• ×

أ.د. أحمد القاضي

تفسير سورة المعارج

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  92
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

سورة المعارج

سميت بهذا الاسم لورود هذا اللفظ فيها، وهذه السورة الشريفة ذات مقصدين واضحين.

أحدهما: إثبات المعاد, وبيان أحوال القيامة.

الثاني: بيان صفات الناجين في ذلك اليوم، وهم المصلون.

{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِع} [المعارج:1] أي دعا داع بعذاب واقع. وكأنه وقع في الآية تضمين، والتضمين أن يأتي بفعل، ويضمنه معنى فعل آخر، وتقديره: استعجل مستعجل بعذاب واقع. وقيل أن الذي سأل هذا السؤال، ودعا بهذه الدعوى، النضر بن الحارث بن كلدة. وإنما نكَّر الله السائل، وأبهمه، تحقيرا له، فلم يصرح باسمه، ولا وصفه.

واستعجال المشركين بعذاب الله تكرر ذكره في آي كثر؛ منها قول  الله I: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الحج:47]، وقوله: {أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} [النحل:1]. فقد كانوا لفرط تكذيبهم، وإنكارهم، وجحودهم، يستبعدون العذاب، بل ينكرونه، ويزعمون أن لا بعث، ويتحدون النبي r قائلين: ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين. وقد حكى الله I ذلك عنهم في سورة الأنفال، حين قالوا: {وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم} [الأنفال:32]، ما أحمقهم! كيف يستعجلون العذاب ويستدعونه؟ وماذا ينتفعون من وراء ذلك؟ وإنما أرادوا إقناع الغوغاء، والدهماء، أن هذا أمر لا حقيقة له، إلى درجة أنهم يستدعونه فلا يقع.

وقد وصف الله تعالى هذا العذاب بأنه واقع،  كما قال في آية أخرى: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِع} [الطور:7]، وقال I: {وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} [الذاريات:1-6], وقال:{إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} [المرسلات:1-7]. فالله I أكد وقوع العذاب بمؤكدات عديدة، حتى لا يبقى أدنى ذرة من شك من تحقق وقوعه.أ

قوله: {لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِع} [المعارج:2]، لا مدفع لعذاب الله تعالى، ولا مرد له.

قوله: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} [المعارج:1-3] وصف الله نفسه بأنه ذو المعارج، وهو ما فسرته الآية بعدها:

{تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة} [المعارج:4] فهو I له الرتب العلا، والعلو المطلق في ذاته، كما أن له العلو المطلق في أسمائه وصفاته، وقهره. والعروج هو الصعود، ففي الآية دليل على علوه I، فإن الملائكة تعرج إليه وكذلك الروح.

فعروج الملائكة يكون بصعودها، إذ الملائكة عليهم صلوات الله وسلامه، يصعدون ويهبطون ما بين السماء والأرض، بأمر الله تعالى، إذ هم المنفذون لأوامره الكونية.

وأما الروح، فربما كان جبريل u كما قال في الآية الأخرى: {تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْر} [القدر:4] وقال: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء:193-194]، فمن أسماء جبريل، u، أو ألقابه، الروح، وهذا أقرب.

ويحتمل أن يراد بالروح جنس الأرواح؛ وذلك أن الأرواح تصعد إلى السموات، كما في حديث البراء بن عازب، وذكر روح المؤمن، فقال: (فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى". قَالَ: " فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ) وقَالَ عن روح الكافر: (فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ "، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: " اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ". ثُمَّ قَرَأَ: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ، فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}" فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ)[1].

وقد جاء هذا الوصف (ذو المعارج)، في ذكر التلبيات التي كان يلبي بها الناس فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ سَعْدًا، سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ، فَقَالَ: (إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ، وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَقُولُ ذَلِكَ)[2], ولزم رسول الله r تلبيته)[3] لكنه أقرهم، ولم ينكر عليهم.

قوله: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة} [المعارج:4]، هذا يؤيد أن الروح في الآية جبريل؛ لأن هذا الظرف يتعلق بالملائكة، وسيد الملائكة جبريل u، ولا يكون ذلك العروج لأرواح العباد.

وقد قيل أقوال متعددة في المراد بهذا التقدير خمسين ألف سنة:

القول الأول: هو المسافة ما بين العرش العظيم، الذي خلقه الله تعالى واستوى عليه، إلى مركز الأرض السابعة. وقد وردت أحاديث كثر في بيان ما بين كل سماء وسماء، وكثف كل سماء، فقال صلى الله عليه وسلم: (هل تدرون كم بين السماء والأرض؟، قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خَمسمائة سنةِ، وِمن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثَفُ كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحرٌ بين أسَفله وأعلاه كما بينَ السماء والأرض)[4].

القول الثاني: هو المدة الفاصلة ما بين قيام الساعة إلى بعث الناس.

القول الثالث: أن مدة الدنيا منذ خلق السموات والأرض إلى قيام الساعة.

القول الرابع: أنه يوم القيامة، وهذا أقرب الأقوال، فإنه يوم طويل جدًا، عسير على الكافرين، غير يسير، حتى سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مَا طُولُ هَذَا الْيَوْمِ؟ فَقَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُ لَيُخَفِّفُ عَلَى الْمُؤْمِنْ حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ يُصَلِّيَهَا فِي الدُّنْيَا)[5], يعني كأنه صلاة من الصلوات.

قوله: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً} [المعارج:5] أمر الله U نبيه بالصبر الجميل، والصبر الجميل: هو الذي لا ضجر فيه، ولا تبرم، ولا تأفف، فليس كل صبر يكون جميلاً، من الصبر ما يكون صبرًا اضطراريًا، يصبر صاحبه على مضض، أما الصبر الجميل، فهو الصبر المقرون بالرضا، وحسن الظن بالله تعالى, والاحتساب, كما قال معزيًا ابنته: (مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ)([6]).

فأمره I أن يصبر صبرا جميلاً على أذى المكذبين، فإنهم تفننوا في إنكار ما جاء به النبي r،ومن ذلك أنه  (جَاءَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمِ حَائِلٍ فَفَتَّهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَيَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا بَعْدَ مَا أَرَمَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا. يُمِيتُكَ، ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ» قَالَ: فَنَزَلَتِ الْآيَاتُ {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} إِلَى آخِرِ السُّورَةِ)[7], إلى غير ذلك من صور الأذى التي كانوا يجبهون بها النبي r.

