• ×

أ.د. أحمد القاضي

تفسير سورة الحاقة

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  181
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

سورة الحاقة

سورة الحاقة، سميت بهذا الاسم لتكرر هذا اللفظ فيها ثلاث مرات، في مستهلها، وأسماء سور القرآن يؤخذ من تسمية النبي r لها، أو تسمية الصحابة. وربما كان للسورة الواحدة أكثر من اسم.

مقاصد السورة:

لهذه السورة مقصدان عظيمان، أحدهما: الإيمان بالمعاد، وبيان جزاء منكريه.

المقصد الثاني: الإيمان بالقرآن، وأنه كلام الله المحفوظ.

 افتتح الله U هذا السورة بهذا الافتتاح المهيب، {الْحَاقَّة* مَا الْحَاقَّة * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّة}، الحاقة: اسم من أسماء يوم القيامة، وليوم القيامة أسماء متعددة، عدَّ القرطبي -رحمه الله- منها أكثر من خمسين اسمًا، وعد ابن كثير، رحمه الله، في النهاية في الفتن والملاحم، أكثر من ثمانين اسمًا، كالحاقة، والصاخة، والطامة، والآزفة، ويوم التناد، ويوم الحشر، ويوم التغابن، وغيرها.

وأسماء يوم القيامة أعلام وأوصاف، كما نقول في حق ربنا U، إن أسماءه أعلام وأوصاف، وكما نقول في حق نبينا r إن أسماءه أعلام وأوصاف، وكما نقول في حق القرآن إن أسماءه أعلام وأوصاف، فكذلك أيضًا بالنسبة لليوم الآخر، فإن ما سمى الله U به اليوم الآخر، أو الساعة، أعلام وأوصاف.

ومعنى كونها أعلامًا: أنها تدل على ذلك اليوم المعين، ومعنى كونها أوصافًا: أن كل اسم منها يتضمن وصفًا خاصًا يميزه عن غيره، بخلاف أسماء الآدميين فإنها أعلام عليهم، ولا يلزم أن تكون أوصافًا لهم، فقد يُسمى شخصٌ ما صالحًا، وهو من أفسق الناس، وقد يسمى أمينًا، وهو من أسرق الناس، وقد يسمى شجاعًا، وهو من أجبن الناس.

فأسماء الآدميين لا يلزم أن تكون أوصافًا، بل هي أعلام عليهم، أما أسماء الله الحسنى، وأسماء نبيه r، وأسماء القرآن، وأسماء القيامة، فهي أعلام وأوصاف. ويتضح ذلك بمعرفة كل اسم على حدة؛ فقد سميت بالحاقة لأمرين:

الأمر الأول: لتحقق وقوعها، فإنها واقعة لا محالة، لا بد أن تحق.

الأمر الثاني: لأنها تأتي بالحق الذي يزهق الباطل. فهي إذًا تحق بالحق.

ومن اسمائها ما ورد في أثناء السورة: {الْقَارِعَة}، لأنها تقرع الآذان والقلوب، لهول وقعها، قال تعالى: {الْقَارِعَة * مَا الْقَارِعَة * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَة} [القارعة:1-3].

ومن أسمائها ما ورد أثناء السورة: {الْوَاقِعَةُ}،  سميت بذلك لتحقق وقوعها، قال تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ} [الواقعة: 1]. وقل مثل ذلك في الطامة، التي تطم كل شيء، والصاخة، التي تصخ الأسماع وهكذا.

قوله: {مَا الْحَاقَّة}، الاستفهام هنا للتعظيم والتفخيم، يعني إن شأنها عظيم، سيما وإنه قال بعد ذلك: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّة} [الحاقة:3] فهذا التساؤل والتكرار يدلان على تعظيم هذا الأمر، والاحتفاء به، وأن شأنه ليس كسائر الحوادث، قال الله I: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيد} [الحج:1-2]. فينبغي للمؤمن أن يعظم ما عظمه الله، وأن يقدم ما قدم الله، وأن يفخم ما فخم الله، وأن يوليه ما يستحق.

قوله: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ} [الحاقة:1-4] ربما كان هذا جواباً للسؤال في قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّة}.

وهاتان الأمتان بائدتان؛ وهما ثمود، وعاد، فأما ثمود فهم قوم صالح الذين كانت مساكنهم في وادي الحجر، الذي يقع بين مكة والشام، ولا تزال مساكنهم شاهدة خاوية، كما قال ربنا: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِين * وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُون} [الصافات:137-138]، فكان من شأنهم أن آتاهم الله تعالى قوة وبأساً شديدًا، حتى أنهم كانوا ينحتون من الجبال بيوتًا، ويتخذون من سهولها قصورًا. فبعث الله فيهم نبيه صالح، عليه السلام، ودعاهم إلى توحيد الله U وعبادته قائلا لهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ} [هود:61]، لكنهم أبوا، فلما استيئس منهم قال: {تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب} [هود:65]، فكان أن أهلكهم الله تعالى هلاكًا مدويًا، لا نظير له، وذلك بالصيحة.

قوله: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَة} [الحاقة:5]، الطاغية: هي الشيء الذي يطغى، ويربو، ويزيد. وقد اختلف المفسرون في المراد بالطاغية، فقال بعضهم: هي الصيحة التي صاح بهم جبريل u، صيحة مدوية، قطعت نياط قلوبهم في صدورهم، صوت فظيع، عظيم، دوى في أرجاء قراهم، حتى لم يبق إلا مساكنهم، ولا زالت شاهدة شاخصة.

ولذا كان من المتعين ألا يمر بها الإنسان إلا باكيًا أو متباكيًا، خلافًا لما يفعله كثير من السفهاء؛ يذهبون إليها للاستجمام، والتفكه، والسياحة، وربما تناولوا المطعومات والمشروبات، وتبادلوا النكات، وأطلقوا القهقهات، وهم يتقلبون في أرجائها! أما حال نبينا r فقد وصفه ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالحِجْرِ قَالَ: «لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الوَادِيَ»[1],  وعنه: « أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحِجْرِ - أَرْضِ ثَمُودَ - فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا، وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ «فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا، وَيَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ»[2].

وقيل إن معنى الطاغية مأخوذ من الطغيان، يعني أهلكوا بعصيانهم وطغيانهم، لما عتوا عن أمر نبيهم. وقيل: إن المراد بالطاغية: هو عاقر الناقة، {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} [الشمس:12-15]، وهو قدار بن سالف، هذه ثلاثة أقوال في المراد بالطاغية.

قوله: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَة} [الحاقة:5-6]، عاد: قوم هود، عليه السلام، الذين كانوا يسكنون الأحقاف، في حضرموت، جنوب الجزيرة العربية، {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم} [الأحقاف:21]، وكان الله I قد آتاهم قوة شديدة، وبأسًا، وكانوا طوال الأجسام، ويبتنون المدائن العظيمة، {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ} [الفجر:7-8]. فبعث الله تعالى فيهم هودًا، عليه السلام، ودعاهم إلى توحيد الله وعبادته، فاستنكفوا واستكبروا وقالوا لهود u: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ} [هود:54] اتهموه بالخبل والجنون، {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُون* مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُون* إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [هود:55-56] هكذا تحداهم أجمعين! لهذا يقال إن آية هود u أنه تحدى القبيلة بأجمعها، أن يصلوا إليه بسوء، فلم يستطيعوا. فكان أن عذبهم الله I بعذاب مهين، وذلك أنهم قد أعجبوا بقوتهم وحالهم، فأذلهم اللهU، وأهلكهم بالريح، فاستحال الهواء اللطيف، عذابا مدمرًا.

قوله: {صَرْصَرٍ عَاتِيَة} [الحاقة:6]، معنى صرصر: فقد قال بعض المفسرين أنها شديدة البرودة، حتى جرس الكلمة يشعر ذلك. وقيل أن معنى صرصر: صوت فظيع حاد نافذ. عاتية: أي شديدة الهبوب، فقد انبعثت عليهم، وهبت عليهم هبوبًا عاتيًا، شديدًا، حتى قال بعض المفسرين: إنها خرجت عن سيطرة الخُزان من الملائكة! ولكن هذا لا يستقيم، فإن كل شيء بقدر، ولا يكون شيء إلا بأمر الله تعالى. فهذا العتو بمعنى الشدة على هؤلاء المعذبين، لا بمعنى التمرد والخروج عن السيطرة والتحكم.

قوله: {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ} [الحاقة: 7]: سخر هنا: بمعنى سلط، إذ هي عقوبة وعذاب، قوله: {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الحاقة:7] هذه المدة التي ضربتهم فيها هذه الريح العاتية الشديدة، متتابعات حتى حسمتهم، واستأصلت شأفتهم تمامًا. ومن معاني حسوما: أنها مشؤومات، نحسات، كما وصف الله I ذلك في مواضع أخر في القرآن: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنصَرُون} [فصلت:16].

