• ×

أ.د. أحمد القاضي

تفسير سورة نوح

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  151
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
سورة نوح

بسم الله الرحمن الرحيم

     سورة (نوح) u، سورةٌ أفردها الله تعالى من أولها إلى آخرها في ذكر قصته. ونوحٌ uمن أعظم أنبياء الله تعالى، وهو من أولي العزم من الرسل الذين ذكرهم الله تعالى مجتمعين، في موضعين من القرآن العظيم:

أحدهما: قول الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ[الشورى:13].

الموضع الآخر: قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: 7].

     وقد احتفى القرآن العظيم بذكر نوحٍu، حتى إنه ذكره ثلاثًا وأربعين مرة, في ثمانٍ وعشرين سورةً، وأفرد له سورةً كاملة، هي هذه السورة التي تحمل اسمه.

     ونوحٌ u هو أول أنبياء الله، كما أنه أول المرسلين، ويدل على أولية النبوة قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِه﴾[النساء:163]، فجميع الأنبياء جاءوا بعده، وبهذا يتبين خطأ من ذكر أن إدريس، أو شيث، عليهما السلام،  كانا قبل نوح، ودل على ذلك أيضًا حديث الشفاعة الطويل، وفيه أن الناس يقولون لنوح: (أنت أول نبيٍ أرسله الله إلى الناس)، وهو أيضًا أول المرسلين، فإنَّ في بعض روايات حديث الشفاعة الطويل: (فإنك أنت أول رسولٍ أرسله الله إلى الناس)([1])، فتبين بهذا أن نوحًا u هو أول الأنبياء وهو أول المرسلين. ومن قال بخلاف ذلك، كما هو مرسوم في بعض المشجَّرات التي فيها ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، من جعل شيث، وإدريس قبله، فهو خطأ مخالف للقرآن.

     ونوح، عليه السلام، في سُلم التفاضل بين الأنبياء، يقع في المرتبة الرابعة، على قول بعض المحققين، فأفضل الأنبياء على الإطلاق محمدٌ r، ثُمَّ يليه إبراهيم، ثُمَّ موسى بن عمران، ثُمَّ بعد ذلك نوح وعيسى في درجةٍ واحدة.

      وهذه السورة لها مقاصد متعددة، يجمعها بيان حال نوح مع قومه، وصبره، على دعوتهم، وعقوبة المكذبين له.

قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾[نوح:1]، التعبير بصيغة الجمع، ﴿ إِنَّا ﴾ للتعظيم. وقد كان قومه هم الناس جميعًا إذ ذاك؛ لأنَّ البشرية لم تكن قد كَثُرَت وتشعبت، وتفرقت؛ بل كانوا في موضعٍ واحد.

قوله: ﴿ أَنْ أَنذِرْ﴾[نوح:1] أي: بأن أنذر، والنذارة هي الإخبار بالخبر المَخُوف، وهو ما سيأتي ذكره.

قوله: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[نوح:1]، العذاب الأليم هو المؤلم الذي توعد الله تعالى به المكذبين للرسل, المنكرين للبعث، الناكصين عن امتثال أمر الله وشرعه.

قوله: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾[نوح:2] امتثل أمر الله U بالنذارة. وينبغي أن يتلبس النبي، والداعي إلى الله تعالى بروح النذارة، حتى أن نبينا r كان يقول: (أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ)([2])؛ لأنَّ النذير العريان، الذي ينذر قومه من خطرٍ أحدق بهم؛ يَشقُّ ثوبه؛ ليظهر فداحة الأمر. وكان r إذا خطب الناس، أو وعظهم، تظهر عليه آثار النذارة؛ كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومسّاكم, ولهذا الفعل، ولهذا القول، تأثير بليغ في نفس المخاطب.

قوله: ﴿مُبِينٌ﴾[نوح:2]، أي: أفصح عن مرادي، وأكشف عن دعوتي، لا أتلجلج فيها ولا أغمغم؛ بل أسوقها لكم كما أراد الله تعالى الذي أرسلني، وهذا ملحظ مهم؛ وهو أنه يجب على من دعا إلى الله U أن يكون واضح البيان، وأن يعرَّف مخاطبه ماذا يريد منه، وألَّا يأتي بعبارات فضفاضةٍ موهمة، لا يُفهم المراد منها؛ بل ينبغي أن يكون كلامه فصلًا، حزمًا، قصدًا، يفهمه كل أحد.