في هذا ملحظ لكل من دعا إلى الله تعالى، فإن الصبر الجميل يهون على صاحبه مصابه، أما الصبر المصحوب بضجر وتبرم، فإنه ثقيل على صاحبه. والصبر من أمهات الأخلاق، ومنزلته من الدين كمنزلة الرأس من الجسد.

قوله: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا} [المعارج:5-6] أي أن أولئك المنكرين المكذبين يستبعدونه، ويرونه بعيد التحقق، أما من جهة الرب I والمؤمنين، فضد ذلك:

{وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [المعارج:7]، فإن كل آت قريب، فهو لتحققه وصدق موعوده، يبدو قريبًا. فنظر الكفار نظر قاصر، وتقديرهم للأمور خاطئ، فهم لا يتصورون مساحة هذا الخلق الفسيح، ولا يتصورون المدد الزمانية.

ولما ذكر الله I هذه المفارقة بين نظر هؤلاء المكذبين، ونظر المؤمنين، وصف ذلك المشهد. ويُلاحظ عناية القرآن بمشاهد القيامة، فإن مشاهد القيامة في القرآن تبسط بسطًا، وتفصل تفصيلاً، وكأن هذه الحوادث والأحوال تكتنف القارئ من كل جانب، إن رفع رأسه، وإن طأطأ، تحولات كبرى في السموات، وفي الأرضين، وفي الجبال، وفي الناس، تأمل هذا الوصف المهيب:

{يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْل} [المعارج:8] كما قال في آية أخرى: {وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} [الرحمن: 37]، والمهل: قيل أنه ذائب الفضة، وقيل : دردي الزيت، يعني الزيت العكر، فتتحول هذه السماء الزرقاء، إلى ما يشبه هذا اللون؛ وردة كالدهان، كذائب الفضة، فيتغير لونها ويستحيل، وتصبح باهتة. وهذا تغير اللون، وهناك تغيرات أخرى، {وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا} [النبأ:19]، {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} [الفرقان:25], {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ} [الحاقة: 16].

قوله:{وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْن} [المعارج:8-9]، هذه الجبال الشاهقة، السامقة، الصلدة، تصبح كالصوف المثار، كما قال I في سورة القارعة: {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة:1-5]. وهذا حال من أحوالها، فإن الجبال يوم القيامة تمر بأطوار شتى، قال الله U: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} [الواقعة:5] يعني فتت وذريت، وقال في آية أخرى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا* فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلاَ أَمْتًا} [طه:105-107]. وقبل ذلك: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون} [النمل:88]، فهذه الجبال تمر يوم القيامة مر السحاب، ولا صحة لما يدعيه بعض المعاصرين من أن المقصود بذلك سير الجبال في هذه الحياة الدنيا، بحكم دوران الأرض، إذ الآيات جاءت في صفة يوم القيامة. والمقصود أن الجبال تمر بأحوال متعددة يوم القيامة، إلى أن تصبح قاعًا صفصفًا، والصورة المذكورة في السورة حال كونها كالصوف المنفوش.

قوله: {وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} [المعارج:8-10] أي لا أحد يلتفت لأحد، مهما بلغت درجة قرابته، وحميم صلته، كل مشغول بنفسه، كل معني بمصيره، لا يدري أين يساق، و "حميم" نكرة في سياق النفي، فدلت على العموم، فهذا يتناول كل حميم، فكل يريد النجاة والفكاك, لا أنهم مغيبون عنهم، كلا! فقد قال الله: {يُبَصَّرُونَهُمْ}، يعني يرونهم ويعرفونهم، يعرف أن هذا أخوه، أو أبوه، أو غير ذلك، يعرفون جميع الصلات والقرابات، لكن كل يتنصل عن غيره، كما قال: {الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِين} [الزخرف:67].

قوله: {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيه}, يبلغ الكرب بالكافر أن يتمنى الافتداء ببنيه وفلذات كبده! نحن في هذه الدنيا، أعز من علينا أبناؤنا، الإنسان يفتديهم بما يستطيع، يتمنى أن يقع المصاب عليه دون بنيه، ويحوطهم، ويمنعهم، ويدفع الغالي والنفيس في سبيلهم. والمجرم يوم القيامة يود، من سويداء قلبه، أن يقدمهم فداءً لنفسه.

قوله:{وَصَاحِبَتِهِ} [المعارج:12] زوجته، خليلته التي كانت أقرب الناس إليه، يحبها محبة خاصة، ليست كمحبة بنيه، ومع ذلك فإنه مستعد أن يفتدي بها. قوله: {وَأَخِيه} أخوه الذي كان يعضده في الدنيا، ويقف إلى جانبه، ويعتزي به، يتنصل منه يوم القيامة، ويستعد أن يفتدي به.

قوله:{وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويه} [المعارج:13]، قيل: هي أمه، لأنه انفصل منها، وقيل: قبيلته، لأنه واحد منها، ينمى إليها كأنه فصيل من فصائلها, كما يقال: فصيلة كذا .فجميع هؤلاء الأحماء، والأقرباء، والأصدقاء، كلهم كأنما هم في سوق مزاد، مستعد أن يبيعهم، ويتخلى عنهم لينجو.

قوله: {وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيه} [المعارج:14]، لو كل من عليها يقعون فداءً له، لما تردد في ذلك، وذلك لهول العذاب، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 36], وقال: {وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ} [الرعد: 18], وقال: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 47], فهو عذاب شديد، قد ألموا بشيء من مقدماته، فإن أهل الموقف يجدون من مقدمات العذاب، ما يحملهم على هذا التوجس، ويتذكرون وعيد الله U، وهم يسمعون حسيسها قبل أن يدخلوها، كما قال ربنا U: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُون * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُون} [الأنبياء:101-102] وفي الحديث: (يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)[8].

     فينبغي للمؤمن أذا أمسك بدفتي المصحف، ومرت به هذه الآيات التي فيها ذكر القيامة، أن يتدبر هذه الأحوال، وإن لم يدرك حقيقتها وكيفيتها، لكن يتفكر في أصل المعنى المشترك في الأذهان، فإن هذا يعظ قلبه، ويستلينه، ويداويه. فلا موعظة أبلغ من موعظة القرآن.

