• ×

أ.د. أحمد القاضي

تفسير سورة القلم

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  132
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

سورة القلم

بسم الله الرحمن الرحيم

سميت بهذا الاسم لورود لفظ القلم فيها، {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون} [القلم:1]. وهي سورة مكية، تتضمن ما تتضمنه السور المكية مما يتعلق بأصول الاعتقاد، وإثبات المعاد، والنبوة، وغير ذلك من المباحث العقدية التي اعتنى بها القرآن المكي.

ولهذه السورة العظيمة مقاصد متعددة، من أبرزها وأهمها:

  1. الانتصار للنبي r والمؤمنين. ودفع ما نبزه به المشركون من وصفه بالجنون، فإنه قد قال في أول السورة، {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون} [القلم:2]، وقال في آخر السورة: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون} [القلم:51].
  2. الرد على المشركين والمستكبرين، وتزييف دعاواهم.
  3.  التحذير من فتنة الدنيا وزخرفها، ووسوسة النفس، كما يتضح ذلك في قصة أصحاب الجنة.
  4. الترغيب في الآخرة، والتصبير لحكم الله.

يقول الله U: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون} [القلم:1]، في القرآن العظيم جملة من السور تفتتح بحرف أو حرفين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك، فالحرف مثل: (ن)، و(ق) و(ص)، والحرفان مثل: (حم), والثلاثة أحرف مثل: (الم), (الر) والأربعة مثل: (المص), و(المر), والخمسة مثل: (حم عسق), و(كهيعص). فما سر هذه الحروف المقطعة، وهل لها معاني مدركة يمكن الوصول إليها؟

يورد بعض المفسرين في هذا روايات متعددة في أن المراد بهذا الحرف كذا، والمراد بهذا الحرف كذا، ويجهد في تفسيرها، حتى إنهم قالوا إن المراد بـــ (طه, ويس) النبي r ! والصحيح في هذا أن هذه الحروف المقطعة  ليس لها معنى، ولكن لها مغزى.

قال الشوكاني -رحمه الله-: (فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْفَوَاتِحِ شَيْءٌ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ؟ قُلْتُ: لَا أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَعَانِيهَا، بَلْ غَايَةُ مَا ثَبَتَ عَنْهُ هُوَ مُجَرَّدُ عَدَدِ حُرُوفِهَا، فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم: «من قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ»)[1]

فكلما مر بك أن المراد بكذا كذا، وأن المراد بكذا كذا، فاعلم أنه لا يثبت، ولا يصح إلى رسول الله r. فهي حروف من حروف المعجم ليس لها معنى ولكن لها مغزى. والمغزى منها: تعجيز أرباب الفصاحة، وأئمة البيان من العرب الذي يفتخرون بالسجع، وبالشعر، وبالمعلقات, أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فكأنما يقول الله U لهم: إن هذا القرآن مؤلف من مثل هذه الأحرف؛ من الألف، واللام، والميم، والصاد، والنون، والقاف، وغير ذلك مما تنطقون به، وأنتم أرباب الفصاحة والبلاغة، لا تستطيعون أن تأتوا بمثله، ولا بعشر سور من مثله، ولا بسورة من مثله. وهذا هو الواقع، فإن العرب قاطبة لم يتمكنوا من مضاهاة القرآن، وأدركوا أنه لا سبيل لهم إلى ذلك.

وقد جربوا الكهانة، وسجع الكهان، والشعر، والمعلقات، والنثر، والنظم، ومع ذلك فإنهم عجزوا أن يأتوا بمثله، بل وانبهروا منه، كما يدل على ذلك وقائع كثيرة، فكان معجزة خالدة إلى يوم الدين.

ثم مما يدل على هذا أنه لا يكاد يذكر شيء من هذه الحروف المقطعة إلا ويتبعه إشارة إلى القرآن، تأمل مثلاً: {الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة:1-2]، {المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [الأعراف:1-2] {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر} [ص:1]، {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد} [ق:1]، وهكذا، وها هنا أيضًا إشارة؛ فقد قال: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون} [القلم:1]؛ لأن هذا القرآن مسطور في اللوح المحفوظ، مكتوب محفوظ.

فهذه الحروف المقطعة ليس لها معنى، ولا يصلح أن يقال: لها معنى لا يعلمه إلا الله! أو: الله أعلم بمعناها! فلا يمكن أن يخاطب الله U عباده بشيء له معنى لا يمكن الوصول إليه، فإن الله تعالى قد قال: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب} [ص:29] فكيف يأمرنا بتدبر ما لا سبيل إلى الوصول إلى معناه، {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [يوسف:2] كيف نتعقل ما لا سبيل إلى العلم بمعناه؟

كما أن هذا المسلك يفتح الباب لأهل التجهيل الزاعمين أن آيات الصفات مجهولة المعنى، فضلًا عن الكيفية، وأن لها معانٍ لا يعلمها إلا الله، وأن حظنا منها مجرد قراءة ألفاظها، دون علمٍ بمعانيها، بمنزلة حروف المعجم، فيكونون كمن ذم الله من أهل الكتاب بقوله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة: 78]، أي مجرد تلاوة. فهذا هو خلاصة الكلام فيما يتعلق بالحروف المقطعة.

قوله: {ن} حكى بعض المفسرين روايات متعددة ليس لها زمام ولا خطام، مردها إلى الإسرائيليات، كقول بعضهم: المراد به الحوت؛ أخذًا من قوله: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} [الأنبياء: 87], فقالوا: هو حوت عظيم خلقه الله، وركبت الأرض من فوقه، ويذكرون من الخيالات المروية في الكتب الإسرائيلية مالا يصح، ولا يجوز التعويل عليه.

وقيل: (ن), يراد به الدواة التي يغمس فيها القلم للكتابة، وقيل (ن), لوح من نور، إلى آخر ذلك، والمقصود أن جميع هذه الأقوال ليست صوابًا، ولا يعول عليها، بل هو حرف من حروف المعجم ليس إلا، ليس له معنى مراد عند الله تعالى، بل له حكمة ومغزى، كما أسلفنا.

قوله: {وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون} [القلم:1] هذه واو القسم، فأقسم الله I بالقلم، ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به. والمراد بالقلم يحتمل أمرين: يحتمل جنس القلم، فإن القلم شريف لأنه أداة العلم؛ ولهذا ذكره الله I في أول ما أنزل من كتابه فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:1-5]، فيكون المراد بالقلم جنس القلم، الذي هو وسيلة لحفظ العلم ونقله ونشره، فهو شريف بهذا الاعتبار، فلشرفه أقسم الله به.

ويحتمل أن يراد بالقلم قلم القدر، الذي جاء ذكره في الأحاديث، قال النبي r: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ»[2],  وربما كان عدة أقلام، كما جاء في حديث المعراج أن النبي r بلغ منزلة فوق سدرة المنتهى, سمع فيها صريف الأقلام، أي أقلام القدر، وفي حديثه لابن عباس: « رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ » [3]، يعني أقلام القدر.

ولا مانع من حمل هذه اللفظة على المعنيين، على القلم المخصوص الذي هو قلم القدر، وعلى جنس القلم الذي هو أداة لحفظ العلم وسطره.

{وَمَا يَسْطُرُون} وَمَا يَسْطُرُون: إن قلنا: هو قلم القدر، فالذين يسطرون هم الملائكة، فهم يكتبون، وإن قلنا: هو جنس القلم، فيتناول كل مكتوب، بما فيه ما تكتبه الملائكة من أعمال بني آدم، {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون} [الزخرف:80].

فعلى هذا يكون وما يسطرون يعني ما يكتبون في السطور، وهذا يدل على فضل الكتابة، وأنها نعمة من الله U على بني آدم، إذ لولا الكتابة لضاع العلم، وضاعت الحقوق. والحفظ له سبيلان:

 السبيل الأول: حفظ في الصدور، كما قال الله تعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت:49].

