبحمده، وهذه كلمة التوحيد التي هي أول الإسلام، وأوسطه، وآخره،  فمن مات وآخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله، دخل الجنة. إلا أنها يجب أن تقال: بعلم، ويقين، وصدق، وإخلاص، ومحبة، ومحبة، وقبول، وانقياد, فلا يقولها بمجرد لسانه، دون أن يعي معناها، فمن قالها بلسانه وهو لا يعي معناها، ولا يعمل بمقتضاها، لم تغن عنه شيئًا، ولو ملأ الجو تهليلا. إن معنى قول "لا إله إلا الله"،  أي لا معبود بحق إلا الله،  فإن "الإله": من تألهه القلوب محبة وتعظيماً، تألهه: أي تنجذب إليه، و تتعلق به، فهذا لا يكون إلا لله الواحد القهّار. فحينئذٍ يخلص المحبة، والخوف، الرجاء لله تعالى ، وهكذا بقية أعمال القلوب.

          قوله: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً}, التوكل من أعظم مظاهر العبودية. التوكل: هو اعتماد القلب على الله عز وجل في جلب المصالح، ودفع المضار، مع فعل الأسباب التي نصبها الله أسبابًا. لذلك نجد الارتباط الوثيق بين التوكل والإيمان، قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23], وقال: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ} [الفرقان: 58] وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2], وقال: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173], ففزع القلب إلى الله عز وجل، دليل على حسن ظنه بالله، وصدق تعبده له، وفزع القلب إلى المخلوقين، والتعلق بهم، دليل على ضعف الإيمان. أول ما ينبغي أن يتبادر إلى القلب في المضائق والمآزق، الفزع إلى الله عز وجل، ثم بعد ذلك ينظر إلى الأسباب التي نصبها الله أسبابًا؛ حساً، وشرعاً، ويفعلها لأن الله نصبها، لا لأنها مستقلة بالتأثير. فهذه الآية جمعت بين توحيد الربوبية، والألوهية، والتوكل: {رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}. ولما قدم بهذه الجمل العظيمة، وندب نبيه إلى قيام الليل والصبر عليه، هيأهُ للصبر على ما يلقى من قومه وقال:

          {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ}, أي من التهم الجزاف، وألقاب السوء التي ينبزونك بها؛ كالسحر، والكذب، والكهانة، وغيرها،  ولاريب أنها تقدح في النفس وتخدشها، ولكن ليس ثَمّ إلا الصبر. ومنزلة الصبر في الدين كمنزلة الرأس من الجسد. والصبر من أشرف المقامات، وهو ثلاث أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. فالصبر على طاعة الله: أن يلزم الإنسان نفسه امتثال أوامر الله. والصبر عن معصية الله: أن يمسك الإنسان نفسه عن انتهاك حرمات الله. والصبر على أقدار الله المؤلمة: أن يتلقى ما يقضيه الله تعالى من الأمور الموجعة برضى ويقين،  ويمسك لسانه وجوارحه عن دعوى الجاهلية. قال تعالى:{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35], فما من رسول  إلا وجِّه إليه سيل من التهم، وصنوف من الأذى، لكنهم يصبرون،  فأمر الله نبيه بالصبر على هذه الدعاوى التي ألقيت عليه، ونيل منه بها.

 قوله: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}، الهجر الجميل: هو الذي لا عتاب معه، ولا جزع فيه. نجد أن الله سبحانه وتعالى يندب إلى التجمل في عدة أمور, كما قال: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85]، وقال: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج: 5], وقال: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49]. فينبغي أن يكون الهجر جميلاً، بحيث لا ينحط الصابر إلى نوع من العتاب، والمؤاخذة، والمحاسبة، بل يحتمل. ويسعه أن يدفع عن نفسه قالة السوء،  فلما قال قوم هود لهود عليه السلام: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} [الأعراف: 66] قال: {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 67]، فهذا لا ينافي الصبر، والهجر الجميل،  وليس من مقتضى الصبر أن لا يذب المرء عن عرضه،  ولكن لا ينزل إلى سفاسف الأمور.