ومن معاني حسوما: أي كاملات، لا نقص فيهن. قال بعض المفسرين: إن ابتداءهن من يوم الأربعاء، ومنهم من قال: من يوم الجمعة، وهذا لا يؤثر، وغالب ما يكون هذا الاختلاف في الروايات الإسرائيلية. ويكفينا أن الله تعالى أخبرنا بأنهن سبع ليال، وثمانية أيام حسومًا، فهن متتابعات حتى قال ابن كثير: أسكنتهم وأسكتتهم، فكانت الريح تحمل الرجل، ثم تهوي به حتى ينشدخ رأسه، فيكون جسدًا قائمًا بلا رأس.

قوله: {فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى} [الحاقة: 7]: أي هلكى مطروحين في العراء.

قوله: {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 7]، أعجاز: جمع عجز، وهو أصل النخلة المنخور، البالي، الذي لا جوف فيه، منكفئًا، لا سعف فيه. فهكذا كان قوم عاد بعد أن أهلكهم الله، قد انفصلت رؤوسهم عن أجسادهم، بهذه الريح التي هي في الأصل خلق لطيف. حتى أنهم لما رأوها مقبلة قال: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيم* تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِين} [الأحقاف:24-25]، {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد} [هود:102]. وقد مر بنا، من قبل، أن الله تعالى يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.

      والقرآن لا يضاهيه، و لا يدانيه شيء من كلام الفصحاء والبلغاء، كما في هذا التشبيه البديع العجيب! ، وتشعر به حين تمر بموضع مهجور، فيه نخل خاو، فتذكر فعل قوم عاد.

     والقرآن جاء بصور بلاغية، وبيان عجيب، يأسر الألباب، أدهش العرب، أرباب الفصاحة والبلاغة فخضعوا له، وعجزوا أن يأتوا بمثله، حتى إن لبيد بن ربيعة، صاحب إحدى المعلقات السبع، لما سمع القرآن، أسلم، وأمسك عن الشعر، حياءً من القرآن، ولم ينشد إلا بيتًا واحدا:

الحمد لله الذي لم يأتني أجلي     حتى اكتسيت من الإسلام سربالا

قوله: {فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَة} [الحاقة:7-8]، هذا استفهام يراد به النفي، أي: لا، ليس لهم باقية، ولذلك يسمون العرب البائدة، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟ لم يبق منهم أحد، استأصلهم الله جميعًا، إلا الذين نجاهم الله I مع أنبيائه، وهم قليل.

فهاتان أمتان، كثيرًا ما يضرب الله بهما المثل، وإنما يمثل الله تعالى بأمم في جزيرة العرب، كصالح، وهود، وشعيب، ومن كان حولها، كإبراهيم في العراق، وموسى u وعيسى، في الشام وفلسطين ومصر، لأن المخاطبين عرب. وإلا فلا ريب أن هناك أمم وأقوام، كذبوا أنبياءهم في أطراف الكرة الأرضية، لم يسق الله تعالى ذكرهم، كما قال الله U عن أنبيائه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر:78]

وما تقدم من ذكر الأمتين من أسلوب الطي والنشر المرتب، لأنه طوى، فقدم ثمود على عاد، فلما نشر بدأ بثمود ثم عاد. لكن في قول الله U: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُون} [آل عمران:106]، طي ونشر مشوَّش.

قوله: {وَجَاء فِرْعَوْنُ} [الحاقة:9]، فرعون الذي كان ملك مصر، الذي تباهى بها قائلًا: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُون * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِين} [الزخرف:51-52]، والذي كان يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]، ويقول: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38].

قوله: {وَمَن قَبْلَهُ} من الأمم السابقة، وفي قراءة: (قِبْلَهُ), يعني من كان من أتباعه، وفئته. وهي قراءة معروفة.

قوله: {وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ} [الحاقة: 9]: جمع، فربما أريد بها الأمم المؤتفكات، يعني التي وقعت في الإفك، وتلطخت به، وربما أريد بها قرى قوم لوط خاصة، وهي قرى سدوم، الذين ذكرها الله آخر سورة النجم: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى} [النجم: 53-5]. وقد كانت سلسلة من القرى، تقع في المنطقة التي تسمى الآن البحر الميت، وكانوا مشركين، وكانوا يأتون الذكران من العالمين؛ فيهم شذوذ، وفسق، وفجور وعهر، ويأتون في ناديهم المنكر، فقام فيهم لوط u، يدعوهم إلى الله، وإلى عبادته وتوحيده، وينهاهم عن هذه القاذورات، فما كان منهم إلا الصد، والرد، وعدم القبول، حتى امتحنوه في ضيفه، في قصة معروفة، مبسوطة في القرآن في مواضع عدة.

والقرآن العظيم يبسط بعض القصص في موضع، ويجملها في موضع. وهذا التنوع يمنح قارئ القرآن شوقًا لقراءته، والاستشهاد بآياته، فبعضها يصدق بعضًا وإن اختلفت الكلمات والعبارات، لتعطي معاني إضافية، لكن فحواها واحدة لا تتعارض. فهنا لا نجد عن ثمود سوى آية واحدة: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَة} [الحاقة:5]، ووجدنا في شأن عاد  بضع آيات، ونجد فرعون، والمؤتفكات، مجموعين في آية واحدة.

قوله: {بِالْخَاطِئَة} [الحاقة:9] أي بالفعل الخاطئ؛ من الكفر بالله، وتكذيب رسله، والوقوع في الفواحش والمنكرات العظيمة.

قوله: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَة} [الحاقة:10] رسول ربهم، هنا، اسم جنس؛ لأنهم عصوا جميع رسل الله U،.

والتكذيب برسول واحد تكذيب بجميع الرسل، قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِين} [الشعراء:105] مع أن نوح u، كان أول المرسلين، فكان تكذيب قوم نوح تكذيبًا لجميع المرسلين، لأن التكذيب بنبي واحد تكذيب ببقية الأنبياء. وسبب ذلك أن دعوة الأنبياء واحدة، فمن كذب نبيًا واحدًا فقد كذب الباقين، كما قال: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِين} [الشعراء:123]، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 141], {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 160] فهذا أمر مطرد. وهذا هو معنى قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا* أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء:150-151]، أما حال المؤمنين، فكما وصف الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير} [البقرة:285]، فلا يجوز التفريق بين رسل الله لأن دعواهم واحدة، وهي الإسلام، {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} [آل عمران:19]، وقال: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13].

      ومعنى رابية: أي زائدة، لأن ربو الشيء زيادته. فهذه الأخذة في حق فرعون، أن الله U أغرقه في اليم هو وملئه، وأما في حق المؤتفكات، فهو أن الله I اقتلع قراهم من تخوم الأرض، حتى ارتفعت إلى السماء ثم قلبها عليهم وأتبعهم بالحجارة، فيا له من أخذ! {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102].

ثم أشار الله I إلى ما كان من أمر نوح، عليه السلام،  وهو مثال خامس، فقال سبحانه:

{إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة} [الحاقة:11]، طغى الماء حين كذب قوم نوح نبيهم، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فما زادهم إلا نفورًا، كما سيأتي في سورة نوح: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا* ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} [نوح:7-9] بذل قصارى جهده ووسعه، لكنهم أبوا، فدعا عليهم، {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِر * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِر * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر} [القمر:10]، انشقت السماء كأفواه القرب، وتفتقت الأرض عيونًا، فالتقى ماء السماء وماء الأرض، وطغى، حتى بلغ رؤوس الجبال، كما وصف الله بقوله: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِين * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِين} [هود:42-43].

ما أهون الخلق على الله U! إذا شاء إهلاكهم سخر جند السماوات والأرض بكلمة، يقول للشيء كن فيكون. والجارية: هي السفينة التي صنعها نوح u، {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُون} [هود:38]، وقال تعالى:{تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِر* وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِر} [القمر:14-15].

فهذه السفينة التي علَّم الله U نوحًا صناعتها، بقيت عبرة وآية. وكثيرًا ما يمتن الله U بالفلك على الناس جميعا، حتى إن الله U ذكر الفلك في القرآن ثلاثًا وعشرين مرة! وهذا جدير بالتأمل، فهي تجري فوق ظهر الماء، ولولاها ما تمكن الناس من النقلة، وقطع البحار والمحيطات والأنهار، وفق موازين فيزيائية (قانون الطفو). يحمل الناس، والأثقال الضخمة فوق ظهر الماء؛ فيتمكن الناس من التواصل، والتبادل التجاري، وغير ذلك.