لكن هذا النوع من الحفظ يضمحل ويذهب مع التقادم في العمر، كما قال الله تعالى: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج:5] فإذا بهذه المحفوظات التي تراكمت عبر عقود من الزمن تضمحل، وتتلاشى، وتفنى، ويعود هذا الشيخ الهرم لا يعلم شيئا مما اقتناه من علوم.

 

السبيل الثاني: حفظ في السطور، وهو أدوم وأثبت من الحفظ في الصدور، وذلك أن يكتب العلم في الصحف والمدونات. ألم تروا أنا نملك علومًا مضى عليها قرون مما كتبه المتقدمون.

قوله: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون} [القلم:2]، هذا جواب القسم. نفى الله تعالى عن نبيه الجنون الذي وصمه به أعداؤه كما في قوله تعالى: {وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُون} [الحجر:6]، والجنون: ذهاب العقل. فبرأه الله تعالى ونعَّمه. ونعمة ربه النبوة، يعني: ليس ما جئت به من النبوة والحكمة جنونا، والحكمة: هي السنة، فليس ما يخرج من فيك جنون، قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:1-5]. فكل ما فاه به النبي r فهو إما وحي, وإما حكمة.

     وقد يكون المراد بقوله: {بِنِعْمَةِ رَبِّكَ} من فضل الله عليك، كما يقول أحدنا: ما أنا، بحمد الله، بكذا وكذا، ما أنا، بفضل الله، بكذا وكذا، فيكون ذلك نوعًا من الجملة الاعتراضية التي يراد بها التنويه بالنعم، كقول الشاعر:

فإني -بحمد الله- لا ثوب ذلة *** لبست ولا من ربية أتقنعَّ

وقد يراد بالنعمة خصوص النعمة عليه r، بالنبوة والحكمة، أو أن يراد بذلك عموم النعمة التي أنعمها الله U عليه، فعصمه من الاتصاف بالجنون والسفه، وغير ذلك من أوصاف السوء التي ينبزه بها المشركون، وحسبك بتبرئة تصدر من رب العالمين للنبي r.

فكل من وصمه بهذا الوصف فكلامه باطل مردود عليه، فإن الله، خالقه، قد امتن عليه بكمال العقل، ووفور الحكمة، وسداد الرأي والقول والعمل، بأبي هو وأمي r.

{وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُون} أتى بكلمة (أجر) نكرة، لتدل على طلاقته، وعدم تقييده، وكثرته، وتنوعه، (غَيْرَ مَمْنُون)، غير منقطع، ولا ناقص. ولا يقال: لا منة فيه، لأن المنة لله تعالى قطعًا، الله U له المنة على جميع عباده. والمقصود بقوله: غَيْرَ مَمْنُون، في سورة التين وسورة الانشقاق، وهاهنا، أي غير مقطوع، كما قال: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108] ، يعني غير منقطع، وغير منتقص، فكل ذلك لنبينا r.

قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم:4] لم يقل: وإنك لذو خلق عظيم، بل قال: لعلى، فأتى بلفظ يدل على الاستعلاء والتمكن، كأنما أحاط به، وأشرف عليه. وتأمل وقع هذه الآيات على نبينا r الذي يعاني من كفار قريش ما يعانيه، وهم يؤذونه في نفسه، وبدنه، ويقذفونه بأنواع التهم، في حرب نفسية مستعرة عليه ليل نهار، فيأتيه هذا المدد من الله، لينفس عنه ما يجد. فأي أثر تتركه هذه الكلمات الربانية الحانية في نفس النبي r؟.

     فما هو ذلك الخلق العظيم الذي كان عليه النبي r؟.

هذا يحتمل أمرين لا تعارض بينهما، الأمر الأول: أن ذلك الخلق هو الدين والإسلام، فإن الله I قد أوحى إليه الكتاب والحكمة، وقال: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [الشورى:52]. فذلك هو الخلق العظيم. ويدل عليه حديث عائشة، رضي الله عنها، حين سُئلت عن خلق النبي r قالت: "كان خلقه القرآن"[4]، يعني أنه يمتثل أوامره ويجتنب نواهيه، يأتمر بأمره, وينتهي عن نهيه. فهذا هو خلقه، وهذا هو هديه، وهذا هو سمته. فقد تمثل القرآن بالأوامر والمناهي، فصار القرآن خلقه وسجيته. والدين كله خلق، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: (الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ. فَمَنْ زَادَ عَلَيْكَ فِي الْخُلُقِ: زَادَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ)[5]. وفي بعض سياقات حديث عائشة، رضي الله عنها، لما سئلت عن خلق النبي r قَالَتْ: "كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، تَقْرَؤُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَتِ: اقْرَأْ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}، قَالَ يَزِيدُ: فَقَرَأْتُ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} إِلَى {لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم."[6].

المحمل الثاني: أن يراد بالخلق الصفات الكريمة، والأخلاق الفاضلة، والطباع السوية، والشمائل الطاهرة، التي كان عليها النبي r، ولا ريب أن نبينا r قد بلغ الذروة والغاية في هذا الباب، يقول الله U: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين} [آل عمران:159].

فكان على الغاية r في دماثة الخلق، والصبر، والسماحة، والحلم، والكرم، والشجاعة، وحسن العشرة، ولين الكلام، وطيب المعشر، وما شئت من الأخلاق الكريمة.

ومما يروى من شمائله الطاهرة: عن جابر أن النبي r قال: « إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي لِتَمَامِ صَالِحَ الأَخْلاقِ، وَتَمَامِ مَحَاسِنِ الأفْعَالِ »[7] وعن البراء قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ البَائِنِ، وَلاَ بِالقَصِيرِ»)[8]،  فهناك تلازم بين حسن الخَلْق وحسن الخُلُق، وليس المقصود بحسن الخَلق بالضرورة أن يكون وسيما قسيمًا، وإن كان ذلك متحققًا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بل أن يظهر أثر خُلقه في تباشير وجهه، وانطلاق أساريره. قد تنظر إلى الرجل ويكون دميم الخلقة، لكن فيه من البشر والسماحة ما يجعله جميلا، وربما تجد الإنسان الجميل القسيم الوسيم، تغشاه قترة، وتجد منه نفرة. فهناك تلازم بين حسن الوجه، وحسن الخلق كما دل عليه حديث البراء.

وعن أنس بن مالك قال: («خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلاَ: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلاَ: أَلَّا صَنَعْتَ »)[9]، من يطيق هذا؟ هذا خادم طوال عشر سنين، لم يبدر من سيده r أن تأفف منه! وأحدنا يتأفف من زوجته، ومن ولده، ومن كثير ممن حوله. ولم يعتب عليه في فعل أو ترك أبدا! وانظر ذلك في يومياتك! كم مرة تقول لأهلك: لمَ فعلتم كذا وكذا؟ لمَ لم تفعلوا كذا وكذا؟، والنبي r، على علو قدره، وشريف منزلته، لا يصدر منه ذلك، ولا لخادمه! وحتى أنه إذا سمع أهله يلومون أنسًا على شيء قال: (دَعُوهُ، فَلَوْ قُدِّرَ - أَوْ قَالَ: لَوْ قُضِيَ - أَنْ يَكُونَ كَانَ)[10]

بهذا تحصل السعادة. أما العتب فإنه مجلبة للحزن. وعن أنس, أيضًا، قال: (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا)[11], وعنه أيضًا: (وَلاَ مَسِسْتُ خَزَّةً وَلاَ حَرِيرَةً، أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلاَ شَمِمْتُ مِسْكَةً، وَلاَ عَبِيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)[12].

وعن عبد الله بن عمر، قال: (لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاَقًا»)[13]، وقال: « خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»[14].