قوله: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا}، حسبك أن يقول رب العالمين: خلِّ بيني وبين هؤلاء! ذرني: يعني دعني أفعل بهم ما يليق بهم.

          قوله: {أُولِي النَّعْمَةِ}، أي أصحاب  التنعم، والأشر والبطر. وهذا هو الغالب على من انغمس في الترف والنعيم، أنه يقع بينه وبين قبول الحق حجاب،  لأن الترف والنعيم يجعلان الإنسان ينزع إلى الدنيا، ويميل إلى الشهوات، ويتباعد عن الآخرة، وعن الأمور التي تخالف هواه، فلذلك كان المترفون، غالباً، هم أهل النار،  والصابرون هم أهل الجنة.

           قوله: {وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا}, هذا الذي يتقلبون فيه من النعمة، إنما هو متاع زائل، عما قليل يتلاشى ويضمحل، قال تعالى: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3], وفي هذا ما يُشعر المؤمن بأن ما قد يدهشه من حال أهل الدنيا ينبغي أن لا يزلزل إيمانه بسنن الله الكونية، فإن الله سبحانه وتعالى، قد يمتع بعض بني آدم ببعض النعم، ليستدرجهم، ويستزلهم للتمادي، لكنه سبحانه، لهم بالمرصاد.

          قوله: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا وطعاماً ذا غصةً وعذاباً أليماً}، أي لو شاء ربك لأخذهم أخذ عزيز مقتدر،  لكن الله تعالى حليم؛ يمهل ولا يهمل، وهو سبحانه وتعالى، يؤجل العقوبة لحكمه،  مع أنه يرى، ويسمع، ويعلم، لكنه سبحانه وتعالى حليم؛ وفي الصحيح: (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ)([10]), فنبه تعالى، نبيه صلى الله عليه وسلم، أن هؤلاء الذين يشغبون عليه،  ويؤذونهً، في القبضة، وأنه لو شاء الله تعالى لأهلكهم بعذاب مؤلم، موجعا، وجحيم في الآخرة وهي النار، وتجريعهم طعامًا ذا غصة، هو الغساق، والغسلين، يعلق في الحلق؛ فلا هو يهبط ولا هو يخرج.

          قوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا}:هذا تذكير باليوم الآخر. فهم وإن سلموا في الدنيا من عقوبة عاجلة, فأمامهم يوم القيامة.          ومعنى ترجف: أي تهتز وتميل. وقد تكرر ذكر هذا المعنى في مواضع كثيرة من القرآن، وهي من مشاهد القيامة، التي ينبغي للموفق أن يستدعيها، ويستحضرها، ويطلق خياله في تصورها، حتى يمتلأ قلبه خشية لله تعالى، كقوله: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} [الواقعة: 1 - 6], إن هذه الأرض القارَّة إذا أصابها زلزال طارئ، لبضع ثوان، تنقلب الأشياء رأسًا على عقب, وتنحط البنايات العالية, وتهوي قرى بأكملها في جوف الأرض! وهو حدث دنيوي، فكيف بيوم القيامة! وهذه السلاسل الهائلة من الجبال الشاهقة، التي ينقطع دونها البصر, يقول الله عنها: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 105 - 108] هذا كائن لا محالة.

               وقد تقدم أن أحوال الجبال يوم القيامة متغيرة، لأنه يوم طويل, فقد أخبر الله أن الجبال تمر بأطوار متعددة، فتارة تسير وتمر مر السحاب، كما قال تعالى: {وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [التكوير: 3،] وقال: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: 88], ثم بعد ذلك تُحمل وتُدك، كما قال تعالى: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 14], ثم بعد ذلك تدق وتبس، كما قال: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} [الواقعة: 5]، فتصبح كثيبًا مهيلًا، كما قال هنا: {وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا}. والكثيب: الرمل،, مهيلًا : منثورًا. تعود هذه الجبال الصُم الصلدة كالرمل المبثوث. وفي الصحيح: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ"[11], وفي رواية: " لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ،"[12]، أي: لا جبل يُرتقى عليه،  ولا وادٍ يُهبط إليه،  ولا غار يكتن به. ففي هذا إيقاظ وتذكير بهذا الأمر الذي هم مقبلون عليه،  ولاريب أن فيه عظةٌ وعبرة لمن كان في قلبه حياة، فيستدرك ويؤوب إلى رُشده.