قوله: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً [الحاقة:12]مرجع الضمير في (نجعلها)، و (تعيها), إلى الجارية، ويقال أن أوائل هذه الأمة أدركتها، لأنها رست على الجودي، وهو جبل لعله في شمال العراق، أو جنوب تركيا، وأستبعد أن تكون السفينة بقيت آلاف السنين. فيكون مرجع الضمير إلى حمل بني آدم على السفينة، وحفظهم، وتناسلهم إلى قيام الساعة، باعتبار أنهم منحدرون من صلب نوح u، فهم ذريته، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِين} [الصافات:77]. فهذا الحمل، يتناول حمل نوح، ومن آمن معه، وحمل نطفكم في صلب نوح u، حتى إذا استوت على الجودي، وهبطوا، عاد التكاثر من جديد، فأبونا الأول آدم u، وأبونا الثاني نوح u. هذا توجيه صيغة الجمع.

فحمل بني آدم في السفينة، فيها عبرة وتذكرة، حيث أغرق الله الأرض بالطوفان، ونجىّ الله تعالى بها المؤمنين. ويحتمل أن يكون المراد جنسها، يعني جنس الفلك، كما قال في سورة يس: {وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُون} [يس:42]، وكثيرًا ما يمتن الله U بخلق الفلك، فلا مانع من المحملين،

قوله:{وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَة} [الحاقة:12] ليس كل أذن واعية، بعض الآذان واعية صاغية وبعضها مجرد صوان، وطبلة، تلتقط الأصوات، لكنها لا تنتفع بما تسمعه. فالمقصود بالوعي هنا: هو التذكر، والتعقل، والتفهم، لا مجرد إدراك الصوت؛ فإن الصوت يدركه الإنسان، والحيوان، والطير، والحشرات، وإنما المراد  سماع الوعي، سماع التعقل، كما قال ربنا U: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد} [ق:37].

 منافذ الفؤاد: العينان، والأذنان، فبهما يلتقط الإنسان العلوم. فينبغي أن يبصر بنور الله، وأن يسمع على هدى من الله، أما مجرد الحاسة التي يشترك فيها المسلم والكافر، والبر والفاجر، والإنسان والحيوان، فلا تغني شيئا، ولهذا قال الله U ذامًا وناعيًا على الغافلين، {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُون} [الأعراف:179].

لأن الأنعام ليست أهلَا للتكليف، فهي تشترك وإياهم في سمع الإدراك، وبصر الإدراك، لكنها غير مكلفة، فتنقلب تلك الأدوات حجة عليهم، فالمقصود بالسماع: هو الذي يحصل به الفهم، والتعقل، والتذكر، والادكار.

ولما ذكر الله تعالى، ووصف هذه الوقائع الأرضية، التي فيها عبرة للمعتبرين، انتقل السياق إلى الحديث عن مشهد أخروي أشد فظاعة وأبلغ دلالة على قدرته. فقال U:

{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَة* وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَة * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَة} [الحاقة:13-15], النافخ هو إسرافيل u كما جاء اسمه في الأحاديث الصحيحة، فهو الموكل بحياة الأبدان بعد البعث. والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل u صيحة مدوية.

 وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن النفخات ثلاث:

- النفخة الأولى: نفخة الفزع: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِين} [النمل:87].

- والنفخة الثانية: نفخة الصعق.

- والنفخة الثالثة: نفخة البعث. وقد جمعهما قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُون} [الزمر:68]. وإلى هذا ذهب ابن كثير –رحمه الله-. وذهب بعض المفسرين إلى أنهما اثنتان، كما دل عليه الآية السابقة. وهذا هو ظاهر القرآن؛ وأن نفخة الفزع، ونفخة الصعق شيء واحد، فهي فزع وصعق في آن واحد. والمراد بها هنا، والله أعلم، النفخة الثانية، التي يحصل بها البعث.

قوله: {وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَة} يعني أن هذه الأرض ترفع، وهذه الجبال الثقيلة، الصلبة، الراسية، تنزع، ثم بعد ذلك تحط. فمعنى: دكتا: أي دقتا 0،من الدق، كما قال الله U: {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا* فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا} [الواقعة:5-6].وقال في آية أخرى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا* فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلاَ أَمْتًا} [طه:105-107], تقع هذه التغيرات الكونية يوم القيامة، أحوال مهولة، مخوفة، فظيعة، لا يستطيع العقل أن يتصور كيفيتها، لكنه يدرك ما تدل عليه العبارات من المعاني المعهودة في الأذهان.

والملاحظ أن الله I يعظم من شأن الجبال، حتى لكأنها قسيم للأرض فيخصها بالذكر، كما  في قوله: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ} [الأحزاب:72], { يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} [المزمل: 14]. فالجبال خلق عظيم هائل، سلاسل ضخمة، شاهقة، كسلسلة جبال الهمالايا، وسلسلة جبال الألب، وجبل كلمنجارو، وجبال أطلس، تعلو عشرات الكيلو مترات شاهقة في السماء! حينما تقف في سفحها تتضاءل، وتتصاغر أمام قدرة الله الذي أرساها، فلذلك يخصها U بالذكر.

وكثير من الناس لا يأبه لهذه المظاهر، وينسبها للطبيعة. وليس له حظ منها إلا المشهد الظاهري فقط، لا ينتفع بما وراء الصور والأشكال، ولا يعتبر، ولا يستدل بدلائل الربوبية على عظيم خلق الله، وكمال صفاته، واستحقاقه للعبادة.

وكلمة واحدة في الآيتين, تعني لا معقب لها، وليس عليها مزيد.

قوله:{فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَة} [الحاقة:15] الواقعة التي كنتم توعدون بها، وتكذبون، وتنكرون، باتت واقعة حقًا. وما أقوى عبارات القرآن في إحقاق الحق، تجدها قاطعة، جازمة، حاسمة، ليس فيها تردد.

قوله:{وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَة} [الحاقة:16] لفت انتباههم إلى المشهد العلوي بعد المشهد الأرضي،  السماء التي قال الله عنها في مطلع سورة تبارك: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِير} [الملك:3-4]، تلك السماء المحكمة، والسقف المرفوع, المبني بأيد، الذي نراه صباح مساء، ليل نهار، في غاية الإتقان والإحكام، تصبح يوم القيامة واهية، مهترئة، كما قال في الآية الأخرى: {وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا} [النبأ:19]، وقال في آية: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} [الفرقان:25], وقال: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} [الرحمن: 37]، يجري للسماء مثل ما يجري للأرض من التغيير والتبديل، {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار} [إبراهيم:48].

قوله: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} [الحاقة:16-17] الملَك اسم جنس للملائكة، والملائكة الكرام لا يحصيهم كثرة إلا خالقهم I، وهم سكان السماوات وعمَّارها، حتى قال النبي r: « إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ. لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ عَلَى، أَوْ إِلَى، الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ " قَالَ: فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: "وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ "»[3],([4]) هذا شيء يراه النبي r ويسمعه، ولا نراه ولا نسمعه ،كما قال.

فيوم القيامة، يكونون على أرجائها، لأنها تشققت، فهم في نواحيها، وأطرافها، وقد جاء في حديث، فيه مقال، عن ابْنُ عَبَّاسٍ: يَجْمَعُ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالْبَهَائِمَ وَالسِّبَاعَ وَالطَّيْرَ وَجَمِيعَ الْخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّمَاءُ الدُّنْيَا، فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا -وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَمِنْ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ -فَيُحِيطُونَ بِالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَبِجَمِيعِ الْخَلْقِ ... ثُمَّ كَذَلِكَ كُلَّ سَمَاءٍ، حَتَّى تَنْشَقَّ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ، فَيَنْزِلُ أَهْلُهَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ نَزَلَ قَبْلَهُمْ من أهل السموات وَمِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَمِنْ جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بالملائكة الذين نزلوا قبلهم من أهل السموات، وَبِالْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَجَمِيعِ الْخَلْقِ، وَيَنْزِلُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَحَوْلَهُ الْكَرُوبِيُّونَ، وهم أكثر من أهل السموات السَّبْعِ وَمِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَجَمِيعِ الْخَلْقِ) الحديث.[5]

وهذا يوافق قوله: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً} [الفرقان:25]. وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُور} [البقرة:210]،

قوله:{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ} [الحاقة:17]، له العلو المطلق، سبحانه وبحمده. وعرش الرحمن: أكبر المخلوقات، وأعظمها، وأجلها، وأعلاها، وهو سقف العالم. والرب I مستو عليه ،كما قال في ستة مواضع: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، وقال في الموضع السابع: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، وهو خلق عظيم القدر، هائل الحجم، لا يحيط به وصف، إلا ما بلغنا من النصوص القرآنية، والأحاديث الصحيحة،  كقول النبيr: ( فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ - أُرَاهُ - فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ)[6]، فهو سقف الجنة، والله من فوقه، قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} [النحل:50]. وأخبر النبي r في حديث آخر، بأن له قوائم، فقالَ:  (لا تُخَيِّرُونِي علَى مُوسَى، فإنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَومَ القِيَامَةِ، فأصْعَقُ معهُمْ، فأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ العَرْشِ، فلا أدْرِي أكانَ فِيمَن صَعِقَ، فأفَاقَ قَبْلِي أوْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ)([7]).