وعن أنس (أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ» فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا)[15]. ومن الناس من إذا تقدم إليه صاحب حاجة، تبرم منه، واستنكف عن مخاطبته, فضلا عن أن يذهب معه, أو أن يقضي حاجته.

وعن أنس بن مالك t قال: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ «إِذَا صَافَحَ الرَّجُلُ لَمْ يَنْزِعْ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ، وَلَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ)[16]، ومن الناس من يشيح بوجهه عن محدثه، وينفض يده من مصافحه، ويتصدد عمن يريده بأمر من الأمور.

وعن عائشة قالت: (وَاللهِ مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ امْرَأَةً لَهُ قَطُّ، وَلَا خَادِمًا لَهُ قَطُّ، وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ)[17]، وعن أنس قال: (كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ»، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى «نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ البُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ»، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، «فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ)[18].

انظروا إلى فظاظة هذا الأعرابي، في القول وفي الفعل؛ في الفعل جبذه جبذة شديدة حتى أثرت في عاتقه! وفي القول بمخاطبته بهذه اللغة الجافية، يا محمد! لم يقل يا رسول الله، ثم يقول له بصيغة الأمر: مر لي من مال الله الذي عندك، وكأن في الكلام تهمة.

ماذا لو جرى مثل هذا لأحدنا؟ لو أن طفلك الصغير جرَّ شماغك فوقع على الأرض، كيف تكون ردة فعلك غالبًا؟، أما رسول الله r فضحك, ثم أمر له بعطاء! موقف يستدعي الغيظ،  ويستثير الغضب، من سوء الأدب، لكنه، بأبي هو وأمي، ضحك؛ لأنه استوعب الموقف، وعرف طبيعة هذا الأعرابي، وأنه على هذا نشأ، فلم يحمل الأمر على قصد الإساءة، فتجاوز الموقف.

وعن أبي الدرداء عن النبي r قال: « مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ »[19], يبلغ الإنسان بحسن الخلق, درجات عالية، والفاحش البذيء، من الناس، من لسانه نتن، لا يتحدث إلا بما تحت السرة، أو بالسباب، والشتم، والقذف، يدخل وهو يلعن، ويخرج وهو يلعن،  يتكلم بلغة سوقية.

وهذا لا يختص بالحديث المباشر، بل يدخل فيه ما يوجد الآن في الوسائط الالكترونية من الحديث الساقط الهابط، الذي تقشعر منه الجلود، وتشمئز منه النفوس، ويثير الغثيان، فما أشد انطباق هذا الوصف النبوي على عدد من الناس الذين ابتلوا بهذه الخصلة الذميمة.

وعن أبي هريرة t قال: « سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الجَنَّةَ، فَقَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ»، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ، فَقَالَ: «الفَمُ وَالفَرْجُ»[20].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله r يقول: « إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ »[21]، وكان النبي r يدعو ويقول: « اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَأَحْسَنِ الْأَعْمَالِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ وَقِنِي سِيِّئَ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ لَا يَقِي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ [22]». فهذه نبذة يسيرة دعا إليها الحديث عن قول الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم:4].

قوله: {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُون} [القلم:5]، جملة مخيفة، فيها تهديد ووعيد لأولئك المكذبين، الذين وصموا النبي r بالجنون، والمعنى: سيتكشف الحال، ويتبين من هو المفتون حقا. فإنهم وصفوا النبي r بالفتنة؛ يفتن الرجل عن أهله وقبيلته, والزوج عن زوجته, والزوجة عن زوجها, وغير ذلك. وقيل: أن معنى مفتون: مجنون، كما تقدم، فالمقصود بالفتنة هنا،  وصف السوء، وللفتنة معاني متعددة.

وقد أبصروا، وأبصر النبي ،r وأبصر الخلق، أن هؤلاء المشركين الضالين المكذبين هم المفتونون، كما قال: {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُون} [الذاريات:14]، فذاقوا فتنتهم، وذاقوا العذاب من جراء ذلك. والباء هنا بمعنى "في،" أي: أنتم أم هو، أو أي الفريقين، في الفتنة، والمعنى متقارب.

قوله: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} [القلم:7]، جملة تقريرية، ثقيلة، رصينة، تدل على كمال علم الله تعالى بخلقه،  وضمير الفصل هنا للتأكيد، فلستم أنتم الذين تمنحون شهادات حسن السيرة، والسلوك، والتزكيات، ذاك إلى الله، كما قال: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ } [النساء: 49]. وسبيله: دينه وشرعته، {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} [يوسف:108]، {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ} [الأنعام:153]، {اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم} [الفاتحة:6]، فالله أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين الذين اهتدوا إلى سبيله.

     وفي هذه الآية ما يدل على إثبات القدر؛ لأن علم الله السابق بمن يضل عن سبيله، ومن يهتدي إليه، دليل على أنه قد قدر المقادير على العباد، " إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ أَخَذَ الْخَلْقَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي "[23]، يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، لكنه أخفى ذلك عنهم، وأظهر لهم شرعه، وقال: اعملوا! فمن ضل فإنه يضل عن سبق إصرار، ومحض اختيار، ومن يهتدي كذلك. لهذا أسند الله الأفعال إلى المكلفين فقال: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:5-10]، فهذه الجملة تدل على إثبات القدر، وتدل أيضًا على إثبات المشيئة للعباد من حيث سلوك طريق الهدى وسلوك طريق الضلالة.

وهذا الذي تجتمع به الأدلة، فنثبت للعبد مشيئة وفعلاً واختيارا، لكنها تابعة لمشيئة الله U، كما قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ *وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:28-29]، فليس للعبد مشيئة منفصلة عن المشيئة الكونية التي قدرها الله وقضاها في الأزل، لكن إثبات المشيئة السابقة لا يمنع من إثبات مشيئة حقيقية، وفعل حقيقي للعبد، وهذا من مباحث القدر.

قوله: {فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِين} [القلم:8]، فإن في طاعتهم الهلاك، والمراد بالمكذبين: المكذبين بالرسل وبالقرآن وبالبعث.

قوله: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون} [القلم:8-9] ودوا: أي تمنوا ورغبوا، والمراد بالإدهان: المصانعة، والنفاق، والرياء، والتقية. يعني: لو طاوعتهم لجروك إلى أحوال ومقامات تزل فيها، وتنسلخ عما أمرك الله U به.

وفي هذا إشارة إلى عرض عرضوه على النبي r، فعن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزّوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك، ولنا فيها صلاح. قال: "ما هي؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة؛ اللات والعزي، ونعبد إلهك سنة، قال: "حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي"، فأنزل الله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] [24]{وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُون} فلا مانع عندهم من التنازل لأن أمر الاعتقاد بالنسبة لهم قضية قابلة للمتاجرة، أما أنت فحاشاك أن يقع ذلك منك، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ *وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:1-6].

فلا تجوز المصانعة، والمسايرة، والمجاملة في أصل الدين، أما ما سوى ذلك من أمور الحياة فقد يحتاج إليها الإنسان أحيانا؛ إما دفعًا لشر، أو جلبًا لمصلحة، والآية توحي بالنهي والتحذير، أي لا تفعل هذه الملاينة، والمداهنة، والتملق، والمصانعة التي هي استزلال عن أصل الدين.

{وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم:10-13]، هذه السلسلة من ألقاب السوء التي وصم الله U بها عدو نبيه r، ويقال إن هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة، سيد من سادات قريش، ويقال أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وهي تنطبق على عامة أعداء الرسل الذين انتصبوا لعداوتهم.