 

قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾[نوح:3]: هذه المقاصد الثلاثة، هي التي جاء بها أنبياء الله ورسله أجمعون، وقد ذكرها نوح في غير هذا الموضع، قال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } [الشعراء: 106 - 110]. فالجامع الذي يجمع أنبياء الله في دعوتهم إلى الله، هو الدعوة إلى عبادة الله وتوحيده، ففي سورة (الأعراف) ذكر الله تعالى نوحًا، ثمَّ هودًا، ثُمَّ صالحًا، ثُمَّ شعيبًا، وكلهم يقول:﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وكذلك في سورة (المؤمنون) و (الشعراء) وغيرهما، وأجمل فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾[الأنبياء:25]. فعلمنا بأن دعوة الأنبياء والمرسلين واحدة، وهي الدعوة إلى عبادة الله تعالى وتوحيده.

قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾[نوح:3]، يعني: فلا تعبدوا أحدًا سواه؛ لأنَّ مقابل ذلك أمران: إمَّا ترك عبادته، أو أن يعبد معه غيره، وكلاهما منافٍ للعبادة، فمن لم يعبد الله فهو الملحد، ومن عبد مع الله غيره فهو المشرك. ولا تتحقق عبادة الله إلا بالبراءة من عبادة من سواه؛ ولهذا قال في الحديث القدسي: (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)([3]).

قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ ﴾[نوح:3]، الأمر بتقوى الله U من مقاصد الرسالات الإلهية، وهو أن يقوم في قلب المؤمن واعظ الله، الذي يمنعه من الوقوع في محارمه، ويحمله على امتثال أوامره، شعورٌ يصحبه في السر والعلن، في الخلوة والجلوة. فالتقوى سر بين العبد وبين ربه، وهي التي تتحقق بها الكرامة عند الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات:13]. وقد صور بعضهم التقوى تصويرًا بديعًا، في أبياتٍ حسنةٍ جميلة، يقول ناظمها:

خلِّ الذنـوب صغيـرهـا ** وكبيــرهـا فهــو التقى

واصنـع كمــاشٍ فـوق ** أرض الشوك يحـذر ما يرى

لا تحقـرن صغيـــرةً ** إن الجبال مـن الحصــى

وجاء ذلك في بعض الآثار،فقد قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا التَّقْوَى؟ قَالَ: "أَخَذْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعْتَ؟ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الشَّوْكَ عَدَلْتُ عَنْهُ، أَوْ جَاوَزْتُهُ، أَوْ قَصُرْتُ عَنْهُ. قَالَ: ذَاكَ التَّقْوَى"([4]).

قوله: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾[نوح:3].لا يمكن أن تتحقق عبادة الله وتقواه إلا باتباع المرسلين وطاعتهم، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾[النساء:80]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾[النساء:59]، فلا إيمان لمن لا طاعة له، ولا طاعة إلا باتباع؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾[آل عمران:31]، فهذه المقاصد الثلاثة هي خلاصة الرسالات الإلهية.

 قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾[نوح:4]، إغراء وترغيب. قيل معناهل: يغفر لكم ذنوبكم وأن (من) صلة، يعني أنها لو رُفعت لاستقام المعنى، لكن في إثباتها مزيد تأكيد، وقيل: إنها للتبعيض، يعني ما سلف منها، وأمَّا ما تستقبلون فإلى الله تعالى، فيحتمل الأمرين. وقد قال الله لمؤمني هذه الأمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾[الصف:10-12]، ولم يقل: (من ذنوبكم)، فدلَّ هذا على أن لوضعها في هذا السياق معنى، فلعلها أُريد بها التبعيض.

قوله: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾[نوح:4]، هذا هو الإغراء الثاني، يعني يَمُدَّ في آجالكم إلى الأجل الذي قدره الله تعالى منذ الأزل. وهذا الأجل لا يعلمه إلا الله، فالله تعالى علم بسابق علمه ما هم عاملون. لكن نوحًا لا يعلم ما قضى الله في الأزل، وإنما علم من سنة الله في خلقه أنهم لو آمنوا لزيد في آجالهم، ودفع عنهم ما يخشونه من عذاب.