ومعنى العرش في اللغة: سرير الملك، كما قال الله: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23]، لكن العرش المضاف إلى الرب يليق به، وهو خلق من خلقه، ولا يجوز تحريف معنى العرش إلى الكناية عن الهيمنة والسيطرة ،كما وقع لبعض المفسرين، فإن هذا تحريف فاسد، مخالف للغة, مصادم للنصوص.

هل يستقيم أن يقال: ويحمل هيمنة ربك، وسيطرة ربك ثمانية؟! هذا كله من شؤم المقدمات الفاسدة، التي تحمل بعض الناس على تحريف الكلم عن مواضعه، تحت دعاوى باطلة, وشبهات موهومة. والواجب على كل مؤمن ومؤمنة، أن يحمل كلام الله على ظاهره اللائق به، وألا يتجنى على النصوص بتحريف أو تكييف.

قوله: {فَوْقَهُمْ}، أي فوق الملائكة الذين في أرجائها.

قوله: {ثَمَانِيَة}، هم حملة العرش، فالعرش له حملة، لا لأن الله يحتاج إليهم، الله غني عن العرش، وعن حملته، لكن أراد الله I أن يظهر عظمته، وعظمة خلقه، حملة العرش ملائكة عظام، لا يستطيع أحد أن يصفهم إلا بما نطقت به النصوص، ومن ذلك حديث جوَّد إسناده ابن كثير، رحمه الله، أن النبي r قال: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ»[8].

وفي الحديث دليل على أن النبي r لا يتكلم عن الأمور الغيبية إلا بإذن، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيم} [غافر:7]. ولذلك ينبغي للمؤمنين أن يحبوهم؛ لأنهم يدعون الله لهم، ويستغفرون لهم.

قوله: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُون} [الحاقة:18]، كما قال تعالى، {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا} [الكهف:48]، وقال r: «" يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ "»[9]، فهذا العرض لا بد منه. ويتضمن محاسبة الخلائق، فأما الكفار فيقال لهم في العرض: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [الأنعام: 22]، {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ} [القصص: 66]، ولا جواب لهم، كل يتبرأ من معبوده، يلعن بعضهم بعضًا ويكفر بعضهم ببعض، فلا عذر لهم، فلذلك يلقون في النار.

وأما المؤمنون فمحاسبتهم على نوعين: عرض ومناقشة، فأما العرض فهو الذي دل عليه حديث ابن عمر، قال النبي r: « إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ »[10]، ما أسعده! ما أهنأه حينما يقول له الرب الرحيم ذلك، هذا السعيد المعافى، هذا الناجي الذي زحزح عن النار، وأدخل الجنة ففاز.

وأما النوع الثاني من المحاسبة، فهو الذي يتضمن مناقشة وتدقيقًا في الحساب، قَالَr: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ» قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 8] قَالَتْ: فَقَالَ: " إِنَّمَا ذَلِكِ العَرْضُ، وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ "[11]، أي تتخطفه الكلاليب ويقع في النار ويعذب بقدر ذنبه ومآله إلى الجنة، فيخرج بشفاعة الشافعين أو برحمة أرحم الراحمين.

قوله: {لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَة} [الحاقة:18]، كيف يخفون على الله، وقد أخرجهم من قبورهم حفاة، عراة، غرلاً، بهمًا، فهم مكشوفون بدنيًا ونفسيًا، لا يخفى على الله منهم خافية، حفاة غير منتعلين، عراة غير مكتسين، غرلاً غير مختونين، كما بدأنا أول خلق نعيده. بهمًا ليس معهم شيء، لا يمكن أن يكذبوا على الله U، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟» قَالَ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ "»[12].

 الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: صدق تحقق الساعة، وتعظيم شأنها.

الفائدة الثانية: أن أسماء الساعة، واليوم الآخر، أعلام وأوصاف.

الفائدة الثالثة: أن تكذيب الأمم السابقة بالساعة، سبب تعجيل هلاكهم.

الفائدة الرابعة: الإشارة إلى أسلوب من أساليب القرآن؛ وهو أسلوب الطي والنشر المرتب والمشوش، كما يقول أهل البيان.

الفائدة الخامسة: تنوع العقوبة والإهلاك بما يستحقه المكذبون، كما قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40].

الفائدة السادسة: أسلوب البسط والإيجاز في القرآن الكريم.

الفائدة السابعة: بلاغة التشبيه في القرآن وقوة دلالته.

الفائدة الثامنة: هوان الخلق على الله، وكمال قدرته عليهم.

الفائدة التاسعة: شدة عذاب الله، وعظيم أخذه.

الفائدة العاشرة: شؤم العصيان، وتكذيب الرسل وأنه سبب لوقوع المثلات.

الفائدة الحادية عشرة: أن التكذيب بواحد من الرسل، تكذيب بجميعهم.

الفائدة الثانية عشرة: تسخير الله تعالى للقوى الطبيعية بما تقتضيه مشيئته؛ نفعًا وضرًا، ومثوبة وعقوبة. فالريح تكون تارةً نصرًا وتارةً هلاكًا، قال النبي r في الحديث المتفق عليه: « نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ »[13], والماء يكون تارةً بركة ورواء للأرض، وتارة يكون طوفانًا وإغراقًا، كل ذلك بيد الله.

الفائدة الثالثة عشرة: امتنان الله تعالى بالفلك، وتكرار ذكره في القرآن.

الفائدة االرابعة عشرة: أهمية الوعي، والإصغاء، والتعقل، للمواعظ والذكرى.

الفائدة الخامسة عشرة: إثبات الصور، والنفخ فيه، وعدد النفخات.

الفائدة السادسة عشرة: تعظيم الجبال، وذكرها قسيما للسماوات والأرض.

الفائدة السابعة عشرة: صدق وقوع الساعة.

الفائدة الثامنة عشرة: بيان أحوال الساعة في السماوات والأرض.

الفائدة التاسعة عشرة: إثبات الملائكة الكرام، ووجوب الإيمان بهم.

الفائدة العشرون: إثبات عرش الرحمن، وأنه خلق عظيم، وإثبات علو الله عليه.

الفائدة العشرون: الرد على من حرف معنى العرش إلى معاني مجازية.

الفائدة الحادية والعشرون: إثبات العرض وأنواعه.

الفائدة الثانية والعشرون: صفة الحشر، وانكشاف الخلق لله تعالى.

قول الله U: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيه*إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة:19-24].

هذا هو حال المؤمن يوم القيامة، والقرآن العظيم يصور مشاهد القيامة صورة دقيقة معبرة، حتى لكأن السامع أو القارئ يعيش أحداثها، وإن كانت أمورًا غيبية، لا يمكن للعقل أن يدرك كيفيتها على ما هي عليه في الواقع، لكن تصوير القرآن لها تصوير بديع، يأخذ بمجامع القلوب، كما في تصوير حال المؤمن، وهو يعرب عن فرحه الشديد، وسروره واغتباطه بنعمة الله تعالى عليه.

وإيتاء الكتاب باليمين دليل تكريم، وبهذا يكون قد نجا، وأفلح، وأنجح، فلذلك يبدي سروره قائلًا: {هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيه} و "هَاؤُمُ": بمعنى هاكم، وقال بعض العلماء: إنها ها التنبيه، وأضيفت إليها الميم علامة الجمع، والمعنى: خذوا، اقرؤوا كتابي، كما يُسر الطالب إذا حصل على شهادة نجاح، فهو يُطلع عليها الآخرين وينشرها بينهم، لما يجد من فرط السرور، فأي سرور أعظم من سرور ذلك الإنسان الذي نجا، وزحزح عن النار وأدخل الجنة؟!

قوله: {كِتَابِيه} أي كتاب أعمالي.