ومع أنه قال قبل ذلك: فلا تطع المكذبين، أعاده لمزيد التأكيد والتحذير من هذا الصنف خاصة، فقال: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ} أي كثير الحلف، أهون ما عليه أن يشقق الأيمان بالدعاوى العريضة، كما هو حال المنافقين، فإنه إذا أكثر الحلف أوهم السذج بأنه صادق في دعواه، وهو مجرد حلاف، {مَهِينٍ} أي ذميم وسامج وحقير. ومن امتهن الكذب، هانت عليه نفسه؛ لأن الذي يحلف ويكذب لا يحترم نفسه، لو كان يحترم نفسه ما حط منها، ووضعها في منزلة الكذب، وإظهار خلاف ما يبطن، ولهذا وصفه الله بأنه مهين، حقير، ذليل، وضيع.

وقوله: {هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيم} [القلم:10-11] أي كثير الهمز، وهو الطعن في الآخرين، وذكر معايبهم، كقوله في سورة الهمزة: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ} [الهمزة:1]، فيحمل الهمز على القول واللمز على الإشارة، أو العكس ويمكن أن يقع هذا بالعين بأن يغمز، ويمكن أن يقع باللسان بأن يتفوه بكلمة نبز. {بِنَمِيم} يعني أنه يسعى بالوقيعة بين الناس، وإيغار صدور بعضهم تجاه بعض. ولهذا قال في الحديث: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ»[25], وهو النمام، عكس حال المؤمنين الذين قال الله عنهم: {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء:114].

قوله: {مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيم} [القلم:12]، يعني فيه بخل وشح، يمنع الخير من الوصول إلى مبتغيه، كما قال تعالى: {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون} [الماعون:7]، أو المراد بالخير الإسلام، يعني أنه يصد عن دين الإسلام، إذ الإسلام هو الخير كله.

قوله: {مُعْتَدٍ أَثِيم} معتد على الآخرين، أثيم أي في نفسه، فهو صاحب عدوان، لا يسلم منه أحد، إما من لسانه أو فعاله، (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)[26]، أما هذا فإنه معتد، يعتدي على الناس في أشخاصهم، وأموالهم، وأعراضهم. كما أنه  منغمس في الإثم فيقع في الموبقات والمحرمات لا يبالي.

قوله: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم} [القلم:13]، العتل: هو الغليظ الجافي القاسي، العتْل مأخوذ من القسوة والغلظة، فبعض النفوس الخبيثة تكون على هذا الحال، ولذا قال النبي r: « إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ , جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ , حِمَارٍ بِالنَّهَارِ , عَالِمٍ بِالدُّنْيَا , جَاهِلٍ بِالْآخِرَةِ »[27].

قوله: {زَنِيم} هذا وصف فيه سخرية بهذا الكافر، كما توجد الزنمة، وهي اللحمة المتدلية في عنق الشاة، أو في عنق الماعز، تسمى زنمة، فكأنها شهرة له بها يعرف، لا يعرف إلا بهذا، فإذا ذكر السوء والفحش والغلظة والقسوة، قيل فلان.

وقيل: معنى زنيم: أنه لصيق بالقوم وليس منهم، فإن هذا الرجل، سواء كان الوليد بن المغيرة، أو الأخنس بن شريق، أو الأسود بن يغوث، قيل أنه كان لصيقًا بقريش، وأن أباه لم يلحقه به إلا بعد أن بلغ ثمان عشرة سنة، فهو لصيق بهم وليس منهم.

هذا وصف هؤلاء الممسوخين، المحجوبين عن نور النبوة، وهدى الله، ينعكس على أخلاقهم وعلى سلوكهم. فهذه الآيات ذم لهم، وانتصار للنبي r، فكما أنك يا محمد على خلق عظيم، فتلك أخلاق أعدائك وخصومك. هذه الحزمة القبيحة من ألقاب السوء: حلاف، مهين، هماز، مشاء بنميم، مناع للخير، عتل، زنيم، يستحقها أولئك الذين ناصبوا النبي r العداء وصاروا يسمونه بألقاب السوء.

قوله: {أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِين} [القلم:14] فيها قراءات، (أن)، بفتح همزة مفردة، و(أإن), بتحقيق الهمزتين، وفي قراءة بتسهيل الثانية، والقراءة المشهورة بهمزة مفردة والمعنى: ألأن كان ذا مال وبنين. فكان سبب هذا الإثم والتكذيب أنه كان ذا مال وبنين، ظن المغرور أن وفرة المال، وكثرة البنين، تسوغ له الاستطالة، والتفاخر، والتباهي، ولهذا تهدده في سورة المدثر كما سيأتي: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا} [المدثر:11-13]. وهذا يرجح أن المراد هو الوليد بن المغيرة، لأنه المقصود في سورة المدثر، فقد قال في سورة المدثر: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر:22-25] وقال هنا: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين} [القلم:14-15].

قال ابن هشام: وَكَانَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَمِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَنْصِبُ لَهُ الْعَدَاوَةَ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الْحِيرَةَ، وَتَعَلَّمَ بِهَا أَحَادِيثَ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَأَحَادِيثَ رُسْتُمَ وَاسْبِنْدِيَارَ، فَكَانَ إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا فَذَكَّرَ فِيهِ باللَّه، وَحَذَّرَ قَوْمَهُ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الْأُمَمِ مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ، خَلَفَهُ فِي مَجْلِسِهِ إذَا قَامَ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا وَاَللَّهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْهُ، فَهَلُمَّ إلَيَّ، فَأَنَا أُحَدِّثُكُمْ أَحْسَنَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ مُلُوكِ فَارِسَ وَرُسْتُمَ وَاسْبِنْدِيَارَ، ثمَّ يَقُول: بِمَاذَا مُحَمَّدٌ أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنِّي؟.[28] ظن أن المسألة مجرد حكايات! ولم يدرك المعنى العظيم الذي جاء به القرآن العظيم، فظن أنه من جنس أساطير الأولين.

وهذا كبر ما بعده كبر؛ لأن الكبر: بطر الحق ،وازدراء الناس. وقد جمع بينهما، فبطر الحق يعني جحده، يعلم أن هذا حق وينكره، كما قال ربنا U: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون} [الأنعام:26] يأتون في ظلمة الليل يستمعون إلى قراءة النبي r ويتعجبون، ثم يتواصون ألا يعودوا حتى لا يغتر الناس بذلك، فيفقدون رياستهم، كما قال أبو جهل، لما ووجه بذلك، قال: نحن وبنو هاشم كفرسي رهان، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا منا نبي، فمن أين لنا ذلك؟([29]). وأما ازدراء الخلق فقد ذموا النبي r وقالوا مجنون مفتري كذاب، الخ.

قوله: {سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُوم} [القلم:16] ختم الله تعالى هذه الآيات بهذا الوعيد المخيف. والوسم: وضع علامة لا تفارق صاحبها، كما يقول جرير:

لما وضعت على الفرزدق ميسمي
 

 

وسما البعيث جدعت أنف الأخطل
 

 

فالميسم: هو العلامة التي تجعل على الشخص لا تفارقه، وأراد بالخرطوم الأنف، لأنه أبين ما في الوجه، فوسمه بأبين ما فيه، وذلك حينما يعذبه الله تعالى، وتلفح وجهه النار، أو حينما خطمه السيف يوم بدر، فضرب وجهه وأنفه، فوقع له ذلك في الدنيا قبل الآخرة.

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: إعجاز القرآن للفصحاء والبلغاء أن يأتوا بمثله، مع تمكنهم من لغته وحرفه.

الفائدة الثانية: عظيم شأن القلم، والكتابة، والمكتوب، والله لا يقسم إلا بمعظم.

الفائدة الثالثة: أهمية الحفظ في السطور كما في الصدور،

الفائدة الرابعة: براءة النبي r من شعب الجنون كافة.

الفائدة الخامسة: امتنان الله تعالى على نبيه r بنعمة النبوة، والحكمة، والعصمة، وموفور العقل، وسداد الرأي والقول والعمل.

الفائدة السابعة: موعود الله لنبيه r بجزيل الأجر ودوامه.