               ثم إن الله سبحانه وتعالى، وعظهم بأسلوب آخر من أساليب الموعظة، وهو التذكير بالتاريخ، والحوادث السابقة فقال:

         {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فعصى فرعون الرسول فأخذناهُ أخذاً وبيلاً}، يخبر هؤلاء المخاطبين من مشركي قريش،  ومن وراءهم من العرب، والأمم، برسالة نبيه محمد r, وشهادته عليهم، بوصفهم أمة الدعوة، بالبلاغ المبين،  ونظَّر هذا برسالة موسى، عليه السلام، إلى فرعون. وموسى عليه السلام، أحد أولي العزم من الرسل، وقصته مبسوطة في مواضع كثيرة من القرآن العظيم, لكن اقتصر في هذا السياق على ما يناسب المقام.

          قوله: {فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ}, كما أنتم الآن تعصون, فماذا كانت النتيجة؟ {فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} وذلكم الأخذ: أن الله سبحانه وتعالى أغرقه وملئه في البحر، ساقه إلى حتفه بخيله، ورجله، وجنده، وأغراه باقتحام البحر خلف بني اسرائيل، حتى إذا تكامل بنو إسرائيل خارجين، وتكامل آل فرعون داخلين، أمر الله البحر أن ينطبق عليهم, كما وصف تعالى: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 24 - 27]. ذلكم هو الأخذ الوبيل،  فمن عصى الرسول فهذه عاقبته، فليس لأحد نسب ولا سبب يٌدلي به على الله عز وجل، بل هي سنن مطردة.

          قوله: {فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا}, عاد السياق إلى ذكر اليوم الآخر والتخويف منه. والعامل في قوله (يومًا) إما (تتقون), فيكون التقدير فكيف تتقون يومًا, ويحتمل أن يكون العامل فيه (كفرتم) يعني إن كفرتم يومًا, ولا تعارض بين المعنيين؛ يمكن أن يكون التقدير: (فكيف تتقون يومًا إن كفرتم), ويمكن أن يكون التقدير: (فكيف تتقون إن كفرتم يومًا), فكلاهما محمل حسن. واليوم: يوم القيامة، كما وصف الله عز وجل:{يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2]، فاستذكار ذلك اليوم مهم في إحياء الإيمان في القلوب،  وكثير من الناس يقصي التذكير باليوم الآخر،  ويبعده عن مخيلته لأنه يريد أن يستمتع، ويتلهى في هذه الدنيا، دون تعكير!  لكن ما أشبهه بالنعامة التي تدس رأسها في التراب تظن أن الصياد لا يراها. العاقل اللبيب هو الذي يدرك بأن ما هو آت يستدعي الاستعداد، ودوام الذكرى. وهذا قلقُ مبارك، ليس قلقًا يعكر الصفو، ويكدر العيش،  ويصرف الإنسان عن مصالحه، بل هو قلق إيجابي يحمله على تقوى الله عز وجل،  وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وحسب. ولهذا لا يحتاج الإنسان من خوف الله تعالى إلا إلى القدر الذي يحجزه عن معاصيه، وما زاد فلا حاجة له فيه، فليس مندوبًا أن يشعر بالكآبة، والنكد، والضيق، والاضطراب، كلا، كان النبي صلى الله عليه وسلم من أطيب الناس عيشًا، وأهنئهم مجلسًا،  مع شدة خوفه، وخشيته، وتقواه، لربه عز وجل.

          قوله:{السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ}, يعني منشق متصدع، كما أخبر الله عز وجل: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} [الحاقة: 16]، فهذا من مشاهد يوم القيامة التي يتكرر ذكرها في القرآن. وقد اختلف في مرجع الضمير في قوله: (به: فقال بعض المفسرين: أي بسببه, أي بسبب يوم القيامة، فإنه من لوازمه. وقيل: أي بالله عز وجل،  ولكن هذا القول ضعيف، لأنه لم يرد له ذكرٌ فيما مضى حتى يُرجع الضمير إليه.