قوله:{إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيه} [الحاقة:20]، ظننت هنا، بمعنى أيقنت، فالظن يأتي بمعنى اليقين، كما قال الله U عن الثلاثة الذين خلفوا: {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} [التوبة: 118], أي: أيقنوا. والمعنى أنني كنت موقنًا بأنني سأحاسب، وسيأتي يوم يجازى المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته. وقال بعض أهل العلم: يعني ظننت أنني أجازى على ما فرط مني من سيئات، لكن ربي عفا عني، بدليل قوله في الحديث: (وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ)، وكلاهما له محمل حسن.

قوله:{فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة} [الحاقة:21]، المراد بالعيشة: الحياة الأخروية في الجنة، ومعنى راضية: أي مرضية، لكنها لفرط الرضى عنها، باتت وكأنها محل الرضا، فلم يقل فهو في عيشة مرضية، بل وصف العيشة نفسها بأنها راضية.

قوله:{فِي جَنَّةٍ عَالِيَة} [الحاقة:22] وذلك أن الجنة درجات، وغرف بعضها فوق بعض، قال الله تعالى في سورة الزمر: {لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [الزمر:20]، وقال النبي r : (إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الغُرَفَ فِي الجَنَّةِ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ فِي السَّمَاءِ)[14] فهذا طرف من نعيم الجنة، فالجنة درجات ،كما أن النار دركات، أعاذنا الله وإياكم.

وكون الجنة درجات لا يمنع لقاء أهلها، فإن أهلها، وإن تفاوتت رتبهم، ودرجاتهم، يمتع الله بعضهم بلقاء بعض، قال الله U: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين} [الطور:21]، فيحصل بين أهل الجنة لقاء، واجتماع، وتزاور، على تفاوت منازلهم، في مجامع عامة، كما يقع في الدنيا؛ هذا يعيش في منزل حسن فسيح، وهذا يعيش في منزل دون ذلك، ثم تجمعهم الجوامع والأعياد.

قوله:{قُطُوفُهَا دَانِيَة} [الحاقة:23] ثمارها التي تقطف، في متناول مشتهيها، فمهما اشتهى ساكن الجنة قطفًا من ثمارها، فإنه يتدلى إليه جالسًا كان أو مضجعًا، أو قائمًا، أو ماشيًا، فيدنو من يده فيقطفه، وهذا من كمال النعيم، فلا يتعنى الصعود إليه، كما نفعل في الدنيا من رقي النخل، وغيرها من الأشجار، وقد يلحقه من جراء ذلك مشقة، ويصيبه أذى. فهذا طرف من نعيم الجنة، ألمح الله تعالى إليه بهذه الإشارات.

قوله:{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة} هذا يدل على أنهم نالوا هذه الدرجات بسبب أعمالهم، وبما قدموا من العمل الصالح، وهذا لا يتعارض مع قول النبي r: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»[15]. فإن الآية ونظائرها تدل على أن الجنة تكون جزاء للعمل، كما قال في آية أخرى: {وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون} [الأعراف:43]، فالباء في الآيات "باء السببية"، والباء في الحديث باء "الثمنية" أي ثمنا لعمله، فالباء المثبتة: باء السببية، والباء المنفية: باء المعاوضة والثمنية والمقابلة.

فمهما عمل الإنسان من الأعمال الصالحة، فإنها لا يمكن أن تكون مقابل نعيم الجنة؛ لأن الله U لو احتسب على الإنسان نعمة من نعمه، كنعمة البصر، لرجحت بعمله أضعافًا مضاعفة، وبقيت سائر النعم بلا مقابل.

فالعمل سبب وليس ثمنًا، لكيلا يُدِلَّ أحد بعمله على ربه، ويمتن به، فالفضل لله. وذهبت المعتزلة إلى أن الباء في الآية باء الثمنية، وأنه يجب على الله -تعالى الله عما يقولون- أن يجازيهم بذلك وجوبً،ا بناء على أصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليين، ووجوب فعل الأصلح على الله! فيقولون: إنه يجب على الله أن يثيب المحسنين، ويحرم عليه أن يعاقبهم، ويجب على الله أن يعاقب المسيئين، ويحرم عليه أن يعفو عنهم! ولهذا أنكروا الشفاعة، وهذه جرأة على الله، وسوء أدب، والحق ،كما قرر أهل السنة والجماعة، أن العمل سبب لدخول الجنة وليس ثمنا لها. قال ابن القيم:

ما للعباد عليه حق واجب *** هو أوجب الحق العظيم الشأن

      إن عذبوا فبعدلـــــــه أو نعموا *** فبفضله والفضل للديـــــــــــــــــــــــــــــان

قوله:{الأَيَّامِ الْخَالِيَة}, أي الأيام الماضية، وهي أيام الدنيا. فتأملوا هذه السعادة والغبطة، التي يحصل عليها المؤمن ذلك اليوم؛ نعيم معنوي، يتمثل في حالة الفرح والسرور التي يلهج بها، ونعيم حسي بما وصف الله U من نعيم الجنة أنها جنة عالية وقطوفها دانية، وأنه يأكل منها ويشرب، وفيها مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. فينبغي للمؤمن أن يُطرب قلبه بذكر الآيات الدالة على نعيم الجنة, ليحس بالاطمئنان، والرضا، والفرح، والاستبشار، والرغبة فيما عند الله، ورجاءه، ونظائرها في القرآن كثيرة، ووفيرة، وفيها من المشاهد ما لا يحيط به وصف، ولا تتسع لها عبارة أدبية.

قوله:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ} [الحاقة:25] وقد قال في سورة أخرى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه} [الانشقاق:10] ولا تعارض بينهما، فإنه يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره، وهذا أبلغ في تبكيته، وتحقيره، وإذلاله، وإهانته. والإيتاء بالشمال دليل الإهانة والتحقير، ولهذا يكره الأخذ والإعطاء بالشمال.

قوله: {فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه} [الحاقة:26] يتحسر ويتندم غاية الندم، ولات ساعة مندم، فيتمنى أن لم يؤت كتابه، لما فيه من الفضائح، كما قال الله U: {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49].

قوله: {وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه} أي لم أعلم حقيقة عملي، ومآل أمري. ولو شاء الله U لأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، دون أن يطلعهم على كشف الحساب، لكنه يظهره لكمال عدل الله، تعالى.

قوله: {يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَة} [الحاقة:27] تمنى أن موتته في الدنيا كانت النهاية، وأنه لا يبعث بعدها، مع أنه في الدنيا كان يفر من الموت أشد الفرار، ويكرهه أشد الكراهة، لكنه يتمنى بعد أن اطلع على عاقبته البئيسة أنه لم يك شيئًا، وصار نسيًا منسيًا. ثم يمعن في التندم والتحسر مبينا خسارة صفقته قائلًا: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه} [الحاقة:28-29] أي ذاك المال الذي جمعته، ولبدته في الدنيا تلبيدًا لم يغن عني شيئًا!

{هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه} أولئك الجمع من الخدم، والحشم، والجند الذين كانوا يحيطون بي تفرقوا عني! فيوم القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، كما قال تعالى: {الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِين} [الزخرف:67]. فكلٌّ يتنصل من وليه في الدنيا. وقد ذكر الله U الخصومة والجدال بين المستكبرين والمستضعفين في النار، في آيات كثر من القرآن. فهذه حسرات موتور، ونفثات متندم مصدور، حيث لا ينفعه الندم في ذلك اليوم.

تنبيه: الهاء في "كتابيه" و "حسابيه" و "ماليه" و "سلطانيه"، تسمى هاء السكت، وهي تثبت وقفًا ووصلاً، كما في المصحف الإمام، وجرى به الإقراء. وبعضهم لم يثبتها في حال الوصل فيقول: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِي * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِي} فحذفها في حال الوصل، والمشهور الأول.

قوله: {خُذُوهُ فَغُلُّوه * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوه} [الحاقة:30-31]، هذه الحكم الإلهي يشعر بالعنف والشناعة، والأخذ الشديد، والمخاطب ملائكة العذاب، خزنة النار، فيؤخذ أخذًا شديدًا، يتلُّ تلاً، ويجر جرًا، ويسحب سحبًا على وجهه في النار. والغَلُّ: هو جعل الأيدي إلى الأعناق، فتربط أيديهم إلى أعناقهم، فلا يتمكن من المدافعة.

قوله: {ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوه} معنى صلوه: ألقوه في النار، وربما كانت مأخوذة من الصلي، كقول الله تعالى: {لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى} [الليل:15] أي الشيَّ، كما يستدفئ الإنسان فيقال: يستصلي، فهي تشوي الكافر وتحرقه.