قوله: ﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[نوح:4]، فالأجل الذي ضربه الله تعالى لا بُدَّ واقعٌ، لا محالة على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الجماعات، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[المؤمنون:99-100]، وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾[الأعراف:34]، فذكرهم بهذا المعنى الجليل، المهيب، الرهيب.

     وبعد هذا البيان الجلي, والنصح الظاهر والخفي، فزع إلى ربه وارتفع إليه يشكو إليه حاله، كمن يُقدم تقريرًا ختاميًا إلى مرجعه،  بعد أن أبلى بلاءً حسنًا، طيلة ألف سنة إلا خمسين عامًا، جرب خلالها جميع أساليب الدعوة؛ سرَّا وجهارًا، ليلًا ونهارًا، فرادى ومجتمعين، وانتهز جميع الفرص، وتذرع بكل سبب، فما آمن معه إلا قليل.

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾؛ لأنه ظن، أو وقع في نفسه أن بعض الأوقات أحرى بالإجابة والإصغاء، من أوقاتٍ أُخُر.

قوله: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ أي نفورًا، وبعدًا، وهربًا من قبول الحق.

 قوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾، (كلما), تدل على التكرار. كان يقرن دعوته بالإغراء والترغيب، كأنما يقول: آمنوا يغفر لكم ما قد سلف.

قوله: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾، جمَع الأصابع والآذان باعتبار مجموعهم، فعلوا ذلك، لكيلا يسمعوا الحق.

قوله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ التحفوا بها لكيلا يبصروا الداعي. وهذا شأن الكافر العنيد، المستكبر، فإنه ضيق العطن، يُصم أذنيه، ويغمض عينيه، ويغلق جميع المنافذ التي توصل الحق إلى قلبه، فيا لها من حماقة وبجاحة! وإلا فماذا يضيره أن يُرخي سمعه، ويطلق بصره، ويشرح صدره، ويعمل عقله؟! لكن فوعة الكبر، والنفس الأمارة بالسوء، التي استحكمت، وتمكنت من قلبه، حملته على هذا الفعل الأحمق الأهوج.

قوله: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾، أي تعاظموا في أنفسهم، واستنكفوا عن قبول الحق. وحقيقة الكبر: بطر الحق، وازدراء الخلق. وهذا قد اجتمع في قوم نوح، فأمَّا بطر الحق، فقد جحدوا الحق الذي جاءهم به نبيهم وجادلوا نوحًا u جدالًا طويلًا، كما حكى الله عنهم: ﴿ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾[هود:32]، ما أحمقهم؟! ملوا، وانقطعت حججهم، وفنيت أدلتهم، فاستعجلوا العذاب. وأما ازدراء الخلق فقد وقع منهم أيضًا، فقالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾[هود:27]، فوصفوا أتباعه المؤمنين، بأنهم أراذل، وسقَطَة، وسُوَقة، وأنهم لا فضل لديهم، يعني لا مال لهم، ولا جاه يفضلونهم به؛ ولهذا قال نوح في الرد عليهم: ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾[هود:31]. وقوله: ﴿اسْتِكْبَارًا﴾، مفعولٌ مطلق مؤكد لعامله، أي استكبارًا بليغًا.

قوله: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾، أي على رؤوس الملأ، وبين ظهرانيهم؛ لعل الدعوة الجماعية أدعى لقبولهم.

قوله: ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴾، أي: دعوتهم مجتمعين، وفرادى. وهذا من التنويع في الدعوة الذي سلكه عليه الصلاة والسلام، كما قال الله لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾[سبأ:46]، فتارةً يكون الخطاب الفردي مؤثرًا؛ لأنَّ المخاطب يسلم من تأثير الجماعة، وتارةً يكون الخطاب الجماعي أبلغ في قيام الحجة. والمقصود أنه عليه الصلاة والسلام توسل بجميع الوسائل، وتذرع بجميع الذرائع التي يرجو من خلالها قبول دعوته.