الفائدة الثامنة: تزكية الله لأخلاق نبيه r وشمائله الطاهرة.

الفائدة التاسعة: أهمية الخلق، وعظيم أثره، وجزيل ثوابه، فينبغي للإنسان أن يهذب أخلاقه وأن يدعو ربه بتحصيله.

الفائدة العاشرة: أن كمال الخُلُق في امتثال هدى الله في القرآن، فالدين كله خلق.

الفائدة الحادية عشرة: وعيد الله للمخالفين للحق وتحققه.

الفائدة الثانية عشرة: تلبس الكفار بالفتنة.

الفائدة الثالثة عشرة: كمال علم الله بعباده، وسبق قدره فيهم.

الفائدة الرابعة عشرة: التحذير من موافقة أهل الزيغ والتكذيب.

الفائدة الخامسة عشرة: التحذير من طرائق المخالفين للرسل وأنها ملتوية، ومها الإدهان،

الفائدة السادسة عشرة: التحذير من التنازل عن الحق تحت أي دعوى، كالمصلحة الملغية.

الفائدة السابعة عشرة: استعداد الكفار للادّهان والمصانعة، والتقية، ورغبتهم في ذلك.

الثامنة عشرة: التحذير الخاص من المكذب الحلاف بالباطل.

التاسعة عشرة: دناءة المخالف للنبي r واتصافه بصفات السوء.

الفائدة العشرون: الحذر من مشابهة أخلاق الكفار الذميمة

الفائدة الحادية والعشرون: ذم الهمز، والنميمة، والشح، والعدوان، والإثم، والغلظة.

الفائدة الثانية والعشرون: وصم الكافر المنتصب لعداوة النبي r بالدخيل اللصيق.

الفائدة الثالثة والعشرون: اغترار الكافر بأعراض الدنيا من المال والبنين.

الفائدة الرابعة والعشرون: كِبْر الكافر وغمطه للحق.

الفائدة الخامسة والعشرون: أن الجزاء من جنس العمل.

 

لما ذكر الله I هاتين الصورتين الخلقيتين المتقابلتين وذكر نعمته I على قريش وعلى مشركي العرب ببعثة محمد r وكيف قابلوا هذه النعمة بالنكران ضرب لهم مثلا واقعيا وقصة ذات عبرة، فقال تعالى:

{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ * فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ * فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} [القلم:17-32].

هذه القصة تحكي حال نفر ورثوا بستانًا عن أبيهم، ويقال أن أباهم كان ذا فضل وإحسان إلى الفقراء والمساكين، فإذا أثمرت حديقته رد جزءًا منها في إصلاحها وتعميرها، وادخر ما يكفيه وذويه، وتصدق بالثلث على الفقراء والمساكين، فبورك له فيها.

ثم إن بنيه من بعده، رأوا في هذا التصرف إضاعةً لأموالهم، فنشأ عندهم، بسبب الشح والبخل، ما حملهم على الإمساك، ومخالفة طريقة أبيهم، فتآمروا وتواطؤوا على منع المساكين، وقابلوا النعماء بالكفران.

قوله: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ}، أي بلونا مشركي العرب، وكفار مكة ،كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ. والبلاء: هو الاختبار، والله I يبتلي عباده بأنواع البلاء ليستنبط ما في قلوبهم من خير أو شر، وهذه سنته سبحانه في خلقه:{الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1-3]، لا بد من ابتلاء، لا يدع الله الناس دون بلاء، كل أحد سيبتلى. وقد سئل النبي r: « أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: " الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ»[30] فلا بد أن يبتلى الإنسان بالسراء والضراء، {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون} [الأنبياء:35].

والواجب على من ابتلي أن يقابل السراء بالشكران، والضراء بالصبر والسلوان، قال نبينا r: « عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ »[31]، فالابتلاء له حكمة: وهي تميز المؤمنين من الكفار، والأبرار من الفجار، والصادق من الكاذب. فالبلاء هو المحك، الذي يكشف معدن الإنسان وحقيقته، فاستمسك واعتصم بالله U حتى تنجو في هذا الاختبار.

والجنة: هي البستان، وإنما سميت بذلك؛ لأنها مجتنة، تحيط بها الأشجار، وتحجبها من كل جهة، وفيها من الزروع والثمار ما تشتهيه الأنفس.

قوله:{إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}، حلفوا أيمانا ليؤكدوا ما عزموا عليه، {لَيَصْرِمُنَّهَا}: أي ليجُدنُّ ثمرة هذه الجنة في الصباح الباكر، وقال بعض المفسرين: أن معنى مصبحين: أي في الليل، كأن مراده: مستقبلي الصباح، حتى لا يفطن الفقراء والمساكين كعادتهم، فيستعدوا لينالوا ما تعودوه. لكن ظاهر الآيات أن ذلك وقع في الصباح الباكر، لقوله: {فَلَمَّا رَأَوْهَا}, وذلك لا يتأتى نصف الليل, بل يكون بعد انبلاج الفجر, ولقوله: {وَغَدَوْا}, والغدو: الذهاب أول النهار في الصباح الباكر. وقد لا يتفطن الفقراء والمساكين لخروجهم حتى يرتفع النهار, والصرم: معناه الجذاذ، وقطف الثمار، وحصد الزروع.

{وَلَا يَسْتَثْنُونَ}، ومعنى وَلَا يَسْتَثْنُونَ: أي أنهم لم يقولوا: إن شاء الله، هذا هو الاستثناء، ومن المعلوم أن يجب على الإنسان إذا هم بأمر من الأمور، وعزم عليه، وقال: إني فاعل ذلك غدًا! أن يستثني ويقول: إن شاء الله، وكما قال ربنا U: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ} [الكهف:23-24]. إذ أن الله تعالى يقول: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} [التكوير:29]، فكل شيء مقرون بمشيئته، لا سيما إذا عبر بالجملة الاسمية، "إني فاعل"، الدالة على الاستقرار والثبوت.

فلما أقسموا قسمًا مؤكدًا بلام القسم، ونون التوكيد الثقيلة، {لَيَصْرِمُنَّهَا}, أنهم سيفعلون، كان ذلك دليلا على تصميمهم وعزمهم، ولكنهم لم يستثنوا, ولم يقولوا: إن شاء الله. فلا بد من أن يتفطن الإنسان لمشيئة الله تعالى، فلا يطلق العبارات الجازمة بأنه فاعل كذا، ويفعل كذا، دون أن يقرنها بالمشيئة، ولا يتوهم أنه قادر على إنفاذ ما أراد، فالعبد يشاء ، والرب يشاء، ولا يكون إلا ما يشاء الله، {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين}.

بعض الناس يطلق القول على عواهنه بأنه سيفعل ويفعل، ويقوم ويقعد، ويقدم ويؤخر، ثم يحال بينه وبين ما أراد! يعمد أحدنا في الليل قبل أن ينام فيخطط لما سيعمل غدًا، وربما كتب قائمة بأعمال اليوم التالي، ثم يصبح مريضًا طريح الفراش، أو يجد سيارته متعطلة، فلا يصنع شيئا مما أجمع عليه البتة. فعلى الإنسان أن يعود نفسه على التعليق بالمشيئة، لاسيما إذا خرج الكلام منه مخرج الجزم، كالجملة الاسمية، قال ربنا U: {وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ}. وكذا لو اقترن به القسم، ونون التوكيد، ولام القسم كما فعل هؤلاء، {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ}، فكان من شؤم تركهم للاستثناء ما سمعتم. وإذا قال الإنسان: إن شاء الله، فإنه يحصل بها بركة، حتى إن الاستثناء يكون في الأمور المحققة، قال الله U: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ} [الفتح:27] مع أن القائل هو الله، وجاء بالقسم، ولام القسم، ونون التوكيد الثقيلة، ومع ذلك قال: إن شاء الله.