قوله: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوه} [الحاقة:32] والسلسلة حديدة مكونة من حلق متصل بعضها ببعض، وقد جاء في بعض الآثار أنها تُدخل في دبره، وتُخرج من منخريه، حتى شبَّه بعض المفسرين ذلك بالجراد حينما ينظم في عود، ويشوى على النار. وهي سلسلة رهيبة عظيمة، جاء وصفها في بعض الآثار بما تقشعر منه الأبدان، ويكفي قول الله تعالى: {ذَرْعُهَا سَبْعُونَ}، قيل بذراع الملَك، يعني انظموه فيها ،كما يجعل اللحم في سيخ الحديد، أو في السفود.

قوله: {إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيم} [الحاقة:33], هذه جملة تعليلية, فالله حكم عدل مقسط، لا يظلم مثقال ذرة، وهذا الكافر استحق هذه العقوبة الأليمة لكونه أمضى عمره لا يؤمن بالله العظيم، الذي خلقه، وأعده، وأمده، أوجده من العدم، وهيأ له أسباب المعيشة، واستخلفه في الأرض، ورغم ذلك عبد غيره، وترك عبادته! فهو حقيق بهذه العقوبة، إن الشرك لظلم عظيم. قال الله تعالى، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات:56].

الإيمان بالله لا يتم إلا بأن يؤمن الإنسان بوجود ربه I، ويؤمن بربوبيته؛ بأنه الخالق المالك المدبر، ويؤمن بألوهيته بمعنى أنه المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، فلا يصرف شيئًا من أنواع العبادة لغيره؛ سواء كانت عبادة قلبية؛ كالمحبة والخوف والرجاء، أو كانت عبادة قولية؛ كالذكر والدعاء، أو كانت عبادة بدنية؛ كالركوع والسجود، أو كانت عبادة مالية؛ كالزكاة. فمن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله تعالى لم يحقق الإيمان بألوهيته. ويؤمن بأسمائه وصفاته؛ بأن يعتقد له المثل الأعلى، ويثبت ما أثبت لنفسه في كتابه؛ من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وما أثبته له نبيه r، وينزه الله U عما نزه عنه نفسه من صفات النقص، والعيب، ومماثلة المخلوقين، أو نزهه عنه نبيه r.

فتلكم هي العروة الوثقى، الإيمان بالله U، فيجب على كل حي أن يحقق الإيمان بالله، كما أراد الله، وأن يبرأ مما ينافي ذلك الإيمان؛ فيبرأ من الإلحاد، وإنكار وجود الله، ويبرأ من إنكار ربوبيته، ونسبة الخلق، أو الملك، أو التدبير لغيره، ويبرأ من الشرك وصرف شيء من العبادات لغير الله، ويبرأ من التعطيل، والتمثيل؛ فلا يعطل ما وصف الله به نفسه، ولا يمثله بصفات المخلوقين. فإذا انطوى القلب على هذا الإيمان، فهو حقيق بأن يكون من أهل الجنة.

قوله: {وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين} [الحاقة:34]، هذا مما استوجبوا به هذه العقوبة؛ فقد أهدروا حق الله، وأهدروا حق عباد الله. وهذا يدلنا على أهمية حقوق الناس، وأن للناس بعضهم على بعض حقوق، وأن للمساكين، حق معلوم كما قال ربنا U: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُوم * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم} [المعارج:24-25].

ومن الناس من لا يكترث بحقوق الناس وينتهكها، ويمنعهم إياها، وقد قال النبي r على سبيل المثال: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ»[16], وقال:

" قَالَ اللَّهُ: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ "[17]

فيجب على الناس أن يرفدوا مساكينهم، وأن يغنوهم عن السؤال، وأن يطعموهم ويكسوهم، ولهذا فرض الله I الزكاة على عباده فرضا واجبا، وندبهم إلى ما هو زائد على ذلك وهو الصدقة، فهذان الأمران هما ركنا السعادة، وهما القيام بحق الله والقيام بحق العباد.

وفي الآية ما يدل على أن الأمر لا يقتصر على إطعام المسكين، بل يتناول الحض عليه، وربما كان بعض الناس لا يملك ما يطعم به المسكين، لكنه يملك أن يحض عليه، فإذا عجزت عن أن تطعم المسكين من حر مالك، فلا أقل من أن تحث غيرك عليه. ومن كان يحض على طعام المسكين، فهو من باب أولى يقوم بذلك بنفسه مع القدرة.

فتحقيق هذين الأمرين، سر السعادة في الدنيا والآخرة؛ فإن الذي يمتلئ قلبه إيمانًا بالله، ويحسن إلى عباد الله، يشعر بالخيرية. والسعادة هي الشعور بالخيرية، فيستروح قلبه، ويصفو خاطره، ويذهب عنه الكدر، فإن للعطية والإحسان أثر عظيم على نفس صاحبها، ويدفع الله بها من البلايا، والشرور، والهم، والغم، ما لا يعلمه الإنسان.

قوله: {فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيم} جميع من كان يودهم، ويقربهم، ويواليهم في الدنيا، تفرقوا عنه. ولو أنه والى الله I ورسوله والمؤمنين، لكان يجد حميمًا، لكنه لما تنصل من ذلك، فلم يؤد حق الله، ولم يواله، ولم يوالِ رسوله والمؤمنين، بقي منفردا يوم القيامة. وقد قال ربنا U: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون} [المائدة:55]، فإذا ترك هذه الولاية، بقي يوم القيامة فردًا، شاذًا، وحيدًا، لهذا قال ربنا: {الأَخِلاَّء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [الزخرف:67]، فيكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضًا.

{وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِين}، الطعام الذي كان يمن به، ويمنعه المساكين، يحرم منه يوم القيامة، إلا طعام خبيث هو الغسلين. وقد تنوعت عبارات المفسرين في معناه, فقيل أنه صديد أهل النار، وقيل أنه شجر النار، وفسره بعضهم بأنه شجر الزقوم، {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّوم * طَعَامُ الأَثِيم} [الدخان:43-44] والقرآن يفسر بعضه بعضا.

قوله: {لاَ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُون}، هم الذين أتوا بالخطيئة الكبرى، وهي الكفر بالله U> ولا ريب أن الخطايا درجات، فالخطيئة الكبرى هي الكفر والشرك بالله، ودونها خطايا دون ذلك؛ فثم كبائر، وثم صغائر، لكن هذا  الوعيد ينطبق على أشدها وهي الشرك والكفر بالله، وإنكار المعاد وتكذيب النبي r وإنكار القرآن.

وبعد أن وصف الله تعالى هذين المشهدين المتقابلين، الذين بينهما بعد المشرقين، انتقل السياق إلى أمر عظيم، يتعلق بهذا القرآن الذي يتلى، فقال: قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون * وَمَا لاَ تُبْصِرُون} [الحاقة: 38-40]. (فلا أقسم) هذا تعبير يأتي كثيرا في القرآن مثل {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 1]، {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1]، وبعض العلماء يقول لا زائدة، أتي بها للتأكيد، والمعنى والله أعلم: الأمر لا يحتاج إلى قسم، لأنه من الوضوح بمكان، فيكون فيه زيادة في البيان والتأكيد للمراد. ولله تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس للمخلوق أن يقسم إلا بالله U، قال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ)([18])، فلا يجوز أن يقول: والشمس, والقمر, والفجر، والنبي, والكعبة, وشرفي، وأبي، ونحو ذلك، قال r: (لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ)[19],فلا يجوز أن يحلف إلا بالله العظيم، أما الله سبحانه فيقسم بما شاء من خلقه، وهذا كثير، قال الله: {وَالْفَجْرِ} [الفجر: 1]، {وَالْعَصْرِ} [العصر: 1]، {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } [التين: 1]، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس: 1]، وغيرها.