قوله: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾، يلاحظ تكرار الحديث عن المغفرة؛ لأنَّ القوم قد أجرموا، ووصفهم الله بألقاب سوء يستحقونها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾[الأعراف:64]، {وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الذاريات: 46]، {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنبياء: 77]، {وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى} [النجم: 52]. فجميع صفات السوء مجتمعة فيهم، فلأجل هذا كان يكرر عليهم الأمر بالتوبة، وطلب والمغفرة ويغريهم بقبولها.

والاستغفار: هو طلب المغفرة، والغفر: هو الستر والتجاوز، ومنه سُمي المغفر الذي يكون على الرأس، ويسمى الخوذة لأنه يستر الرأس ويقيه.

قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾، من أسمائه الحسنى الغفار, يعني كثير الغفر، فهو غفور وغفار، وغافر، كلها أسماء لله. وقد كان نبيناr كثير الاستغفار، حتى قال: (وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً)([5])، فما أحوجنا إلى الاستغفار.

      ثم عدد لهم نوح u، الثمرات العاجلة، والآجلة للاستغفار, فقال: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾، فتَصُبّ عليكم المطر صبًّا، كما يدرُّ الضرع. ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ أي: يُكثِّر اموالكم نسلكم.

﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ أي: بساتين محدقة بكم.

﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ أي: مياهًا سارحة، تجري من تحت أقدامكم.

     وهذا كله في الدنيا، ولا ريب أن هذا الإغراء حق، فهذه سُنَّة الله في خلقه، قال تعالى:  ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾[الأعراف:96]، فمن عاجل ثواب الله للمؤمنين المتقين، أن يوسع عليهم في أرزاقهم، ويبارك لهم في أموالهم، فإن هم انتكسوا ونكصوا عن أمر الله تعالى، عوقبوا بالقحط، والجدب، والآفات المختلفة، كما وقع للأقوام السابقين، وربما استدرجوا حينًا من الدهر، ثم جرت عليهم سنة الله الكونية، كما قال تعالى عقيب الآية السابقة: : {وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 96 - 99]

     ودلت هذه الآية على أنه لا حرج أن يستغفر العبد ربه بنيةٍ تحصيل أمر من أمور الدنيا، فقد ظن بعض الناس أن من استغفر الله بنية حصول الولد، أو بنية قضاء الدين، أو بنية حصول الرزق، أن ذلك منافٍ للإخلاص، وأنه نوعٌ من الشرك! هذا غلط؛ لأنَّ المستغفر يتقرب إلى الله؛ يرجو ثوابه، ويخشى عقابه، ويتوسل باستغفاره. فلا حرج أن يقصد الإنسان بذكره، ودعائه، وعبادته، أن ينال شيئًا من فضل الله تعالى في الدنيا والآخرة. فقد أغراهم نوح بذلك، بمعنى أنهم لو فعلوا هذا بهذه النية، فلا تثريب، عليهم، ولا حرج.

     ومن دلائل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾[الصف:13] وقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾[الفتح:20]، وقال r: (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ)([6]), كما أن الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم؛ توسل أحدهم ببره بوالديه، والثاني بعفته وتقواه، والثالث بأمانته. فإذا صحت النية الأولى لم يضر بعد ذلك ما يحصل للإنسان من ثوابٍ عاجل، ولا يقدح ذلك في عمله.

قوله: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾، يُعِجِّب من حالهم، ويُحرك البليد من أذهانهم، وينعى عليهم ضعف توقيرهم لربهم، وإجلاله، وتعظيمه، فلو كان في قلوبهم إجلالٌ وتعظيمٌ لله ما وقعوا في الشرك، والمعاصي.

قوله: ﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾، يُذكرهم بأصل خلقتهم؛ وتدرجهم من نطفة من ماءٍ مهين، ثم  إلى علقة، ثُم إلى مضغة، حتى صار جنينًا، ثُم خرج من بطن أمه رضيعًا، ثُمّ ترقى في الخلق، فسواه، وعدله، في أي صورة ما شاء ركبه. فهو يستدل بدلائل الربوبية، على ما يجب عليهم من العبودية. ثُمَّ نقلهم من الآيات النفسية، إلى الآيات الآفاقية، فقال:

﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾[نوح:15]، أي: سرحوا أبصاركم في قبة الفلك، وتأملوا هذه السماوات السبع الطباق، التي بعضها فوق بعض كيف خلقها الله، {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57].

قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾[نوح:16]، أي: زينهنّ بهذا القمر المضيء، الذي ينير أرجاء السماء، كما قال:  {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان: 61]

قوله: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾، والسراج: يجمع وصفين: الإضاءة والدفء؛ ولهذا قال في آيةٍ أخرى: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾[النبأ:13]، أما القمر ففيه إضاءة، لكن دون إضاءة الشمس؛ لأنه يعكس نورها فقط، ولا دفأ فيها.

قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾[نوح:17-18]، كما قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾[طه:55]، فالله تعالى خلق أبانا آدم من تراب الأرض؛ من أبيضه، وأسوده، وأحمره، وسهله، ووعره، وجعل فيه الماء، فصار طينًا، ثم يبس فصار صلصالًا كالفخار، ثُمَّ نفخ فيه من روحه، فاستحال خلقًا جديدًا. فمادتنا وأصل خلقتنا مستمدةٌ من تراب الأرض، ثُمَّ يعمرنا الله تعالى فيها، فنأكل من ثمراتها، ونشرب من مائها، ثُمَّ نموت ونقبر، فنعود إلى أمنا الأرض، وتتحلل أجسادنا فيها، ونعود ترابًا، كما كنا. حتى إذا أَذِن الله تعالى بالبعث مرةً أخرى، أمر الله تعالى مكونات كل بدن أن تلتئم وتجتمع؛ حتى الذي تفرق لحمه في بطون السباع, وحواصل الطير, وأجواف الحيتان، والذي احترق وصار رمادًا، يعود جميعًا، وينشئه الله خلقًا آخر. قال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } [الأنبياء: 104]

وقوله: ﴿ نَبَاتًا﴾ و﴿ إِخْرَاجًا﴾، مفاعيل مطلقة تؤكد عاملها، وقوله: أنبتكم نباتًا يدل على جواز أن يأتي المفعول المطلق مصدرًا على خلاف فعله؛ لأن (أنبت) رباعي، فالمتبادر إلى الذهن أن يقول: (إنباتًا)، وهذا سائغٌ في اللغة وشواهده كثيرة.

قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا﴾[نوح: 19]، لفت انتباههم إلى الخصائص الأرضية، وهو أن هذه الأرض جعلها الله تعالى مبسوطةً ممهدة للسير عليها، والحرث، والزرع، والتنقل، والسفر، كما قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا﴾[النبأ:6]، وهذا أمرٌ مشاهد، وهي منةٌ عظيمة من الله U.

قوله: ﴿ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾، سبلًا: جمع سبيل، أي طرقًا واسعة، الفجاج: المراد بها الطرق الواسعة، وهي الجواد الكبيرة، التي يحصل بها التنقل، وحمل الأمتعة، وغير ذلك من المنافع التي يدركونها.

      والمقصود أن من طريقة نوح، عليه السلام، وأسلوبه في الدعوة إلى الله U، توظيف دلائل الربوبية المبثوثة في النفس والآفاق، في السماء والأرض؛ لبيان ما يستحقه الربI من العبودية. فهل يعقل أن الذي ركب الكون على هذه الصفة، خلقه عبثًا، لا لغاية ولا لهدف، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾[المؤمنون:115]. فقد حاول، عليه الصلاة والسلام أن يحيي قلوبهم الميتة، وعقولهم البليدة، لكنه قوبل بالعصيان فرفع شكواه إلى ربه قائلًا:

﴿رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾[نوح:21], وهم الكبراء، والرؤساء، والزعماء، أصحاب الأموال الطائلة، والأولاد الشهود، الذين يتباهون بهم في المجالس. هذه محصلة دعوته طيلة تسعمائة وخمسين سنة، ألف سنةٍ إلا خسين عامًا. والظاهر أن الخمسين الأولى هي السنوات التي قبل النبوة؛ لأنَّ الله تعالى يبعث الرجل على رأس أربعين سنة من عمره، فعمره كله في الدعوة إلى الله تعالى. فتمخض الجهد بعد كل هذا عن هذه النتيجة: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾[هود:40].

قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾[نوح:21-22]، يعني فوق ذلك الكفر والعصيان، اتخذوا جميع الطرق الكيدية، ونفروا الناس مني، ومن دعوتي. و﴿كُبَّارًا ﴾ صيغة مبالغة من الكِبَر، يعني أنها أحابيل، وطرق متفننة في الصد عن سبيل الله. وأوصى بعضهم بعضًا:

﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:23]، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، «صَارَتِ الأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي العَرَبِ بَعْدُ أَمَّا وَدٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ، عِنْدَ سَبَإٍ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلاَعِ، أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ»[7]

     ثم جاء عمر بن لحي الخزاعي، وكان له رئي من الجن، فقال له: ايت ضفَّ جدة, تجد أصنامًا معدَّة, فأوردها تهامة ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب. فدله على موضع عند سيف البحر، فكشف عن هذه الأصنام واستخرجها، ثم بثها في قبائل العرب، فكان عند كل قبيلة من قبائل العرب صنم من هذه الأصنام. ثم إنه ذهب إلى بلقاء الشام، واستحضر "هبل" وجعله في مكة([8]).

     هكذا وقع الشرك في بني آدم, فإن مرجعه إلى أمرين: الغلو في الصالحين، واتخاذ الصور والتماثيل. فالغلو في الصالحين جرهم إلى الوقوع في الشرك، ودعاء غير الله. وبهذا يتبين لنا خطورة ما يفعله بعض السدنة والضُلَّال، من تعظيم المقبورين، والأولياء، والمغالاة فيهم، حتى أنهم يعلقون قلوب العوام بهم، أعظم من تعلقهم بربهم، والله تعالى يقول: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾[الإسراء:57]، يعني إذا كان أولئك الصالحون يبتغون إلى ربهم الوسيلة؛ يرجون رحمته، ويخافون عذابه، فافعلوا فعلهم، وارجو ما يرجون، وخافوا ما يخافون، ولا تتقربوا إليهم، فإنكم إن فعلتم ذلك، فلا فرق بينكم وبين المشركين القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3]. زين لهم الشيطان هذه الشبهة، وقال: أنتم متلطخون بالمعاصي والذنوب، ولا سبيل لكم أن تدخلوا على الله، وتصلوا إليه إلا عن طريق هؤلاء الوسائط، كما أن الملك لا يُدخل عليه إلا عن طريق الوزير، والحاجب، فهكذا أنتم لا تستطيعون أن تصلوا إلى الله إلا عن طريق هؤلاء الأولياء، فادعوهم، فدعوهم وعبدوهم فوقعوا في الشرك.

     فيجب على الإنسان أن يضبط الأمر؛ فيحب الصالحين، ولا يغلو فيهم, حتى ولو كان نبينا r، فإنه, بأبي وأمي, قد قال: (لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ)([9]), ولما دخل عليه وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ، قالوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: «السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى» قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، فَقَالَ: «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ)([10]).

     والسبب الثاني للوقوع في الشرك: الصور والتماثيل؛ لأنَّها تجعل الجهال، والسذج، يتعلقون بها، ويعتقدون أنها تجيب دعاءهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾[الأحقاف:5]، وهي أصنامٌ من خشب، أو حجر، أو خزف، أو غير ذلك، مما يعملون.

      فلهذا جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من التصوير، والتصاوير، وقال النبي r: (إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ)([11])،  وعن ابن عباس t مرفوعًا: (مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ)([12]).  وعنه أيضًا: (مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ)([13])،

     فالتصوير المحرم أن يأخذ الإنسان القلم ويخطط، ويرسم ويضاهي خلق الله، أو يأخذ مطرقةً وإزميلًا وينحت تمثالًا على شكل إنسان، أو طير، أو حيوان، هذا من أعظم الذنوب والكبائر، فيجب الحذر منه, والقضاء عليه. عن أَبِي هَيَّاجٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: (بَعَثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ لِي: أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ لَا أَدَعَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتُهُ، وَلَا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتُهُ)([14]), فطمس التماثيل والصور من أوجب الواجبات.