قوله: {كَلاَّ}: كلمة قاطعة، حاسمة، لا تبقي مجالاً لرجاء، وتشعر بالتيئيس المطلق، أي لن يكون ذلك، ولن يقع فداء.

قوله: {إِنَّهَا لَظَى} [المعارج:15] مرجع الضمير إلى النار، وهذا من أسمائها التي هي أعلام وأوصاف، وذلك لتلظيها على أصحابها.

قوله: {نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى} [المعارج:15-16] المراد بالشوى، قيل جلدة الرأس, وقيل المقادم، وأطراف اليدين، والرجلين، فهي تنزعه كالذي يأتي باللحم، ويصليه على النار، ثم ينزع منه الشواء.

قوله: {تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى} [المعارج:16-17] لما كان في الدنيا يدعى فيدبر، وينادى فيولي, جوزي يوم القيامة، بالنار التي كان يكذب بها, ويُحذر منها، أنها تدعوه، وتطلبه، كأنما تقول: إلي، إلي! وقد قال U: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيد} [ق:30].

قوله: {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} [المعارج:17-18] أي أن غايته في هذه الدنيا كانت مجرد جمع الحطام، كما وصفه النبيr : (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ)[9].

هذا هو حاله؛ مجرد الجمع. فهو جموع منوع؛ يجمع، ويوعي، ويوكي، ولا يبذلها لمستحقها. وهذا يدل على التلازم الوثيق بين الاعتقاد والسلوك، كما تقدم في سورة القلم في صفة المكذب بأنه {مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} [القلم: 12], وكما في سورة الماعون: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون} [الماعون:6-7]. فلما انطوت قلوبهم على الكفر بالله تعالى، فسدت فطرهم، و تعكرت أمزجتهم، وغلب عليهم الشح، فلا هم أدوا حق الله، ولا هم أدوا حق عباد الله، فلا يصل خيرهم إلى أحد.

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: التنبيه على أسلوب التضمين في القرآن الكريم، وفائدته: أنه يجمع معنيين، المعنى المستفاد من الفعل الظاهر، والمعنى المستفاد من الفعل المضمن.

الفائدة الثانية: جهالة الكفار وحماقتهم بطلب العذاب، وكان لهم سعة في أن يراجعوا أنفسهم.

الفائدة الثالثة: ثبوت العذاب والجزاء، وحتميته.

الفائدة الرابعة: إثبات علو الذات بلفظ العروج، والعروج لا يكون إلا إلى أعلى.

الفائدة الخامسة: إثبات صعود الأرواح على أحد القولين.

الفائدة السادسة: سعة أقطار السموات.

الفائدة السابعة: فضيلة الصبر الجميل.

الفائدة الثامنة: اضطراب موازين الكفار ومقاييسهم الزمانية والمساحية والموضوعية.

الفائدة التاسعة: بيان التحولات الكبرى التي تقع في السموات والأرض والجبال يوم القيامة.

الفائدة العاشرة: شدة هول يوم القيامة.

الفائدة الحادية عشرة: تقطع الأواصر يوم القيامة، طلبًا للنجاة والافتداء.

الفائدة الثانية عشرة: تيئيس الكفار من النجاة يوم القيامة.

الفائدة الثالثة عشرة: شدة عذاب النار.

الفائدة الرابعة عشرة: مقابلة الإدبار المعنوي في الدنيا، بالطلب الحسي في الآخرة.

الفائدة الخامسة عشرة: الاقتران بين الكفر والشح.

 

قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا } [المعارج: 19 - 21]، يكشف الله I طبيعة الإنسان، والله أعلم بمن خلق، {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك:14]. نجد الله I، في مواضع من كتابه، يصف النفس البشرية، ويصف طبيعة الإنسان، وصفًا دقيقًا بليغًا، مما يستدعي العناية بهذه المواضع؛ لأنها الأساس الصحيح لما يُسمى بـ"علم النفس"، فإن اللهI، خلق الإنسان وركبه، وهو سبحانه أدرى بصفاته اطبعية، وبنيته النفسية، فينبغي أن يكون ذلك أساسًا في معرفة النفس الإنسانية، وانفعالاتها وسلوكها. ولا يقولن قائل علم النفس علم تكوَّن حديثًا على أيدي الغربيين. كلا! علم النفس في كتاب الله، وهو أوثق وأدق وأصدق، فينبغي لأهل الإسلام أن يعولوا عليه، ويستخرجوا الصفات الإنسانية الأساسية، ويتعرفوا على الآفات والاضطرابات النفسية من خلاله.

 والمراد بالإنسان هنا، جنس الإنسان، من حيث هو إنسان.

قوله: {خُلِقَ هَلُوعًا}، قد اختلف في تفسيرها على ألفاظ متعددة، ولا أحسن من تفسير القرآن بالقرآن؛ فالله Iتولى بيان معناها، فقال: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج:20-21] فلا مُحوج للبحث عن تفسيرات أُخر، أي: إذا أصابته مصيبة، ولحقه ضرر؛ فزع، وضجر، وتبرم, وإذا أدرك ما يتمنى شح وأمسك، كما قال في آية أخرى: {لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ} [فصلت:51]، وأمَّا في حال الخير والسعة، فهذه طبيعة الإنسان، إلا من عصم الله تعالى.

     وقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة t أن النبي r قال: (شرُّ ما في الرجلِ شُحٌّ هالِعٌ وجُبنٌ خالع)([10])،  وذلك أن أعظم صفات الرجولة: الشجاعة والكرم، فإذا كان الرجل لا يتحلى بهذين الوصفين، فذلك نقص في رجولته. فالنفس الإنسانية، جَمُوعة منوعة.

     فينبغي أن يتخلق المؤمن بأخلاق القرآن، وأن يتخلص مما ذمه القرآن، وأن يترقى ويسمو بنفسه عن الجزع، فلا يتضعضع عند أدنى مصيبة، ويُنادي بالويل والثبور، وعظائم الأمور، كحال النساء، والصبيان، وضعاف العقول، ينبغي للإنسان أن يتجلد، ويصبر، ومن يتصبر يُصبره الله، والصبر من أمهات الأخلاق، حتى إن أهل الجاهلية يفتخرون به، كما قال الشاعر([11]):

وتجلدي للشامتين أريهمُ          أني لريب الدهر لا أتضعضع

كذلك أيضًا ينبغي للإنسان أن يتخلص من الشح والإمساك، وأن يعود نفسه على البذل والعطاء، وأن تكون الدنيا في يده، لا في قلبه، فينفق، ويعلم أن الله يُخلفه، {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سبأ:39].