فقوله: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون * وَمَا لاَ تُبْصِرُون} شمل كل شيء؛ لأنه ليس ثمَّ إلا مبصرات، وغير مبصرات، وهذا يدل على وجود عوالم كثيرة غير مبصرات بالنسبة لنا، فأبصارنا تقع على الآدميين، والشجر، والجبال، والدواب، وسائر المرئيات، لكننا لا نبصر عالم الجن، ولا عالم الملائكة، ولا عالم الكائنات الدقيقة؛ من الجراثيم، والميكروبات، والفيروسات، وغير ذلك، عوالم لا يحيط بها إلا خالقها I, بل ذهب الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله إلى أن هذا يكون قسمًا بنفسه أيضًا؛ لأننا لا نرى الله في الدنيا. وجواب القسم:

{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم} [الحاقة:40] أي هذا القرآن، بلاغ رسول كريم. ولهذا عبر بكلمة رسول، لا أنه كلام الرسول، بل هو كلام الله U، ولهذا قال بعد ذلك:{تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين} [الحاقة:43] وإنما أضافه إليه قولاً، لكونه مبلغًا، فلهذا وصفه بوصف الرسالة، والرسول هو من ينقل الخبر. فنبينا r نقل وحي الله إلى عباد الله، ولأجل ذا قال في سورة التكوير: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين* مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين} [التكوير:19-21]، فالرسول في سورة التكوير جبريل، والرسول في سورة الحاقة محمد r، وهذا يدل على أنه ليس كلام أي منهما، لأنه لا يمكن أن يكون كلامهما معًا، وإنما الاشتراك في التبليغ. فوظيفة الرسول الملكي جبريل، والرسول البشري محمد r هي إبلاغ الرسالة، ونقل كلام الله إلى عباد الله. فبهذا يبطل ما قد يحتج به من أنكر أن القرآن كلام الله، وزعم أنه مخلوق، أو أنه كلام محمد أو جبريل. فقد برأ الله ساحتهما وزكاهما، وشرفهما بإبلاغ كلام الله إلى عباد الله. وفي الآية تزكية من رب العالمين لنبيه r، والكرم وصف لا يقتصر على بذل المال فقط، بل الكرم وصف يدل على حسن الأخلاق، والطباع، والمحتد.

قوله: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُون * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُون} [الحاقة:40-42] ذلك أن الذي يُعارض به القرآن من دعاوى المناوئين؛ إما حديث مفترى، أو شعر مفتعل، فالحديث المفترى هو ما يفوه به الكهان الذين يدعون العلم بالمغيبات، ويكون لأحدهم رئي من الجن، يوحي إليه زخرف القول، أو ما قد يزجيه الشعراء من القصيد. فهذان القولان هما ما يعارض ويحاكى به القرآن في ذلك الوقت وفي كل وقت، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ r وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ  وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ "، (فقالَ: جبَّارٌ في الجاهليَّةِ خوَّارٌ في الإسلامِ بمَ أتألَّفُهم أبشِعرٍ مفتعَلٍ أم بقولٍ مفترًى)[20]

     ومنكرو القرآن، يحاولون وصفه بذلك، فتارة يقولون من سجع الكهان، وتارة يقولون شعر. وربما قالوا غير ذلك من التهم، ليصرفوه عن حقيقته، وأنه كلام رب العالمين.

    ومعنى{قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُون* قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُون}: أي ما أقل إيمانكم، وما أقل تذكركم، وقيل إن (ما) زائدة، لكنها تفيد التأكيد على قلة إيمانهم و تذكرهم.

قوله: {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين} [الحاقة:43]، فهو كلام الله U، نزل من عنده، وهذا يدل على علوه I فوق سماوته، فكما أن له علو الصفات، وعلو القهر، فله علو الذات، فهو I فوق سماواته، مستو على عرشه، بائن من خلقه، ليس فيه شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء منه، فيجب أن يعتقد الإنسان اعتقادًا جازمًا بأن ربه الذي خلقه، له العلو المطلق، فلهذا يجد قلبه عند الدعاء متجهًا إلى الأعلى، لا يذهب يمنة ولا يسرة، ولا أمام ولا خلف، ولا تحت، هكذا فطر الله الخلائق على اعتقاد علوه، ونطقت النصوص بهذا كتابًا وسنة، وانعقد الإجماع، ودل العقل الصريح، على علو الله بذاته. ومن دلائل علو الذات، قوله: {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين} [الحاقة:43] لأن النزول يكون من أعلى إلى أسفل.

     فالقرآن كلام الله، منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، تكلم الله به حقيقة، فأوحاه إلى جبريل فنزل به على قلب محمد r،. وبيان هذه الجمل:

(القرآن كلام الله): قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} [التوبة:6]، هذا أخص أوصافه.

(منزل غير مخلوق): قال تعالى:{تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِين}، وقال:{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِين} [الدخان:3]، وقال: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} [القدر:1]، وقال: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ} [الحشر:21]، وقال: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين} [الشعراء:193].

(منه بدا): أي تكلم الله به ابتداء، فصدر منه، وخرج منه؛ لأنه صفته وكلامه، لا من غيره.

 (وإليه يعود): يعني إليه ينسب، أو إليه يرفع في آخر الزمان, من الصدور ومن السطور تكرمة له.

(تكلم الله به حقيقة): فليس مجرد معنى يقوم في نفسه، كما تقوله الصفاتية؛ من الكلابية، والأشاعرة، والسالمية، والماتريدية، الزاعمين أن القرآن معنى قديم قائم في نفس الرب، وأما ما سمعه جبريل، أو سمعه الأبوان، أو سمعه موسى، عليهم السلام، فإنه عبارة عن كلام الله، أو حكاية عن كلام الله! لا ريب أن هذه بدعة صلعاء، لم يفه بها أحد من السلف، وإنما ألجأهم إليها فساد مقدماتهم، وتأثرهم بالمنطق اليوناني، الذي حرفهم عن طريقة السلف، في إعطاء النصوص ما تستحقه من الإثبات والإقرار والإمرار.

والقرآن العظيم كان محل إنكار الكفار، ينكرون نسبته إلى الله؛ لأنهم لو أقروا بنسبته إلى الله لانتهت القضية، كما أن النبوة محل إنكارهم، ولو أقروا بها لانتهت القضية، ولزمهم قبول ما جاء به النبي r، ففي صلح الحديبية، (لَمَّا كَتَبُوا الكِتَابَ، كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، قَالُوا: لاَ نُقِرُّ لَكَ بِهَذَا، لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» الحديث.[21]

فكانت قضية القرآن أم القضايا، ولهذا قال الله: {عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ} [النبأ:1-3]، وأحد القولين، أن النبأ العظيم هو القرآن العظيم، فكانوا ينكرون القرآن ونسبته إلى الله U، فأكد الله تعالى في هذه الآيات نسبته إليه، وأقسم قسما عظيما عليه.

ثم إن الله I أقام دليلا بديعًا من دلائل النبوة، وصدق نبيه r فقال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ} أي لو نسب إلينا محمد r، وحاشاه، قولاً لم نقله، {لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} هذا فرض في مقام المجادلة مع المخالف، ولا يلزم أن يقع، بل لا يمكن أن يقع، فإن الله قد زكى نبيه واصطفاه عن علم وحكمة، كما قال: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]، لكنه أراد أن يبين لهم استحالة وامتناع أن يقر الله U أحدًا على قول ينسبه إليه زورًا وبهتانًا.

واليمين: إما أن تكون يمين الله I التي أثبتها لنفسه في الآيات والأحاديث، {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، وفي الحديث أيضًا: "يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا المَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ"[22]، وإما أن المراد باليمين: يمين النبي r، بمعنى أنه يؤخذ من العضو الذي يعتمد عليه، ويركن إليه، وهو اليمين. ولم يضف اليمين إلى نفسه هنا، فلا نقطع أن المراد باليمين هنا يمين الرب، لكن هذا محتمل، وقد ثبتت بأدلة أخرى.

والوتين: هو نياط القلب، العرق الذي يتعلق به القلب، كأنه، والله أعلم، الشريان الكبير الذي يخرج من القلب، الذي يسمونه الأورطه، فلو وقع ذلك من النبي r، وحاشاه، لأوقع الله به هذا الوعيد، ولكنه لم يقع، فدل ذلك على أنه راشد بار صادق.

وقد عد العلماء هذه الآية من دلائل النبوة، ودلائل النبوة كثيرة جدًا، وقد ظن بعض المتكلمين؛ من المعتزلة وغيرهم، أن دليل النبوة منحصر بالآيات والمعجزات! وهذا قصور كبير، فدلائل النبوة أكثر من أن تحصر. فمن دلائل النبوة، ولا شك، الآيات والمعجزات، ومن دلائل النبوة: مضمون دعوة النبي، وما فيها من الحق، ومن دلائل النبوة: سيرة النبي، وخلقه، وشمائله، ومن دلائل النبوة: بشارة الأنبياء السابقين به، ومن دلائل النبوة هذه الآية.

كأنما يقول الله U: لو كان غير نبي، لما أمهلته، ولأخذته، كما فعل الله U بسائر المكذبين، كمسيلمة الكذاب، حين ادعى أنه يوحى إليه، وأتى بسجع نسبه إلى الله U، فكانت النتيجة ألا يذكر اسمه إلا مقرونًا بالوصف بالكذب فيقال مسيلمة الكذاب، فصار الكذب أخص أوصافه، ولكن الله صدق نبيه، فهو صادق مصدوق. ولهذا قال الله U: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الصافات:180-182] وذلك لسلامة ما قالوه ونقلوه. ولا يمكن عقلاً، أن يخرج أحد ويقول للناس: أنا رسول من عند الله، أبلغكم كلام الله، والله يقول كذا، ويأمركم بكذا، وينهاكم عن كذا، ثم ينقله الله تعالى من ضعف إلى قوة، ومن هزيمة إلى نصر، ويكثر أتباعه، ويوطئ له أكناف الأرض، ويفتح له البلاد والعباد، إلا كان دليلًا على تصديق الله له.