قوله:{كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا}، هكذا يقر الإيمان في القلوب،  فتمتلئ يقينًا بما أخبر الله عز وجل, فلا يمكن أن يتخلف وعد الله عز وجل،  إن الله لا يخلف الميعاد, وهذا القطع واليقين والجزم هو ما يسمى "الاعتقاد"،  لأن الاعتقاد مأخوذ من عقد الحبل، وهو الشد، والربط، والحزم.

          قوله: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ}، يعني هذه السورة، أو هذه المواعظ التي سبق ذكرها، تُذكر القلوب وتحييها، والذكرى تنفع المؤمنين؛ لأن القلب يصدأ كما يصدأ الحديد، وجلاؤه ذكر الله،  فالذكرى تصقل القلب، وتعيد له بهاءه، وبشاشته، وتأثره واستجابته. أما إذا كان القلب بعيدًا عن الذكرى، فإنه يقسو، ويصبح قلبًا أغلفًا، تحيط به حجب, وأغشية, وران, وغان, تمنع وصول الحق إليه كما قال ربنا عز و جل: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]. لذلك تجد الغارق في الشهوات لا تؤثر فيه العظات، يحتاج إلى صدمة كبيرة حتى تنفُذ إليه الذكرى. فالمرء بأمس الحاجة إلى أن يتعاهد قلبه بالذكرى،  ولا يسترسل في الغفلات, ليظل قلبهُ حيًا يقظًا.

قوله: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}, هذه الآية رد على الجبرية الذين ينكرون فعل العبد ومشيئته،  فقد أثبت الله للعبد مشيئة، وفعلًا،  فقوله: (من شاء) إثبات المشيئة، وقوله: (اتخذ) إثبات الفعل والأداء. فالعبد له مشيئة حقيقية بها يأتي وبها يذر،  وله فعل حقيقي  يصح ويصدق إسناده إليه، كما قال ربنا عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}[الليل: 5- 10], فالذي أعطى، واتقى، وصدق، هو العبد، والذي بخل، واستغنى، وكذب، هو العبد. ولهذا كان الثواب والعقاب مرتبين على ما يبدر من العبد من طاعة أو معصية, وماربك بظلام للعبيد. فليس لأحد أن يحتج على الله بقدره السابق،  فإنه سبحانه قد قدر المقادير، وفرغ من العباد،  لكنه أخفى القدر، وأظهر الشرع، وقال: اعملوا فكلٌ ميسر! فالإنسان فيما يأتي وما يذر، يجد في نفسه إرادة، ومشيئةً، وفعلًا حقيقيًا، ليس صورياً، ولا قسرياً، ولا قهرياً، بل يقع منه مع سبق إصرار، ومحض اختيار. فلذلك رتب الله عليه الثواب والعقاب.

     ففي هذه الآية رد مفحم على القائلين بالجبر، الذين يزعمون أن العبد مجبور على فعله. فلا يستقيم أن يقال: "العبد مسير" بإطلاق ولا يقال: "العبد مخير", بإطلاق، بل يقال: "العبد ميسر"، لقوله تعالى:{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}و{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)([13])

     وقوله: {فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا}، ليس المراد التخيير الشرعي؛ إن شئت اتخذ، وإن شئت لا تتخذ! المقصود أنه لا عذر لأحد,  فمن أراد النجاة والفكاك فليتخذ إلى ربه سبيلًا،  من جنس قول الله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40], ليس المقصود أنني أبحت لكم ما تشاؤون، لكن معناه أنتم مجزيون بما تختارون وتعملون،  ومثله قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، ليس المراد تسويغ الكفر، وإنما المراد أن هذا وهذا كلاهما بمشيئتك، ومقدورك فاختر لنفسك! وسيترتب على مشيئتك واختيارك الثواب أو العقاب. ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا"[14]

 

ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ}, كان الأمر في أول الإسلام على الوجوب، وكان السابقون الأولون من المؤمنين مأمورين شرعاً بالقيام، ثم إن الله سبحانه وتعالى خفّف عنهم، وأسقط عنهم وجوب قيام الليل، و أبقى استحبابه، وفضله، والترغيب به.

     والخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام خطاب لأمته، إلّا أن يقوم دليل على التخصيص. وهذه قاعده أصولية، مثال ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ} [التحريم: 1، 2], فالخطاب موجه للنبي r، لكنه شمل أمته بدليل قوله: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ), إلا أن يرد ما يدل على التخصيص، كقوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50].

قوله:  {وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}، يعلم مقاديرهما واختلافهما حسب الفصول، فتارة يزيد الليل وينقص النهار، وتارة العكس. كما يعلم مقادير قيامكم وصلاتكم فيهما، فكل شيء عنده بمقدار.

قوله: {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي لن تستطيعوا الإيفاء به، لما يعرض لكم من العوارض الحياتية، فتاب عليكم.

 قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}، أي: صلٌوا، فالقراءة تأتي بمعنى الصلاة، والصلاة تأتي بمعنى القراءة، كما قال تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] أي لا تجهر بقراءتك ولا تخافت بها فسمى القراءة صلاةً.

      قوله: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ  وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}, هذه نماذج للأعراض التي تعتري بني آدم؛ فمنها المرض والسفر، وقد ‏قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا"([15]) وقال عمران بن الحصين، رضي الله عنه: كان بيَ الناصُورُ، فسألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: "صَلِّ قائمًا، فإنْ لم تَستَطِعْ فقاعِدًا، فإنْ لم تَستَطِعْ فعلى جَنبٍ."([16]). هؤلاء من أهل الأعذار؛ ومن إعذار الله لهم أن خفّف الصلاة عن المسافر، فحطّ الرباعية إلى اثنتين، وأباح الجمع بين الصلاتين للمرض، وللسفر، وللمطر، ولعموم الحرج، كل هذا من تخفيف الله تعالى على عباده وتيسيره. وأرقى من ذلك أن يكون مشغولًا بالجهاد في سبيل الله، فيحتاج إلى الرخص، وإلى صلاة الخوف.

قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}، يعني صلوا ما تيسر من الليل. وقد استدل أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، بهذه الآية، على أن قراءة الفاتحة ليست ركنًا؛ لقوله: {مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} أي القرآن،  فقالوا: لو قرأ بأي شيء من القرآن صحت صلاته. ولكن هذا لا يتم، لوجود الأحاديث الصحيحة، المتفق عليها، على ركنية الفاتحة، كحديث عبادة بن الصامت، مرفوعًا: (لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ)([17])، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ" ثَلَاثًا، غَيْرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: «اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ"[18] ،  فيكون هذا من باب بيان السنة للقرآن،  فمعنى قوله: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}, يعني مع قراءة الفاتحة؛ في الصلاة، فإن قراءة الفاتحة ركنٌ في كل ركعة، في كل صلاة، لكل مصلي.  وللعلماء في هذه المسألة أقوال مشهورة؛ فمنهم من يوجب قراءة الفاتحة في كل ركعة،  في كل صلاة؛ فرضَا أو نفلًا، سرية أو جهرية، لكل مصلٍ؛  إمامًا كان أو مأمومًا، أو منفردًا،  وهذا مذهب الشافعي، وهو اختيار شيخنا ابن عثيمين رحمه الله،  ومنهم من يرى أن قراءة الإمام قراءة لمن خلفه، في كل صلاة؛ سرية أو جهرية، وهو مذهب الحنابلة،  ومنهم من يفرّق بين السرية والجهرية؛ فيوجبها على المأموم في السرية دون الجهرية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.  

 قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ},إقامة الصلاة أي فعلها على وجه الاستقامة.

 قوله:{وَآتُوا الزَّكَاةَ}, أي أدوها طيبة بها نفوسكم لمستحقيها، فيما أوجب الله فيه الزكاة من الأموال. وهذا يدل على أن هاتين الشعيرتين من أعظم مباني الإسلام،  ولهذا يقرن الله تعالى بينهما في عدة آيات، ولا تكادان تنفكان، حتى إن الله تعالى يجعلهما مع الإخلاص والتوحيد، دينَ القيِّمة؛ {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5], والآية تدل أيضا على أن فرْضية الزكاة وقعت في مكة،  وإنما تأخر بيان أنصبائها ومقاديرها إلى المدينة،  ونجد هذا في سور مكية أخرى،  كقول الله تعالى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6، 7].