قوله: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [المعارج:22]، فإن الصلة بين العبد وربه، تجعل منه خلقًا آخر، فإذا اتصل بربه، استمد منه أسباب القوة، وستر ما يكون فيه من أوصاف دنيئة، وصفات عيب ونقص، كما قال الله I: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [العصر: 1-3]. فالإنسان من حيث هو إنسان، يتسم بهذه الصفات السيئة، لكن صلته بالله تعالى، وإيمانه به، وعمله الصالح، يرقِّع هذه الثغرات، فيبلغ من الكمال ما كتب الله له. والمراد بالمصلين: الذين يقيمون الصلاة، والصلاة الممدوح مقيمها، هي الصلاة التي تصل العبد بربه، لا مجرد القيام، والقعود، والركوع، والسجود، فإنها، وإن سقط بها الطلب، وبرأت بها الذمة، لم يحصل به الأثر، المطلوب، كما قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45]. فالصلاة المطلوبة صلاة القلب والبدن معًا، بمعنى أن يكون القلب حال قيامه، وركوعه، وسجوده، وقعوده، موصولًا بالله رب العالمين، فإذا كان كذلك فإن نفسه تسمو، وترتقي، وتتخلص من آفاتها.

     وقد ألهم الله النفس الخير والشر، كما قال: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } [الشمس:7-10]، وأعظم زكاة للنفس، تكون بالصلاة، فإن الصلاة تزكي النفس، وتربيها، وتنفي عنها آفاتها. الصلاة هي الغذاء، وهي الدواء، منها يقتات المؤمن، فكلما كان المؤمن أكثر تعلقًا بالصلاة، وتذوقًا لها، زانت أخلاقه، وطابت نفسه، وكرم طبعه، فهذا كله من بركات الصلاة.

قوله: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج:23]، كلمة (دائمون)، تشمل معاني عدة، فمنها: المحافظة على الصلاة، فهم لا يصلون ويخلُّون، بل هم دائمون على الصلاة، يحافظون عليها، لا يقطعونها.

ومن معاني قوله: (دائمون)، السكينة، أي: أنهم في صلاتهم ساكنون، قارُّون، لا يعبثون، ولا يلتفتون، وهذا المعنى مستعمل لغةً واصطلاحًا، فيقال الماء الدائم، وهو الماء الساكن الراكد، الذي لا يجري، كما في قوله :r (لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لاَ يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ)([12]).

     ويُذكر عن أحد أصحاب النبي r، أنه كان يحرس ليلة فجاء العدو ورماه بسهم، وهو ماضٍ في تلاوته، فمضى ولم يقطع صلاته، حتى رماه بثانٍ وثالث، فلما أثخنته الجراح وخشي أن يؤتى معسكر المسلمين من قبله، أيقظ صاحبه. فقال له صاحبه: (سُبْحَانَ اللَّهِ أَلَا أَنْبَهْتَنِي أَوَّلَ مَا رَمَى، قَالَ: كُنْتَ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا)([13] وجاء في بعض الآثار أن رجلًا كان يعبث في صلاته، فقال: ( لو خشعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارحهُ)([14])،

     وقد كان الصالحون يُرى عليهم من السكينة، والخشوع في صلواتهم، ما يتعجب منه الناظر إليهم؛ فيُروى عن عبد الله بن الزبير t أنه كان إذا سجد، تأتي العصافير وتقع على ظهره، تظنه أصل جدار! لما فيه من الإخبات، والسكينة، وعدم الحركة، ولما حاصره الحجاج بن يوسف الثقفي، بمكة، كان يرمي بالمنجنيق، فذهب حجر من أحجار المنجنيق بثوبه وهو يصلي بالبيت، فلم يقطع صلاته! ويحكى عن بعض الصالحين أنه سقط جانب المسجد، وهو يصلي فما قطع صلاته.

قارن هذا بما يقع من كثير من الناس، حين يدخلون في صلاتهم، فيأخذون بالعبث فيما يحملونه، وما يلبسونه، فضلًا عما يشغلهم من الشواغل.

     وثمَّ معنى ثالث لدائمون، وهو: المداومة أي: إذا عملوا عملًا داوموا عليه، وهذا من هدي النبي r، فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ)([15])، وقالت: (كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً)[16] ، وقال: (وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ)([17]) ، وحذر بعض أصحابه من قطع العمل، فقال: (يَا عَبْدَ اللَّهِ، لاَ تَكُنْ مِثْلَ فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ)([18]).

قوله: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ}, لما ذكر الله تعالى حقه في الصلاة، ذكر حق الفقير  في المال. وهذا يقابل ما ذكره في طبيعة الإنسان؛ أنه إذا مسه الخير منوعًا، فمن شأن هؤلاء المستثنين أنهم يعطون الفقير حقه، ولا يمنعونه. وحق المال هو زكاته، وبذل النفقات الواجبة. ومن الناس من يُنعم الله تعالى عليه، فيمنع الحق الواجب في ماله، فلا يؤدي زكاته، ولا يُنفق على من تجب عليه نفقته، من ولد أو والد، أو زوج، أو بهيمة، فإن للبهيمة حقًا على صاحبها أن يعلفها، ولو لم يفعل لأثم.

قوله: {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج:25] السائل: هو الذي يستجدي الناس، والمحروم: هو الذي لا يسألهم، ولا يُفطن له فيُعطى، فلهذا قيل عنه محروم. لكن هؤلاء المصلين، يعطون من سألهم من أصحاب الحقوق، ويتفقدون من لم يسألهم من الذين {لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة:273]. فالمصلون قد أدوا حق الله تعالى في الصلاة، وأدوا حق العباد في الزكاة.

قوله: {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ}، أي: أن عندهم يقين بالبعث والمعاد، خلاف ما عليه المشركون الذين بُعث فيهم النبي r فأكذبوه، وقالوا: {مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78].

     والتصديق: قول القلب؛ لأن القلب يتعلق به شيئان: قول وعمل. فقول القلب: تصديقه، ويقينه، وإقراره، وعمل القلب: ما يتحرك به القلب، من النيات والإرادات.

    ويوم الدين: من أسماء يوم القيامة؛ لأنه تقع فيه الدينونة، وهي الجزاء والحساب، يُدان فيه الناس، فيُجازى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.

قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ}، الإشفاق عمل القلب؛ لأنه وجل وخشية، كما قال ربناI: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال:2]، فوجل القلب وخشيته من عمل القلب، وليس من قول القلب.

     وهذا يدل على الارتباط والتلازم، بين تصديق القلب وعمله، فلا يمكن إلا أن يُثمر التصديق عملًا؛ ولهذا قال أهل السُنَّة والجماعة: "الإيمان قول وعمل"، ومن الأعمال أعمال القلوب، ومنها الخشية، وذلك أنهم إذا ذكروا عذاب الله تعالى، الذي توعد به الظالمين، اقشعرت جلودهم، وغشيهم من الخوف والفزع، ما يحملهم على اجتناب معاصيه، فهذا الإشفاق إشفاق إيجابي، يحول بينهم وبين الوقوع في محارم الله تعالى. وما أحوج القلب إلى هذه الخشية.

قوله: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [المعارج:28]، عذاب الله تعالى لا يأمنه من يقدر الله حق قدره، {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]، فالأمن من مكر الله من أكبر الكبائر، فيجب على الإنسان أن يكون بين الخوف والرجاء، يرجو رحمته، ويخشى عذابه، كما أثنى الله تعالى على الخُلص المؤمنين، فقال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:57]، فلا بُدَّ من تحقيق هذا المعنى في القلب، وهو: الخشية من عذاب الله، وعدم الأمن من مكر الله. لكن من أمنه الله تعالى فهو آمن، قال الله U عن المؤمنين: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء:103].

وقد قال النَّبيِّ rفيما يرويه عن ربِّه جلَّ وعلا قال: (وعزَّتي لا أجمَعُ على عبدي خوفَيْنِ وأمنَيْنِ؛ إذا خافني في الدُّنيا أمَّنْتُه يومَ القيامةِ، وإذا أمِنَني في الدُّنيا أخَفْتُه يومَ القيامةِ)([19])، فربنا U يُثني على من يخافه ويخشاه، {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك:12]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } [المؤمنون: 57]

 قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30)} [المعارج: 29:30]، الإنسان له أنواع من الشهوات؛ شهوة الطعام، والشراب، والنظر، والسماع، والمال، والشهرة، وغيرها. وثمَّ شهوة كبرى، وهي شهوة الفرج، فالله I أثنى على هؤلاء المصلين، بأنهم يحفظون فروجهم، فلا يضعوا شهوتهم في غير موضعها؛ من الزنا، واللواط، وغير ذلك من الطرائق المحرمة والشذوذ. فلما جعل فيهم هذه الرغبة الفطرية، جعل لها مصرفًا، صحيحًا، صالحًا، وهو الزواج والتسري. فالزوجة من يعقد عليها المرء، عقد النكاح، وأما السُّرية فهي من يتملكها بحر ماله، أو من السبي الحاصل من الجهاد، فبيّن تعالى أن هذين المصرفين، هما المصرفان الصالحان لقضاء الوطر، فلا تلحقهم في ذلك ملامة ولا إثم، خلافاً لبعض الملل والأديان المُحرفة، التي تعيب النكاح! فتجد الرُّهبان من الهندوس، والبوذيين، يمتنعون عن الزواج، وكذلك أيضًا رجال الكنيسة؛ من الأساقفة، والمطارنة، والشمامسة، وغير ذلك من الرتب الكهنوتية عند النصارى، يمتنعون عن النكاح. فالآية تدل على بطلان ما هم عليه؛ لأن الله تعالى قد أباحه، فهو من غريزة الإنسان، وحاجته الفطرية. فدلت الآيات على إباحة النكاح والتسري، ورفع الحرج والملامة فيهما، فهذا من سنن الفطرة، كما قال النبي r للنفر الذين قال أحدهم: "لا أتزوج النساء" قال: (وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)([20])

     وهذه الآية أصل في تحريم الزنا واللواط، والأنكحة الفاسدة، مثل: نكاح المتعة، بأن يتزوجها إلى أجل مسمى، ونكاح الشغار الذي يقع على سبيل المقايضة، بأن يقول أزَوجك موليتي، على أن تزوجني موليتك، ، ونكاح التحليل، الذي يعمد فيه المحلِّل أن ينكح امرأة ليُحلها لزوجها الذي طلقها ثلاث طلقات. فهذه ليست أنكحة صحيحة.

     ويدخل في التحريم: الوطء في الدُّبر، وحال الحيض، فلا يحِل للرجل أن يطأ زوجته ولا سريته في الدُّبر، حتى جاء في الحديث: (مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا)([21]), وجاء أيضًا (مَنْ أَتَى حَائِضًا، أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، أَوْ كَاهِنًا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)([22]). وكذلك حال الحيض، لقول الله تعالى ولا تقربوا النساء في المحيض، حتى يطهرن، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]، فالدم هو الأذى، فلا يحل أن يطأ الإنسان امرأته حال الحيض، فإن فعل فعليه الكفارة؛ دينار أو نصفه، مع التوبة والاستغفار.

     ومن صور عدم الحفظ للفروج: الاستمناء باليد، الذي يسمى في لغة العصر بالعادة السرية، فإنه ليس من مصارف حفظ الفرج.

     ويمكن أن ندخل في هذا، ما بات يفعله بعض الناس، ويسميه "الزواج بنية الطلاق"، فينشئ سفرًا ليستمتع، ثم يطلق، ويعود، هذا خلاف ما أراد الفقهاء الأولون من الزواج بنية الطلاق، وهو أن ينزل الإنسان في بلد لتجارة، أو عمل، يريد أن يمكث ما شاء الله، فيقول في نفسه: أُعف نفسي بالنكاح، فإذا أردت السفر يمكن أن أفارق، ويمكن أن أرتحل بامرأتي. فقد أباحه جمهورهم، ومنعه الإمام أحمد، رحمه الله، لأنه لم ينو الاستدامة. أما ما يفعله بعض السفهاء، من إنشاء سفر من بلده إلى بعض البلدان، لكي يستمتع بنية الطلاق، فقد قال عنه شيخنا ابن عثيمين، رحمه الله،: "هذا زنا، وهؤلاء زُناة".