قوله:{فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ}، الطائف لا يكون إلا ليلا، كالطارق، قوله: {وَهُمْ نَائِمُونَ}، أي في وقت هجدتهم وهجوعهم، سلط الله عليها آفةً من السماء فأهلكتها بعد أن زهت أشجارها، وأينعت ثمارها، وباتت في غاية الحسن والنضارة.

قوله: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ}، أي فصارت تلك الجنة الغناء، المليئة بالثمار، والزروع، كالصريم. قال ابن عباس t: كَالصَّرِيمِ أَيْ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ [32]. يعني أنها احترقت فصارت سوداء فاحمة، وقيل: إن الصريم فعيل، بمعنى مصروم، كقول الله I: {كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل: 5]، فالشيء المصروم: هو الذي وُطئ وديس، ويسمى صريما.

     يخيل للناس، أحيانا، أنهم قد تمكنوا، وضبطوا أمورهم، وأعدوا، واستعدوا، لكن يأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا، {حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} [يونس:24]. ومن تأمل في مجريات الأمور الواقعية، والتاريخية، رأى أمثلة عجيبة من نفاذ مشيئة الله تعالى وقدرته.

     وهذا أمر له صلة بالإيمان بالقدر، فالعبد له مشيئة حقيقية، لكن مشيئته تلك تابعة لمشيئة الله تعالى، قال تعالى: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيم} [التكوير:28] ؟،وقال تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة:223]، وإنما أنكر مشيئة العبد، الجبرية الذين يقولون العبد مجبور على فعله، العبد كالريشة في مهب الريح، العبد مسير! والشرع والواقع يدلان على خلاف ذلك. لكن هذه المشيئة الحقيقية تابعة لمشيئة الله تعالى، الله هو الذي وهبك المشيئة، ووهبك القدرة، وواهب ذلك قادر على منعه وقطعه. لهذا قال: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين} [التكوير:29]، فعليك يا عبد الله أن تضبط العلاقة بين مشيئتك ومشيئة الله، فلا تدع العمل وفعل الأسباب، اتكالًا على القدر السابق، بل اعمل، وافعل الأسباب، وسل الله U التمام والكمال، فإنه قد يحول بينك وبين ما حاولت.

قوله: {فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ} نادى بعضهم بعضًا في الصباح الباكر، وهم في غرة.

قوله:{أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ}، هلموا إلى ما عقدتم العزم على أن تصرموه. فقد كان بعضه زرعًا، وبعضه ثمرًا. ويقال إنه كان من العنب.

قوله: {فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ}، يتصور المرء هؤلاء الملاَّك يسيرون بغلس، متجهين إلى بستانهم، يتساروُّن فيما بينهم ويتناجون، خشية أن يسمعهم أحد فينقل كلامهم إلى الفقراء والمساكين. وهذا يقع كثيرا عند بعض الناس، تجد أن بعضهم يشجع بعضًا، ويؤيد بعضهم بعضًا على أمر سوء، ولا يصغون لقول الناصحين، فهذا التواصي والتعاون على الإثم والعدوان يثمر النتيجة المرة.

قوله: {أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ}، تواطؤوا، وتعاقدوا، أن يغلقوا بستانهم عليهم، فلا يدخله عليهم مسكين،  خلافًا لما كان أبوهم يفعل من قبلهم. رغم أن غلة بستانهم تكفيهم وزيادة، لكن كما قال ربنا: {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ} [النساء:128]، فالشح جزء من تكوين ابن آدم، وعلى الإنسان أن يستعيذ بالله تعالى من الشح؛ لأنه يحمله على المنع،  وعدم إيصال الحقوق لمستحقيها. فعلى الإنسان أن يسأل الله I أن يخلصه من شح نفسه. ويذكر عن أحد الصحابة أنه طاف بالبيت وهو يقول: اللهم قني شح نفسي، فقيل له في ذلك؟ قال: أليس الله تعالى يقول: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الحشر:9]، فإذا وقي الإنسان شح نفسه أفلح؛ لأن النفس جمَّاعة منَّاعة، {إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج:19-21]، هذه حقيقة الشح.

فأطلق نفسك من أسارها، وأطلق يديك من غلها، فلا تبخل، ولا تمسك، حينئذ تكون سعيدًا، أما الشحيح فإنه في شفقة مستمرة، وفي هلع دائم.

قوله: {وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ} الغدو هو الذهاب أول النهار، والحرد, يدل على معانٍ منها: القصد, والعزم, والمنع، والغيظ والغضب، فهم متغيظون على الفقراء والمساكين، كأنما يقاسمونهم غلتهم، وينازعونهم حقهم.

هكذا وصف الله تعالى حالتهم النفسية، والعملية؛ خرجوا مصبحين، منطلقين، مستوفزين، مهتمين، مجمعين على خطة مبيتة. بل كانوا في غاية التصميم والقصد لحرمان غيرهم، يرون في أنفسهم القدرة على إنفاذ ما عزموا وخططوا عليه.

قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ} صدموا بهذا المشهد الذي لم يخطر ببالهم! إذا بتلك الجنة الخضراء، قد استحالت سوداء قاتمة محترقة، فبهتوا من هول المطلع، وقالوا: لعلنا ضللنا الطريق، هذا ليس بستاننا! فلما تحققوا وتيقنوا قالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} أدركوا بأن هذا حرمان، وأن الله U حال بينهم وبين ما يشتهون، ليريهم قدرته عليهم، رغم أنهم قد اتخذوا جميع الوسائل والتدابير, وأقسموا الأيمان المغلظة, ولم يستثنوا، أنهم سيصرمونها، ويمنعون المساكين.

 قوله: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} انتدب واحد منهم، وهو أمثلهم، وقد كان يعظهم، ويذكرهم بحق الله، وحق الفقير، فذكرهم بما كان يقول لهم، ولا يلقون له بالً،ا ولا يكترثون به: {لَوْلَا تُسَبِّحُونَ} أي هلَّا تنزهون الله I، وتثنون بالخير عليه، وتضعون الأمور في مواضعها، وتنفذون حق المسكين الذي أمركم به. وهذا مما يقع! تجد بعض الناس يكون فيهم رجل رشيد، يدعوهم إلى الخير فلا يأبهون له، ولا يصغون إليه، ولا يتذكرون قوله إلا بعد فوات الأوان، كما قال الأول:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى    فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد

 فهذا من شؤم الإعراض عن سماع الناصحين، فإذا وجدت ناصحا فأيده وشجعه وأعنه.

قوله: {قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} لعل من الخير الذي أريد بهم؛ أنهم كانوا سريعي الفيئة، فبادروا بالاعتراف بخطيئتهم، فقد كانوا ظالمين؛ لأن الظلم هو النقص، فقد ظلموا أنفسهم بأن ارتكبوا هذه المعصية، وظلموا الفقير بأن منعوه حقه.

     وقد جعل الله تعالى في الخارج من الأرض حقًا، قال تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام:141]، فإذا أنعم الله U على امرئ بخارج من الأرض؛ من الزروع، أو من الثمار، فلله تعالى فيه حق، وللفقير فيه حق، فيجب أن يؤدي الحق الذي فيه، {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُوم * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم} [المعارج:24-25], فهم في الواقع لم يقدروا الله حق قدره حينما أزمعوا على منع حق الفقير.

واستنبط بعض العلماء أن معنى قوله: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُون* قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا} أنهم أرادوا أن ينزهوا الله تعالى عن الظلم، وأن ما أجراه الله U على بستانهم لم يكن ظلمًا منه سبحانه، بل كان عدلاً، لكن يشوش على هذا الاستنباط أنه قد ذكر ذلك بصيغة الماضي، وقال: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُون}، وما قالوه بعد ذلك بعد وقوع المحذور.

قوله: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ} يلوم بعضهم بعضًا.