قوله: {وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا}, هذا إغراء من الله لعباده بالصدقة؛ لأن هذا القرض سيُرد،  وسيُرد مضاعفًا،  ففيه إغراء عظيم للبذل والنفقة.

 قوله:{وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}, هذا طمأنةٌ وترغيب، فكل ما يُقدّمه العبد فإنه لا يضيع، كما قال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا} [آل عمران: 30], فلا تأس على ما فات،  ثق أن الله قد حفظه.

 قوله: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}, ما أحسن هذا الختام الذي يُنبئ عن حاجة الإنسان إلى الاستغفار، حتى في ختام الطاعات؛ لأن العمل لابد أن يعتريه خلل، فيحتاج إلى ترقيع،  ونقص، يحتاج إلى تكميل،  وهذا يحصل بالاستغفار.  ولهذا نجد أن المصلي إذا انصرف من صلاته بالسلام، قال: استغفر الله، استغفر الله ، استغفر الله. وهكذا ندب الله المؤمنين في مناسك الحج، فقال: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199], فاستغفار الله: طلبُ مغفرته، وهو مشروع لما هو أعم من فعل الذنوب, فيشمل ما قد ينوب العبادة من الخلل والتقصير.

قوله: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}, اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى تضمنا صفتي المغفرة والرحمة.

 

الفوائد المستنبطة:

الفائدة الاولى: المخاطبة بالوصف الراهن (المزمل).

الفائدة الثانية: وجوب قيام الليل في حق النبي r، وبيان مقداره.

الفائدة الثالثة: السعة في التقدير، ورفع الحرج.

الفائدة الرابعة: استحباب ترتيل القرآن لتحصيل التدبر.

الفائدة الخامسة: ثقل القرآن حسًّا ومعنى.

الفائدة السادسة: فضل الصلاة في الليل؛ لكونها أحضر للقلب، وأجمع للتلاوة.

 الفائدة السابعة: اتساع النهار لقضاء المصالح.

الفائدة الثامنة: بركة الليل والنهار لمن وفقه الله لاغتنامهما.

الفائدة التاسعة: أن الليل محلٌ للدعة والخلوة، والنهار محلٌ للاكتساب والجلوة.

الفائدة العاشرة:  الحث على ذكر الله تعالى كل حين.

الفائدة الحادية عشرة: الإخلاص لله في العمل، والانقطاع إليه، والمداومة عليه.

الفائدة الثانية عشرة: توحيده تعالى بالربوبية والألوهية.

الفائدة الثالثة عشرة: توحيده تعالى بالتوكل، والقرن بين العبادة والتوكل.

الفائدة الرابعة عشرة: فضيلة الصبر على أذى المخالفين، وحاجة الداعية إليه.

الفائدة الخامسة عشرة:  استعمال الهجر الجميل.

الفائدة السادسة عشرة:  وعيد الله للمكذبين، وشديد عقابه لهم.

الفائدة السابعة عشرة: بيان صفة القيامة، وأطوارها، وأحوالها،

الفائدة الثامنة عشرة: إثبات رسالة النبي r.

الفائدة التاسعة عشرة: شهادته r على سائر الناس بالبلاغ، وأداء الرسالة.

الفائدة العشرون: التنظير بين رسالتي محمدٍ وموسى عليهما الصلاة والسلام، وبين كفار قريش وفرعون, للتذكير والتحذير من تماثل العاقبة.

 الفائدة الحادية والعشرون: شؤم العصيان، وشدة أخذ الله للمكذبين.

الفائدة الثانية والعشرون: التخويف من يوم القيامة، وضرورة اتقاء شره.

الفائدة الثالثة والعشرون: أهمية التذكرة والحاجة إليها، فالذكرى تنفع المؤمنين.

الفائدة الرابعة والعشرون: إثبات مشيئة العباد وأفعالهم، والرد على الجبرية.