     ويدخل في حفظ الفروج الأسباب التي تؤدي إلى تحصينها، فيحفظ الإنسان بصره، وسمعه، وفكره، من مقدمات هتك الفروج، فلا يطلق بصره في حرام، ولا يصغي إلى حرام، ولا يفكر في حرام، يعني لا يتقصد التفكير. أما ما هجم على قلبه دون إرادة واستدعاء، فإنه لا يؤاخذ عليه، لقول النبيr: ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)([23])، (ومَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا، أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ)([24])، كما أنه لا يؤاخذ على النظرة الأولى، كما قال النبيr: (يَا عَلِيُّ لا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ)([25]), لكن المحذور هو أن يطلق بصره، فيما حرم الله، أو سمعه في الإصغاء، ويرخي سمعه إلى الخنا، والفجور، والعُهر، وغير ذلك من مثيرات الغرائز، أو يُعمل فكره في الحرام. فحفظ هذه الجوارح يدخل في حفظ الفروج؛ لأنها مقدمات وأسباب.

قوله: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}[المعارج:31]، فكل ما وراء الزواج الشرعي، والتسري، فهو عدوان، وإن كان يتفاوت، فعدوان الزنا، واللواط، وإتيان البهيمة، ليس كعدوان الاستمناء باليد، ولكنه يشمله لفظ العدوان، ويُستدل به على تحريم هذه الممارسات.

قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المعارج:32]، من صفات هؤلاء المصلين، أنهم يفون بالأمانة، ولا يخونونها، ويحفظون العهود، ولا يغدرون بها، فعنِ أبي رافعٍ قالَ:  (بعثتني قريشٌ إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فلمَّا رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ألقيَ في قلبيَ الإسلامُ فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ إنِّي واللَّهِ لاَ أرجعُ إليْهم أبدًا فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنِّي لاَ أخيسُ بالعَهدِ ولاَ أحبسُ البردَ ولَكنِ ارجع فإن كانَ في نفسِكَ الَّذي في نفسِكَ الآنَ فارجع. قالَ: فذَهبتُ ثمَّ أتيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فأسلمت)([26])، بل إنه جعل إخلاف الوعد من صفات المنافقين، فقال: (آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ)([27]) ، وفي لفظ (وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)([28])، تلك صفات المنافقين، ومن وقع فيها من المؤمنين فنفاقه نفاق عملي، فمن شأن هؤلاء المصلين، أنهم يتقون الله تعالى فيفون بالعهود، ويؤدون الأمانات إلى أهلها، ولا يغدرون، ولا ينقضون الميثاق. ، وهذا من أثر صلاتهم عليهم. ولهذا قال ربنا لنبيهr: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال:58]، يعني القوم الذي بينك وبينهم عهد وميثاق، وخفت غدرهم، فلا تبادئهم بالغدر، وتغزوهم، ولكن انبذ إليهم على سواء، وقل لهم: العهد الذي بيننا وبينكم انحل، فهذا من الوفاء وحسن العهد.

قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33)} [المعارج:33]. يتحملون الشهادة، ويؤدونها، فإذا استشهدوا شهدوا، وأدوها كاملة غير منقوصة، لا يزيدون فيها ولا ينقصون، كما جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّr قَالَ لِرَجُلٍ: تَرَى الشَّمْسَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أو دَعْ)([29]). ولا يجوز  كتمانها، كما قالU : {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة:283] ومن الناس من إذا استشهد على شيء، أو طلبت شهادته، قال: أنا لا أريد أن أدخل في مشاكل!، الواجب عليه، إذا استشهده الحاكم الشرعي في خصومة أن يؤدي الشهادة كاملة غير منقوصة، ولا يسعه كتمانها.

قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34)} [المعارج:34]، يحافظون على شروطها، وأركانها وواجباتها، وسننها. فالصلاة رأس مالهم، وعمدة عملهم، فهم يعتنون بها، ويُحافظون عليها أشد من محافظتهم على أموالهم.

     هذه صفات المصلين الناجين، المستثنين من صفات الهلع والمنع والجزع. ولو تأملت المواضع الأخرى التي وصف الله تعالى بها عباده المؤمنين، لوجدتها متقاربة، أو متطابقة، فتأمل مثلًا في سورة المؤمنون: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1-2] فابتدأ بالصلاة، ثم ختمها بها بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:9].

     وتأمل أيضًا قوله في سورة المؤمنون {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 10، 11]، وقال هاهنا: {أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج:34-35] سواء بسواء، وكذلك الحال في آخر سورة الفرقان، في ذكر صفات عباد الرحمن: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] فأتى بالصفات الإيمانية، ثم الصفات المالية، فقال: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67]، وهنا قال: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24-25]. وقال في سورة الفرقان {وَلا يَزْنُونَ} [الفرقان:68] وقال هاهنا: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المعارج:29]، وفي سورة المؤمنون، طبقها.

     وكذلك ما ذكر الله في وصف أولى الألباب في آخر سورة آل عمران: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: 191 - 194].

     وهذا يدعونا معشر المؤمنين، إلى أن نولي هذه الأوصاف التي زيّن الله تعالى بها عباده المؤمنين اهتمامنا، فإذا مرت بنا أوصاف المؤمنين في القرآن، فلنسأل أنفسنا: هل نحن من أهلها أم لا؟، ما نصيبنا منها؟ ولا ينبغي للإنسان أن يقرأها ويتجاوزها وكأنما هي خبر مجرد وحسب! طبق هذه الأوصاف على نفسك، وانظر ما حظك من هذه الباقة من الأوصاف الإيمانية، والخلقية، والمالية، والمسلكية فتسعى للتحلي بها، لتنال ثوابها الموعود بقوله:

{أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج:35]، جنات، ليست جنة واحدة، بل جِنان؛ أعلاها الفردوس، التي هي أعلى الجنة، ووسط الجنة، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن، وفيها من أنواع النعيم، ما لا يخطر بالبال، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ)([30]).

     فالمؤمن تنتهي معاناته بمجرد أن تُسلَّ روحه من بدنه، فيدخل في حياة أخرى كريمة. وإذا كان الُمكرم هو الله، فماذا تتوقع؟ لو قيل لإنسان أنك ستكون في ضيافة ملك من ملوك الدنيا، لتوقع أنه سيلقى حفاوة، وإكرامًا وإنعامًا، فكيف إذا كان المُكرم ملك الملوك، رب العالمين.