قوله: ﴿ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: 24]، مرجع الضمير إما إلى هذه الأصنام، أو إلى الداعين لعبادتها. ولا مانع من الأمرين لأنَّ إبراهيم u قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[إبراهيم:35-36]. فهذه الأصنام والمعبودات حصل بها إضلال كثير من الناس؛ هلكوا، واستحقوا الخلود في النار بسببها. وتحتمل أن الإضلال صدر من الذين نصبوها، ودعوا إلى عبادتها.

قوله: ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا﴾[نوح:24]، وأي ظلمٍ أعظم من الشرك كما قال ربنا: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾[لقمان:13]. دعا عليهم. وها هنا مبحث مهم. هل يُدعى على المخالف، أم يُدعى له؟ والتحقيق: أنه في مواضع يُدعى له، وفي مواضع يدعى عليه؛ فإذا كان في مبدأ الأمر، ويرجى إيمانه، فإنه يُدعى له، كقول النبي r: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)([15])، وقوله لملك الجبال: (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)([16])، فإذا تمحضوا للكفر، وأصروا، واستكبروا استكبارًا، فإنهم يُدعى عليهم. وقد دعا عليهم نوح u بعد أن استنفذ جميع الوسائل في استصلاحهم.

قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾[نوح:25]، (مما): أي بسبب خطيئاتهم التي أعظمها الشرك، ثُم الفسق، أُغرقوا، وذلك أن الله I أمر السماء فانفتحت كأفواه القرب، وأمر التنور ففار، فالتقى الماء على أمرٍ قد قُدِر، إثر ثلاث كلمات فقط، دعا بها نوحu، ربه، وقال: ﴿ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾[القمر:10-11]، فما زال منسوب الماء يرتفع على سطح الكرة الأرضية، والناس يفرون يمينًا وشمالًا، يركضون نحو الهضاب والجبال، حتى إن نوحًا أبصر ابنه الكافر في هذه المعمعة، فحملته عاطفة الأبوة أن يناديه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾[هود:42-43].

قوله: ﴿فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾[نوح:25]، عجيب! غرق ثم حرق.

قوله: ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾[نوح:25]، أين أولياؤهم؟ أين من يدعونهم من دون الله؟ اضمحلوا، وذهبوا، ولم يغنوا عنهم شيئًا.

قوله: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾[نوح: 26]، يعني: يدور ويمشي، ويتنقل بين الديار، أي لا تبق أحدًا، واستأصلهم جميعًا.

قوله: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾[نوح:27]، هكذا وجد، وهكذا اطرد، بعد هذه المدة الطويلة، وبهذا أخبره ربه من قبل: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾[هود:36].

قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾[نوح:27-28]، بدأ بنفسه، وثنى بأقرب الناس إليه، وهما والداه، ثُمَّ ثلث بخاصته وأصحابه، ثُمّ ربَّع بعموم المؤمنين والمؤمنات، ونرجو أن نكون منهم، وأن تعمنا دعوته.

قوله: ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾[نوح:28]، يعني هلاكًا و خسارًا.

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: رحمة الله بعباده بإرسال الرسل.

الفائدة الثانية: بعثة الرسل في أقوامهم. كما قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾[التوبة:128]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾[إبراهيم:4]، حتى لا ينفر منه ويقال دخيل، غريب.

الفائدة الثالثة: التلطف في الدعوة بذكر آصرة النسب.

الفائدة الرابعة: النذارة ركنٌ في دعوة المرسلين، كما البشارة.

الفائدة الخامسة: أهمية الوضوح في الخطاب الدعوي، والإفصاح عن الأهداف.

الفائدة السادسة: أن دعوة الأنبياء تهدف إلى تحقيق العبادة، والتقوى، والاتباع.

الفائدة السابعة: البشارة والإغراء بالثواب العاجل والآجل.

الفائدة الثامنة: سبق القدر بالآجال، وعدم تخلفه بحال.

الفائدة التاسعة: فزع الداعية إلى ربه وبثه شكواه إليه.

الفائدة العاشرة: اجتهاد نوح u في دعوة قومه، وصبره على إعراضهم.

الفائدة الحادي عشرة: التنويع في الدعوة في الأوقات، وانتهاز جميع الفرص.