قوله: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا}، وهذا نداء على النفس بما يسوء.

قوله: {إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ * عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ} أقروا على أنفسهم بالطغيان وبتجاوز الحد، وأبدوا الأسف والندم، ثم ضرعوا إلى الله U أن يبدلهم خيرا منها، وأنهم راغبون إليه, تائبون. فعلى الإنسان أن يحذر من الأماني الفارغة، ولا يقتات على الوهم، عليك دوما أن تسأل، وأن تتبين ما أنت عليه؛ أحق هو أم باطل؟ في اعتقادك، وقولك، ومعاملاتك، وكسبك، وسائر أمرك، وأن تكون على بينة من ربك.

فهذا مثلٌ حكاه الله I في كتابه, ووجه الشبه بينه وبين حال المشركين في مكة، أن الله تعالى أنعم عليهم ببعثة محمد r، فقابلوا هذه النعمة بالكفران والتكذيب، كما أن أصحاب الجنة منَّ الله عليهم بهذه النعمة، بهذا البستان الذي يغل لهم كل عام ما يكفيهم ويكفي سواهم، ثم تعاقدوا، وتواطؤوا على منع حق الله تعالى، وحق الفقير، فقوبلوا بهذه العقوبة. فاعترفوا بظلمهم لأنفسهم، وظلمهم لإخوانهم الفقراء.

وينبغي للإنسان أن يكون رجاعًا إلى الحق، وهذا هو الذي جرى لأبينا آدم u، فإنه لما عصى ربه تاب فتاب الله عليه، ولو أصر لهلك، كما هو حال إبليس، فإن إبليس لما قال له ربه: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِين} [ص:75] أبى أن يرجع إلى الحق وقال معترضًا: {أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِين} [ص:76]. فشؤم كبريائه، وعدم رجوعه إلى الحق، أودى به، وحقق عليه اللعنة إلى يوم الدين. فينبغي دوما أن يعود الإنسان نفسه على الرجوع إلى الحق، فإذا استبان له الدليل طأطأ رأسه وخضع له، فإن هذا أدعى لنجاته.

ويقال أن الله I: أعاضهم عن جنتهم تلك بعد ذلك بخير منها.

قوله: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} فثم وجه شبه بين حال أصحاب الجنة، وحال مشركي العرب، فجنوا العاقبة المرة، وهذا من تمثيل الأدنى بالأعلى، فإن حال هؤلاء لم يبلغ مبلغ الكفر. وهذا العذاب الدنيوي يكون بفوات بعض الأموال والأنفس والثمرات، لكن العذاب الأخروي أشد وأبلغ، فهو العذاب المصيري الذي لا نجاة بعده، فتفطنوا وتيقظوا أيها المشركون واحتاطوا لأنفسكم.

      ويجوز تمثيل الأدنى بالأعلى، والأعلى بالأدنى لجامع بينهما. ومن شواهد ذلك حديث ذات أنواط، أن النبي r كان مع أصحابه فمروا بشجرة يقال لها ذات أنواط، فقال: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وقد كان المشركون يعلقون أسلحتهم بشجرة في الجاهلية يبتغون بركتها فقال: « اللهُ أَكْبَرُ، هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً} [الأعراف: 138] إِنَّكُمْ تَرْكَبُونَ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ»[33]، فمثل الأدنى بالأعلى، فلم يكن الذي صدر من أصحاب النبي r شركًا أكبر، بل كان أصغر، إذ اعتقدوا سببًا لم ينصبه الله سببًا، فتبركوا بما لم يجعله الله سببًا للبركة، بينما بنو إسرائيل طلبوا عبادة غير الله!، فيصح تمثيل الأدنى بالأعلى، والعكس، لوصف جامع بينهما.

وهكذا أسدل الستار على هذه القصة العجيبة، وهذا المثل المضروب، لتنبيه المخاطبين على أهمية شكر النعمة، وعدم الاغترار بزخرف الدنيا، وتسويغ النفس الأمارة بالسوء، وتسويل الشيطان.

قوله: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} لما ذكر الله حال المعذبين، ذكر حال المنعمين، وهم المتقون، الذين يجعلون بينهم وبين عذاب الله وقاية، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. والمتقون هم أكرم الناس عند الله U لقول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير} [الحجرات:13]. والتقوى حالة تقوم بالقلب، توجب لصاحبها حساسية مرهفة تحجزه عن تقحم معاصي الله، وتحفزه على طاعة الله، وقد وصفها بعضهم بقوله:

خل الذنوب صغيرها
 

 

وكبيرها ذاك التقى

 

 

واصنع كماشٍ فوق أرض
 

 

الشوك، يحذر ما يرى
 

 

لا تحقرن صغيرة
 

 

إن الجبال من الحصى
 

 

 

التقوى: أن يتوقى الإنسان حرمات الله فلا يتجاوزها قائلًا: هذا لمم, وهذه صغيرة, وهذا سهل, ويستكثر من محقرات الذنوب. وقد ضرب النبي r لذلك مثلا لأصحابه، فقال: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى حَمَلُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يَأْخُذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ»[34]، فعلى الإنسان أن يستنبت في قلبه تقوى الله I، والحذر من الوقوع في معاصيه، لأنه إذا أحاطت به خطيئته أهلكته.

والثناء على المتقين في القرآن عظيم، كثير، {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِين} [المائدة:27]، {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون} [النحل:128]، {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [يونس: 62 - 64]، فمن اتقى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب مناهيه، فهو الحقيق بهذا الثواب، له جنات النعيم.

وتأمل التعبير بجنات النعيم بعد ذكر جنة هؤلاء، فهي جنة دنيوية، زائلة، ليست بشيء، بإزاء الجنة الأخروية، الدائمة، التي لا تفنى ولا تبيد. وهي موعود الله للمؤمنين، حتى قال النبي r في حديث الكسوف لما رأوه تقدم قال: «إِنِّي أُرِيتُ الجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا»[35].

قوله: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ}، هذا استفهام إنكاري، ينكر الله تعالى على من سوى بين المختلفات، ميزان الله تعالى ميزان عدل، ميزان قسط، لا يسوي الله تعالى فيه بين المختلفات، كما لا يفرق بين المتماثلات، فلا يكون المسلم الذي أسلم وجهه لله تعالى، وانقاد له، كالمجرم سواءً، كما قال في الآية الأخرى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار} [ص:28] يعني لا يكون هذا، فالله تعالى حكم عدل مقسط، لا يمكن أن يسوي بين الأبرار والفجار، ولا بين المسلمين والمجرمين، فكل يأخذ ما يستحق. قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} [الليل:5-7]، الجنة، {وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل:8-10] النار. فلا يمكن أن يسوي الله تعالى بين المسلمين والمجرمين، لا في الدنيا ولا في الآخرة. حتى وإن بدا للإنسان أنه يلحق المؤمنين في الدنيا الأذى، والضنك، وغير ذلك، ويرى الكفار يعيشون في رفاهية، فإن هذه صورة ظاهرة، فلا تظنن أن هذا متاع تام، بل هو منغص عليه، فالله تعالى حكم عدل مقسط. وحاشا الرب I أن يقع منه ذلك، فقد قال في الحديث القدسي: « يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا»[36].

وإذا سكن القلبَ الشعور بعدل الله تعالى، زال منه كل شعور بالغبن، والتغيظ، والأسى، وعلم أن الله I لا يظلم مثقال ذرة، كما قال: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:40].

قوله: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} استفهام إنكار وتعجب، أي كيف يخيل إليكم أن لكم كرامة عند الله، ومنزلة، ومقاما؟! القضية ليست بالدعاوى, ولا بالأماني الفارغة، ولهذا قال ربنا U: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء:123] وقد قيل: هذه أخوف آية في كتاب الله.