قوله: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} [المعارج:36-38]، هذا استفهام إنكاري، وهذه صورة يرسمها القرآن للكفار، المكذبين بالنبي r، وهو يدعوهم إلى الله، وإلى التصديق بموعود الله، وإلى الإيمان بالقرآن، والبعث ثم هم ينطلقون، ويفرون، يمنة ويسرة. فمعنى قوله {مُهْطِعِينَ} أي منطلقين، مسرعين، فارين، كما قال في سورة المدثر {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [المدثر:50-51]، وكما قال في صفتهم بعد البعث: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} [القمر:8]. فتلك صفتهم حينما يدعوهم النبي r إلى الإيمان، وإلى الحق. وقيل في معناها، يعني يستقبلونك فرقًا فرقًا، متوزعين، ويُكذبونك. و{عِزِينَ}، حال منهم، وهي جمع عِزة، على وزن عِظين، يعني جماعة وفِرقة، فكأنهم حِلق متحلقة حول النبي r، يرمقونه، ويُكذبونه، ولا يقبلون ما يأمرهم به، ويؤيد هذا المعنى أن النبي rخرج مرة على أصحابه، وهم حِلق، حِلق، فقال: (مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ)([31])  لكن المعنى الأول أقرب.

     فهذه الآية ترسم صورة الكفار وهم نافرين من الحق، ومما يقوله النبي r وأنهم فِرق وأشتات؛ كما قال الإمام أحمد، رحمه الله، في مقدمة كتابه في الرد على الجهمية والزنادقة: "فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب". فأهل الأهواء والبدع، ومن سلف وخلف من المشركين، تنطبق عليهم هذه الأوصاف، كل له رأيه، وطريقته، وهم متفقون على مخالفة الكتاب، على تفرقهم واختلافهم فيما بينهم، إلا أنهم يجمعهم التكذيب بالقرآن.

قوله: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38)}، هذا سؤال للتعجيب من حالهم! يعني أيظن أولئك المغرورون، المعجبون بأنفسهم، المكذبون بما جئتهم به، أنهم قد ضمنوا الجنة! فيأتي الجواب حاسمًا، قاطعًا لآمالهم:

{كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} [المعارج:38]، أي ليس الأمر كما تظنون، فليس لهم إلا العذاب الأليم. ثم ذكرهم بأصلهم المهين، الذي يعلمونه، ويعلمه كل أحد، وهو الماء المهين، كما قال ربنا U: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ} [المرسلات:20-21]،

فأصل الإنسان من هذا الماء المهين، فكيف يستكبر ويتطاول، ويُنكر البعث! فتذكيرهم بأصل خلقتم، أكبر دليل في الرد على إنكارهم للبعث، فالذي خلقكم أول مرة، قادر على إعادتكم، بل إن خلق السماوات والأرض أعظم من ذلك. كما قال ربناU : {لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر:57]. لكن من كان مطموس البصيرة، على عينيه غشاوة، وفي أذنيه وقر، وعلى قلبه أكنة، لا يقبل الحق.

قوله: {فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ} [المعارج: 40]، قال بعض العلماء: (فلا)  كلمة ردع لهم، ثم استأنف فقال: {أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ}، ومثلها:{لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة:1]، و {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد:1]. ولكن الأقرب في توجيه هذه الصيغة، أن المقصود أن الأمر لا يحتاج إلى قسم، الأمر من الوضوح والبيان بمكان،  فيكون بهذا التوجيه أدل على المراد.

     والله I هو رب المشارق والمغارب، والمشارق والمغارب جاءت بصيغة الجمع لتعددها، فثم مشارق للشمس، ومغارب، ومشارق للقمر ومغارب، ومشارق للنجوم، ومغارب، ثم هذه المشارق تتعدد بتعدد الأماكن، وتتعدد بتوالي الفصول، فمشارق الشمس في الصيف ليست كمشارقها في الشتاء، وكذا مغاربها في الصيف ليست هو كمغاربها في الشتاء. ناهيك عن بقية الأجرام السماوية، فالمشارق والمغارب لا يحيط به وصف، والله تعالى لا يُقسم إلا بمعظم، كما قال: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [الواقعة:75].

قوله: {إِنَّا لَقَادِرُونَ} [المعارج:40] جواب القسم. وهو I صادق بار من قسم، لكن هذا للتأكيد.

قوله: {عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ} [المعارج: 41]، للمفسرين في هذا قولان:

القول الأول: أن المراد أن نخلقهم خلقًا جديدًا أفضل من الخلقة الأولى. وهذا هو المناسب للسياق؛ لأن الكلام على إثبات البعث، والمجازاة.

والقول الثاني: أن نستبدلهم بقوم آخرين، كما قال في الآية الأخرى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38]، وهو الذي ذهب إليه ابن جرير الطبري، وقد رجح ابن كثير  المعنى الأول، لمناسبة السياق، لأن الحديث إنما هو عن إثبات البعث، والجنة والنار، وموعود الله بيوم الدين، الذي يتصف المصلون بأنهم يصدقونه، وأنهم منه مشفقون، فالسياق يدل عليه. قوله: {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [المعارج:41]، يعني غير معجزين، ولا يسبقنا إليه سابق.

قوله: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا } [المعارج:41-42]، في هذا من التهديد والوعيد ما فيه! كأن الله تعالى يقول لنبيه: دعهم! سيجدون غِب أعمالهم، وشؤم صنيعهم. والخوض الذي يقع منهم: ما يتفكهون به من الكلام الباطل، والتهم الجزاف، التي يطلقونها على النبي r، وعلى القرآن، فهذا هو الخوض. واللعب: ما يتلهون به في دنياهم، من العبث والشهوات.

قوله: {حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [المعارج:42]، هو يوم القيامة، الذي ضلوا يكذبون به. فلا تغتر حينما ترى الله U، إن الله يمهل للظالم، فإن الله يمهل للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته، وعلى المؤمن أن يحذر من الاستدراج، فعن عقبة بن عامر tأن النبي rقال: (إذا رأيتَ اللهَ يُعطِي العبدَ من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراجٌ، ثم تلا رسول الله صل الله عليه وسلم قوله تعالى{فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44])([32]).

قوله: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43)} [المعارج: 43] الأجداث: هي القبور، جمع جدث، وذلك بعد الصيحة الثانية.