الفائدة الثانية عشرة: غلظ كفر قوم نوح، وشدة نفرتهم، وضيق عطنهم.

الفائدة الثالثة عشرة: أن الكافر محجوب، معطل الحواس، بسبب كفره وعناده.

الفائدة الرابعة عشرة: أن الكبر قرين الكفر، كما أن التواضع قرين الإيمان.

الفائدة الخامسة عشرة: التنويع في الخطاب والانتقال من السر إلى الجهر، ومن الجهر إلى السر.

الفائدة السادسة عشرة: فضيلة الاستغفار، وجميل آثاره.

الفائدة السابعة عشرة: الاستدلال بتوحيد الربوبية، على توحيد الألوهية.

 الفائدة الثامنة عشرة: إثبات اسم الله الغفار، وما تضمنه من صفة المغفرة.

 الفائدة التاسعة عشرة: جواز الاستغفار وغيره من القربات لتحصيل ثواب الدنيا والآخرة.

الفائدة العشرون: أن الاستغفار من أعظم أسباب نزول الغيث، وحصول الرزق والولد.

الفائدة الحادية والعشرون: وجوب إجلال الرب سبحانه وتوقيره.

الفائدة الثانية والعشرون: فضيلة التفكر في ملكوت السماوات والأرض.

الفائدة الثالثة والعشرون: إثبات البعث، والتدليل عليه.

 الفائدة الرابعة والعشرون: تفويض الداعية أمره إلى الله إذا استنفذ الوسائل.

الفائدة الخامسة والعشرون: شؤم التقليد، والاتباع الأعمى للسادة والكبراء.

الفائدة السادسة والعشرون: فتنة المال والولد، وكونها من أسباب الطغيان والخسران.

الفائدة السابعة والعشرون: تفنن الكافرين المكذبين في مواجهة دعوة المرسلين.

الفائدة الثامنة والعشرون: تواصي المكذبين بالباطل وتشبثهم بموروث الأسلاف.

 الفائدة التاسعة والعشرون: حصول الضلال بسبب الأصنام وعابديها.

الفائدة الثلاثون: الدعاء على الظالمين المتمحضين للكفر.

الفائدة الحادية والثلاثون: أن أخذه سبحانه أليمٌ شديد.

الفائدة الثانية والثلاثون: شؤم الكفر والذنوب والخطايا على مرتكبيها.

الفائدة الثالثة والثلاثون: التعليل في طلب الدعاء.

الفائدة الرابعة والثلاثون: بداءة الداعية بوالديه، وأهل بيته، وخاصة أصحابه، وعموم المؤمنين.

الفائدة الخامسة والثلاثون: أثر دخول البيت في تقوية المودة والصلة.

الفائدة السادسة والثلاثون: مشروعية الدعاء على أعداء الله، وعدم النكير بدعوى الدعاء لهم بالهداية.

 


([1]) أخرجه البخاري رقم (3162), ومسلم رقم (194).

([2]) أخرجه البخاري رقم (7283), ومسلم رقم (2283), متفق عليه.

([3]) أخرجه مسلم رقم (2985).

([4]) الزهد الكبير للبيهقي (350/ 963).

([5]) أخرجه البخاري رقم (6307).

([6]) أخرجه البخاري رقم (4321), ومسلم رقم (1751), متفق عليه.

(([7] أخرجه البخاري برقم (4920)

([8])كتاب الأصنام للكلبي  (ص54).

([9]) أخرجه البخاري رقم (3445).

([10]) أخرجه أحمد رقم (13529), وأبو داود رقم (4806).

([11]) أخرجه البخاري رقم (7558), ومسلم رقم (2108), متفق عليه.

([12]) أخرجه البخاري رقم (5963), ومسلم رقم (2110).

([13]) أخرجه البخاري رقم (7042).

([14]) أخرجه أحمد رقم (1064), وأبو داود رقم (3218), والترمذي رقم (1049).

([15]) أخرجه البخاري رقم (3477).

([16]) أخرجه البخاري رقم (3231), ومسلم رقم (1795).



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:05 صباحًا الثلاثاء 5 صفر 1442 / 22 سبتمبر 2020.