الفائدة الخامسة والعشرون: إحاطة علم الله، وسعة تقديره لليل والنهار؛ طولًا وقصرًا، صيفًا وشتاءً.

الفائدة السادسة والعشرون: لطف الله بعباده ورحمته بهم، وتوبته عليهم وتخفيفه عنهم.

الفائدة السابعة والعشرون: التيسير في الشريعة، ورفع الحرج.

الفائدة الثامنة والعشرون:  التعبير عن الصلاة بالقراءة.

الفائدة التاسعة والعشرون: أن قراءة ما تيسر من القرآن لا ينافي ركنية الفاتحة.

 الفائدة الثلاثون: أن المرض، والسفر، والخوف، من الأعذار المعتبرة شرعًا، المخففة للأحكام.

الفائدة الحادية والثلاثون: علمٌ من أعلم النبوة، لإخباره تعالى إياه بما سيقع من الفتوحات.

الفائدة الثانية والثلاثون: فرضية الصلوات المكتوبة، واستحباب ما سواها.

 الفائدة الثالثة والثلاثون: أن الزكاة فُرضت في مكة.

الفائدة الرابعة والثلاثون: استحباب الصدقات، وأنها بمنزلة القرض الحسن.

الفائدة الخامسة والثلاثون: إعظام الرجاء بموعود الله تعالى، ومضاعفة ثوابه.

الفائدة السادسة والثلاثون: فضيلة الاستغفار بعد فعل الطاعات؛ لسد خللها وتكميلها.

الفائدة السابعة والثلاثون: إثبات اسمي الله الغفور والرحيم؛ وتضمنهما صفتي المغفرة والرحمة.

     

     وهذا سياق قيام النبي r كما حكاه ابن القيم -رحمه الله- في كتابه (زاد المعاد في هدي خير العباد). قال –رحمه الله-:

     (قَالَتْ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ عَلَيَّ، إِلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا بَاتَ عِنْدَهُ: «صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ نَامَ»، ذَكَرَهُمَا أبو داود.

     وَكَانَ إِذَا اسْتَيْقَظَ، بَدَأَ بِالسِّوَاكِ، ثُمَّ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى، ... ثُمَّ يَتَطَهَّرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، كَمَا فِي "صَحِيحِ مسلم "، عَنْ عائشة قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ»، وَأَمَرَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ( «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» ) رَوَاهُ مسلم.

     وَكَانَ يَقُومُ تَارَةً إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، وَرُبَّمَا كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ وَهُوَ الدِّيكُ وَهُوَ إِنَّمَا يَصِيحُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَكَانَ يَقْطَعُ وِرْدَهُ تَارَةً، وَيَصِلُهُ تَارَةً وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَيَقْطَعُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ مَبِيتِهِ عِنْدَهُ، «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ، وَهُوَ يَقُولُ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ}[آل عمران: 190]،  فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ، وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا» رَوَاهُ مسلم.

     وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَبَّاسٍ افْتِتَاحَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَتْهُ عائشة، فَإِمَّا أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا تَارَةً، وَهَذَا تَارَةً، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عائشة حَفِظَتْ مَا لَمْ يَحْفَظِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمُلَازَمَتِهَا لَهُ، وَلِمُرَاعَاتِهَا ذَلِكَ، وَلِكَوْنِهَا أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِقِيَامِهِ بِاللَّيْلِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّمَا شَاهَدَهُ لَيْلَةَ الْمَبِيتِ عِنْدَ خَالَتِهِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ وعائشة فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ قِيَامِهِ بِاللَّيْلِ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَتْ عائشة.

     وَكَانَ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ وَوِتْرُهُ أَنْوَاعًا، فَمِنْهَا: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.

النَّوْعُ الثَّانِي: الَّذِي ذَكَرَتْهُ عائشة، أَنَّهُ «كَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ يُتَمِّمُ وِرْدَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ»

النَّوْعُ الثَّالِثُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً كَذَلِكَ.

النَّوْعُ الرَّابِعُ: يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِخَمْسٍ سَرْدًا مُتَوَالِيَةً، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ.