وهذا الوصف هو الوصف الذي وصفهم به في سورة يس بقوله:: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس: 50-51]، وفي سورة القمر، بقوله: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ} [القمر:8] أي مسرعين، كأنه يتقفاهم متقفٍ، ويطردهم طارد، فتنشق عنهم قبورهم، بعد أن يعيدهم الله خلقًا جديدًا، حتى الذي تفرق لحمه في بطون السباع، وحواصل الطير، وأجواف الحيتان، أو صار رمادًا، وينشئه نشأة أخرى. فيقومون لرب العالمين، {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:6]، ثم يدعوهم الداعي، ويناديهم المنادي، فيخرجون سراعًا، في مشهد مهيب عجيب.

قوله: {كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43)} وصفهم الله I بوصف يمارسونه حين يتوجهون إلى أنصابهم في الدنيا. والأنصاب: جمع نُصب، وهو الصنم، ومعنى  (يُوفِضُونَ): أي يأتونه سعيًا، وربما كان أيضًا، بمعنى: يستلمونه، فكأنهم حينما يخرجون من قبورهم، بهذه السرعة، يشبه فعلهم في الدنيا حينما يأتون إلى أحد هذه الأنصاب التي يعبدونها من دون الله، ويتزاحمون عليها، ويقبلون عليها، ليتمسحوا بها، ويطوفوا بها.

قوله: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} [المعارج: 44]، فأبصارهم ذليلة خاشعة، خاضعة، والبصر خلاصة الوجه، والوجه مرآة القلب. لهذا يعبر الله تعالى بالوجه وبالبصر، لأنه المرآة، والمعيار الذي من خلاله يتبين ما يعتمل في القلب.

قوله: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي: تعتريهم ذلة، وانكسار، قال الله U: {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى:45]، فيا لها من صدمة، يا لها من مفاجأة!

قوله: {ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)} [المعارج: 44]، ذلك اليوم الذي كانوا يكذبون به، ها هم الآن يعيشونه، وهو ما كانوا يوعدون في الدنيا.

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: عناية القرآن بصفات الإنسان الجِبلية.

الفائدة الثانية: صفة الهلع وتفسيرها، وشموليتها لبقية الأوصاف.

الفائدة الثالثة: ذم الجزع، والشح، وفضيلة الصبر، والبذل.

الفائدة الرابعة: أثر الصلاة في عصمة الإنسان، وخلاصه من آفات النفوس.

الفائدة الخامسة: أهمية الديمومة على الصلاة، والسكينة فيها، وإثبات العمل.

الفائدة السادسة: تحريم ترك الصلاة، وانتقاصها كمًا وكيفًا.

الفائدة السابعة: بيان حق المال ومستحقه.

الفائدة الثامنة: وجوب الإيمان باليوم الآخر.

الفائدة التاسعة: وجوب الخشية من عذاب الله.

الفائدة العاشرة: خطر الاغترار والأمن من عذاب الله.

الفائدة الحادية عشرة: وجوب العفة، وتحصين الفروج.

الفائدة الثانية عشرة: وجوب رعاية الأمانات، وأدائها وتحريم الخيانة، وجوب الوفاء بالعهود، وإتمامها وتحريم الغدر.

الفائدة الثالثة عشرة: وجوب تحمل الشهادة، وأدائها وتحريم كتمانها.

الفائدة الرابعة عشرة: وجوب المحافظة على الصلاة، بشروطها وأركانها وواجباتها.

الفائدة الخامسة عشرة: أن صفات المصلين تتعلق بجميع الأقوال والأفعال.

الفائدة السادسة عشرة: التعجيب من حال الكافرين، ونفرتهم من النبيr.

الفائدة السابعة عشرة: استهجان أماني الكافرين، وغرورهم.

الفائدة الثامنة عشرة: تذكير الكافرين بأصلهم المهين.

الفائدة التاسعة عشرة: إقسام الله تعالى بما شاء من مخلوقاته.

الفائدة العشرون: كمال قدرة الله تعالى على الخلق والإعادة.

الفائدة الواحد والعشرون: إمهال الكافرين واستدراجهم.

الفائدة الثانية والعشرون: إثبات البعث، وصفته، وبيان حال الكافرين البئيس يوم القيامة.

الفائدة الثالثة والعشرون: تحقق موعود الله تعالى وعدم إخلافه.

 

[1] أخرجه أحمد رقم (18534).

[2] أخرجه أحمد رقم (1475).

[3] أخرجه البخاري رقم (1549), ومسلم رقم (1184).

[4] أخرجه أحمد رقم (1771).

[5] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم (1/ 556), تفسير الطبري: (23/ 602).

([6])أخرجه البخاري رقم (7377)، ومسلم رقم (923) واللفظ له.

[7] أخرجه الحاكم في المستدرك رقم (3606), وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

[8] أخرجه مسلم رقم (2842).

[9] أخرجه البخاري رقم (6435).

([10])أخرجه أبو داود رقم (2511)، وأحمد رقم (8010).

 

([11]) أبو ذُؤيب الهُذَلي.

([12]) أخرجه البخاري رقم (239), ومسلم رقم (282).

([13]) أخرجه أبو داود رقم (198).

([14]) أخرجه العراقي في طرح التثريب رقم (2/373).

([15]) أخرجه مسلم رقم (746).

([16]) أخرجه البخاري برقم (1987)، وأخرجه مسلم (783)

([17]) أخرجه البخاري رقم (6464), ومسلم رقم (783), متفق عليه.

([18]) أخرجه البخاري رقم (1152), ومسلم رقم (1159), متفق عليه.

([19]) أخرجه ابن حبان في صحيحه رقم (640), وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (2666).

([20]) أخرجه البخاري رقم (5063), ومسلم رقم (1401).

([21]) أخرجه أحمد رقم (10206).

([22]) أخرجه أحمد رقم (10167), والترمذي رقم (135), وابن ماجه رقم (639).

([23]) أخرجه ابن ماجه رقم (2045).

([24]) أخرجه البخاري رقم (6664), ومسلم رقم (127).

([25]) أخرجه الترمذي رقم (2701).

([26]) أخرجه أحمد رقم (23857),  وأبو داود رقم (2758).

([27]) أخرجه البخاري رقم (33), ومسلم رقم (59).

([28]) أخرجه البخاري رقم (34), ومسلم رقم (58).

([29]) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم (10469).

([30]) أخرجه البخاري رقم (3244), ومسلم رقم (2824), متفق عليه.

([31]) أخرجه أحمد رقم (20874).

([32]) أخرجه أحمد رقم (17311).



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:46 صباحًا الثلاثاء 5 صفر 1442 / 22 سبتمبر 2020.