لو جاءنا إنسان، وقال: إن السلطان يقول لكم كذا، ويأمركم بكذا، وينهاكم عن كذا، ثم لم يرِد من ذلك السلطان تكذيب له، ولا تعقب عليه، فسنستنتج أنه صادق، فلو كان كاذبًا لما تركه السلطان ينسب إليه ما لم يقل. فإذا كان هذا حاصلاً بين الآدميين، فكيف برب العالمين؟! هذا دليل قاطع على أنه صادق مصدوق. فهذا وجه كون هذه الآيات من دلائل النبوة.

قوله: {فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} يعني لو اجتمعتم أن تردوا هذا الأخذ، والقطع عنه، ما استطعتم، بل سينفذ الله فيه مراده، وأنى لكم أن تحولوا بينه وبين مراده!

قوله: {وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِين} [الحاقة:48] مرجع الضمير إلى القرآن، وقد ذكرنا في مستهل هذه السورة أن من مقاصدها: إثبات أن القرآن كلام الله، وتعظيم القرآن، فالقرآن تذكرة وذلك لما يبعثه القرآن في النفوس من العلوم النافعة، والمعارف الصحيحة، واليقينيات التي يعتصم بها. ولهذا قال الله U: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِين} [الذاريات:55]، فالقرآن تذكرة، لكن للمتقين، فلا ينتفع بهذه التذكرة إلا من كان في قلبه تقوى وخشية لله.

قوله: {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِين} [الحاقة:50]، وهذا من العجب أن يكون للقرآن أثران متقابلان؛ فهو بالنسبة للمتقين: تذكرة، وهداية، وشفاء، وبالنسبة للكافرين: حسرة وندامة وعمى، قال تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} [الإسراء:82]، وقال: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44] [فصلت:44]. هكذا يكون القرآن بركة على أقوام وشؤمًا على آخرين؛ فمن تقبله بقبول حسن لم يشق به، قال تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى} [طه: 2]،

قوله: {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ} وهذا يدل على اطلاع الله I على الخفايا والسرائر، وأنه يعلم أن في المخاطبين مكذبين بالقرآن.

قوله: {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ} الذين كذبوا به، ووجه كونه حسرة عليهم أنه لما أنكروه تحسروا أشد التحسر يوم القيامة، كما تقدم في الآيات.

قوله: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} هذه أعلى درجات اليقين؛ لأن اليقين ثلاث درجات: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فعلم اليقين هو بلوغ الخبر، فيُحدث له نوعًا من التصديق، وعين اليقين: هو أن يعاينه ببصره، وحق اليقين: هو تحقق وقوعه، وهو أعلى الدرجات.

قوله: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم} أي نزه ربك العظيم عما يفتريه الأفاكون والكاذبون.

 

 

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: نشر الصحف، وإظهار عدل الله تعالى.

الفائدة الثانية: إكرام المؤمن يوم القيامة وفرحه بموعود الله.

الفائدة الثالثة: بيان نعيم الجنة الحسي والمعنوي.

الفائدة الرابعة: إهانة الكافر يوم القيامة وحسرته وندامته.

الفائدة الخامسة: بيان عذاب النار الحسي.

الفائدة السادسة: أن اليمين علامة الكرامة والشمال علامة المهانة.

الفائدة السابعة: تفاهة الأعراض الدنيوية من مال وسلطان وعدم غنائها عن صاحبها يوم القيامة.

الفائدة الثامنة: أن النجاة والفلاح تكون بالإيمان بالله.

الفائدة التاسعة: التلازم بين الإيمان والعمل، والخلق والسلوك.

الفائدة العاشرة: فضل الإحسان إلى المساكين والحض، عليها.

الفائدة الحادية عشرة: فضيلة الرحمة، وأن الراحمين يرحمهم الله.

الفائدة الثانية عشرة: تقطع الأسباب يوم القيامة بالكافرين.

الفائدة الثالثة عشرة: سعة ملك الله وتناوله للمبصرات وغير المبصرات.

الفائدة الرابعة عشرة: إقسام الله بمخلوقاته.

الفائدة الخامسة عشرة: إثبات رسالة النبي r وبلاغه البلاغ المبين.

الفائدة السادسة عشرة: ثناء الله تعالى على نبيه r بالكرم.

الفائدة السابعة عشرة: أن إضافة القرآن إلى النبي r إضافة بلاغ.

الفائدة الثامنة عشرة: تنزيه القرآن العظيم عن الشعر والكهانة.

الفائدة التاسعة عشرة: أن ما يُعارض به المفترون القرآن، إما حديث مفترى، وهو سجع الكهان، أو شعر مفتعل.

الفائدة العشرون: إثبات تنزيل القرآن وأنه كلام الله غير مخلوق.

الفائدة الحادية والعشرون: إثبات علو الله تعالى بذاته فوق سماواته.

الفائدة الثانية والعشرون: إبطال الشبهات المتعلقة بالقرآن؛ من المشركين، والمستشرقين، والملحدين.

الفائدة الثالثة والعشرون: دليل بديع من دلائل النبوة.

الفائدة الرابعة والعشرون: عظيم قدرة الله وامتناعه، وعزته، وعجز الخلائق أمامه.

الفائدة الخامسة والعشرون: ذكر الاحتمال الممتنع في مقام المحاجة والمجادلة.

الفائدة السادسة والعشرون: اتصاف القرآن بالتذكرة.

الفائدة السابعة والعشرون: اطلاع الله على خفايا النفوس، وكمال علمه، وما ينطوي عليه ذلك العلم من التخويف.

الفائدة الثامنة والعشرون: تحسر المشركين على التكذيب بالقرآن العظيم، يوم القيامة وما جاء به.

الفائدة التاسعة والعشرون: وصف القرآن بأعلى درجات الثبوت، وهو حق اليقين.

الفائدة الثلاثون: وجوب تنزيه الله عن النقائص والعيوب ومماثلة المخلوقين. الفائدة الحادية والثلاثون: إثبات اسم الله (العظيم)، وما تضمنه من صفة (العظمة).

 

[1] أخرجه البخاري رقم (4419), ومسلم بمعناه رقم (2980).

[2] أخرجه البخاري رقم (3378), ومسلم رقم (2981).

[3] أخرجه الترمذي رقم (2312)وقال: حسن غريب , وأحمد رقم (21515), وقال الأرنؤوط: حسن لغيره.

([4]) ثقلت وسمع لها صوت كصوت أطيط الرحل إذا ثقل بصاحبه، الرحل الذي يوضع على ظهر البعير، يكون مشدودا بالسيور والجلود، فإذا ثقل بالراكب سمع له صوت، يسمى أطيط.

[5] أخرجه ابن أبي حاتم، قال ابن كثير، رحمه الله: مَدَارُهُ عَلَى عليِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعان، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَفِي سِيَاقَاتِهِ غَالِبًا نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ الْمَشْهُورِ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. تفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 107)

[6] أخرجه البخاري رقم (2790).

([7])أخرجه البخاري رقم (2411) واللفظ له، ومسلم رقم (2373).

[8] أخرجه أبو داود رقم (4727).

[9] أخرجه أحمد رقم ( 19715), وابن ماجه رقم (4277).

[10] أخرجه البخاري رقم (2441).

[11] أخرجه البخاري رقم (103), ومسلم رقم (2876).

[12] أخرجه مسلم رقم (2969).

[13] أخرجه البخاري رقم (1035), ومسلم رقم (900),

[14] أخرجه البخاري رقم (6555), ومسلم رقم (2830).

[15] أخرجه البخاري رقم ( 6464), ومسلم رقم (2818).

[16] أخرجه ابن ماجه رقم (2443), وصححه الألباني (في مشكاة المصابيح رقم 2987).

[17] أخرجه البخاري برقم (2227)

([18]) أخرجه أحمد رقم (5594), وأبو داود رقم (3251), والترمذي رقم (1535), واللفظ له.

[19] أخرجه البخاري رقم (7401), ومسلم رقم ( 1646).

[20] ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (4/156) ، وفي غيره، وقال: من أشهر الأحاديث.

[21] أخرجه البخاري برقم: (4251) ، ومسلم برقم (1783)

[22] أخرجه البخاري رقم (4812), ومسلم رقم (2787 ).



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:55 صباحًا الإثنين 9 ربيع الأول 1442 / 26 أكتوبر 2020.