النَّوْعُ الْخَامِسُ: تِسْعُ رَكَعَاتٍ، يَسْرُدُ مِنْهُنَّ ثَمَانِيًا لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، يَجْلِسُ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ، وَيَتَشَهَّدُ، وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ جَالِسًا بَعْدَمَا يُسَلِّمُ.

النَّوْعُ السَّادِسُ: يُصَلِّي سَبْعًا كَالتِّسْعِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ جَالِسًا.

النَّوْعُ السَّابِعُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى، ثُمَّ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ. فَهَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ عائشة، أَنَّهُ «كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ لَا فَصْلَ فِيهِنَّ»...

النَّوْعُ الثَّامِنُ: مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، «عَنْ حذيفة، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ، فَرَكَعَ، فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ) مِثْلَ مَا كَانَ قَائِمًا، ثُمَّ جَلَسَ يَقُولُ: (رَبِّ اغْفِرْ لِي، رَبِّ اغْفِرْ لِي) مِثْلَ مَا كَانَ قَائِمًا. ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى) مِثْلَ مَا كَانَ قَائِمًا، فَمَا صَلَّى إِلَّا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ حَتَّى جَاءَ بِلَالٌ يَدْعُوهُ إِلَى الْغَدَاةِ، وَأَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَوَسَطَهُ، وَآخِرَهُ. وَقَامَ لَيْلَةً تَامَّةً بِآيَةٍ يَتْلُوهَا وَيُرَدِّدُهَا حَتَّى الصَّبَاحِ وَهِيَ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} [المائدة: 118] » [الْمَائِدَةِ 118] .

وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ.

أَحَدُهَا - وَهُوَ أَكْثَرُهَا: صَلَاتُهُ قَائِمًا.

الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا وَيَرْكَعُ قَاعِدًا.

الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا، فَإِذَا بَقِيَ يَسِيرٌ مِنْ قِرَاءَتِهِ، قَامَ فَرَكَعَ قَائِمًا، وَالْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ صَحَّتْ عَنْهُ.

وَأَمَّا صِفَةُ جُلُوسِهِ فِي مَحَلِّ الْقِيَامِ، فَفِي "سُنَنِ النَّسَائِيِّ "، عَنْ عبد الله بن شقيق، عَنْ عائشة قَالَتْ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا». قَالَ النَّسَائِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرَ أبي داود، يعني الحفري، وأبو داود ثِقَةٌ، وَلَا أَحْسَبُ إِلَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَطَأٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.[19]

 


([1])أخرجه أحمد رقم (24269), وأبو داود رقم (1342)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.

 

[2] خلق أفعال العباد للبخاري (ص: 41)

[3] المعجم الكبير للطبراني (17/ 371)، برقم (1018)

 

([4]) أخرجه مسلم برقم (136)

([5]) أخرجه أحمد برقم (24759) وغيره. وإسناده على شرط الشيخين.

([6]) أخرجه البخاري رقم (1145), ومسلم رقم (758).

([7]) أخرجه البخاري برقم (1233) ، وأخرجه مسلم برقم (297)

([8]) أخرجه الترمذي رقم (3377), وأحمد رقم (21702).

([9]) أخرجه الترمذي رقم (3375), وابن ماجه رقم (3793).

([10]) أخرجه البخاري رقم (4686).

([11]) أخرجه البخاري برقم (6521)

          ([12]) أخرجه  ابن أبي شيبة (1/ 86)، برقم (96)

 

([13]) أخرجه البخاري رقم (4949), ومسلم رقم (2647).

(([14] أخرجه مسلم برقم (223)

([15]) أخرجه البخاري رقم (2996).

([16])خرجه البخاري رقم (1117)، وأبو داود رقم (952) واللفظ له، والترمذي رقم (372)، والنسائي رقم (1660)، وابن ماجه رقم (1223)، وأحمد رقم (19819)

([17]) أخرجه البخاري رقم (756), ومسلم رقم (394).

([18]( أخرجه مسلم برقم (395)

[19] زاد المعاد في هدي خير العباد (1/ 317- 321) ، باختصار.

 



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:08 صباحًا الثلاثاء 5 صفر 1442 / 22 سبتمبر 2020.