وأراد الله تعالى أن يزيف مقالاتهم، وشبهاتهم، وحججهم التي يتشبثون بها، ليسوغوا ما هم عليه من الشرك، والكفر بنعمة الله، وتكذيب أنبيائه ورسله, فذكر الدعاوى المحتملة وأبطلها, فقال:

{أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ}، أعندكم كتاب ترجعون إليه، وتستشهدون به، وتستدلون؟ لو قدر ذلك، فحالكم أنكم تخيرون، وتنتقون ما يعجبكم، وتدعون ما لا يعجبكم:

{إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ} استهجان لطريقتهم في الاستدلال. وفي هذا تنبيه على أن من أراد أن يستدل، فيجب على طالب العلم، والمفتي، أن يكون دافعه إصابة الحق، فلا يتشهى في استنباط الأحكام، ولا يتتبع الرخص، والبحث عن المخارج والحيل، وما يطلبه المستمعون، ويروق لهم، بل يكون حاديه إصابة الحق. وليعلم أن إصابة الحق فيها اليسر، لكن عليه أن يتبع الدليل، ولا يكون همه أن يرضي السائل، ويتزلف لذوي السلطان، كما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} [الأنعام: 91] ، فما أعجبهم أظهروه وما لم يرق لهم تأولوه، فليحذر العالم من هذا المسلك.

قوله: {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} هل أخذتم عهدا من الله U موثقا بضمان الجنة، ساريًا إلى يوم القيامة؟ كلا! بل هو مجرد تحكم ليس إلا. فآلت مزاعمهم إلى أحد أمرين: التشهي والتحكم.

قوله: {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} من يستطيع منكم أن يزعم هذا الزعم، فيقول أنا زعيم بذلك, أنا أدعي ذلك؟ لا يستطيع أحد أن ينتصب لهذه الدعوى الباطلة، وهذا أسلوب تحدي.

قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}، يعني: أيزعمون أن لهم آلهة تحول بينهم وبين عذاب الله وتدخلهم الجنة وتمنعهم من النار؟ {فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ}، والحق أن أولئك الشركاء من الأصنام والمعبودات دون الله U لا تغني عنهم شيئا، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُون} [الأحقاف:5]. هذا حال المشركين المتعلقين بهذه المعبودات؛ سواء كانت أصنامًا، أو أمواتاً، أو بشرًا، أو جنًا، أو ملائكة ،كل من تعلق بمعبود سوى الله U فإنه لا يغني عنه من الله شيئا.

والشرك كخيط العنكبوت، {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون} [العنكبوت:41]، فالذين يتخذون شركاء يدعونهم من دون الله U ويلتجؤون إليهم فإنهم في الواقع قد جازفوا وغامروا في حياتهم بدنياهم وأخراهم، ولا يغني عنهم ذلك من الله شيئا.

فعلى الإنسان أن يعتصم بالعروة الوثقى التي هي التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذا هو مشروع الأنبياء جميعا جاءوا لأقوامهم ليثبتوا التوحيد ويرسخوه في نفوسهم ويقطعوا جميع التعلقات التي يتعلق بها المشركون من عبادة غيرا لله U.

 

     وهكذا يتقصى القرآن كل دعوى يدعونها، وكل شبهة يتذرعون بها، فينسفها نسفًا. وهذا مسلك شرعي، وينبغي لأهل العلم والإيمان أن يأخذوا به، ويتصدوا لأهل الضلالات، ومتبعي الشبهات، فيردوا عليهم بالحجة والبرهان، ويبطلوا قولهم على الملأ. وأسلوب التحدي يحتاج إليه طالب العلم أحياناً، لمحق الشبهة، وهو يدل على الثقة، والاعتداد بالحق. وهذا شأن العالم الرباني.

ونحن في زمن بات كل زنديق يتمكن من نشر غثاءه على الملأ، عن طريق الوسائط الإعلامية، فلا بد لأهل العلم والإيمان أن يردوا عليه، ويقطعوا دابر فتنته، لأن من الناس من يكون ساذجًا، ضعيف العقل، رقيق الدين، يشرق بالفتنة، و يشقى بالشبهة فتضله، فمسؤولية أهل العلم والإيمان أن يردوا على الملاحدة، والزنادقة، وأهل البدع والأهواء، بالحجة والدليل.

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: سنة الله الكونية في الابتلاء.

الفائدة الثانية: مشابهة المشركين الناكرين لنعمة النبوة، لأصحاب الجنة الناكرين لنعمة الجنة.

الفائدة الثالثة: الاستثناء عند الإخبار عن الأمور المجزوم بها.

الفائدة الرابعة: كمال قدرة الله.

الفائدة الخامسة: الفرق بين مشيئة العبد، ومشيئة الرب.

الفائدة السادسة: إحضار الشح في النفوس.

الفائدة السابعة: شؤم التعاون على الإثم والعدوان.

الفائدة الثامنة: إثبات حق الله، وحق المسكين، في الخارج من الأرض.

الفائدة التاسعة: شؤم الإعراض عن سماع الناصحين.

الفائدة العاشرة: وجوب تسبيح الله، وتنزيهه عن العجز والظلم. 

الفائدة الحادية عشرة: فضيلة التوبة، والمراجعة، والاعتبار.

الفائدة الثانية عشرة: تمثيل الأدنى بالأعلى، والأعلى بالأدنى، لجامع بينهما.

الفائدة الثالثة عشرة: فضيلة التقوى، وحسن عاقبتها.

الفائدة الرابعة عشرة: كمال عدل الله بين عباده، وتنزيهه عن الظلم.

الفائدة الخامسة عشرة: النكير على من سوى بين المختلفات، وفرق بين المتماثلات. 

الفائدة السادسة عشرة: إبطال حجج المكذبين وتقصيها بالرد والإنكار.

الفائدة السابعة عشرة: التحذير من الهوى والتشهي في استنباط الأحكام والفتاوى. 

الفائدة الثامنة عشرة: التحذير من الأوهام والأماني الباطلة.  

الفائدة التاسعة عشرة: أسلوب التحدي والمواجهة. 

الفائدة العشرين: إبطال الشرك وتهافته وعدم جدواه لأصحابه.

 

قوله: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُون} [القلم:42]. يوم: ظرف، والظرف له متعلق، فذهب ابن كثير إلى أن ذلك اليوم متعلق بقوله: {لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيم} [القلم:34] فبينما يكشف عن ساق، ويلحق الكافرين كرب عظيم وشدة، فالمتقون في جنات النعيم. وقال بعض أهل العلم: بل متعلقة بـ( يأتوا), في قوله: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِين} [القلم:41] أي أنهم يطالبون بأن يأتوا بشركائهم من دون الله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ}، وكلاهما متوجه، ولا تمانع بين المعنيين.

وقد اختلف المفسرون في معنى الآية، فذهب ابن عباس t، ومجاهد، وسعيد بن جبير، إلى أن المراد بالساق هنا: الشدة والكرب، قال ابن عباس: عن أمر عظيم ،كقول الشاعر: وقامَتِ الحَرْبُ بنا على ساقٍ... وقال: حين يكشف الأمر، وتبدو الأعمال، وكشفه: دخول الآخرة وكشف الأمر عنه... وقال: هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة... وقال: هي أشد ساعة في يوم القيامة[37].

وذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود بالساق هنا، صفة لله U، كما أن لله تعالى وجها كريمًا لا يشبه وجوه المخلوقين، وكما أن له يدان كريمتان لا تماثلان أيدي المخلوقين، فله ساق عظيم يليق بحلاله وعظمته. وظاهر الآية لا يدل على هذا، لأن الله لم يضف الساق إلى نفسه كما أضاف اليد إلى نفسه في قوله: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1]، أو الوجه إلى نفسه في قوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27]، فظاهر الآية لا يدل على أنها صفة.

لكن الذي يدل على ذلك حديث أبي سعيد t مرفوعًا قال: « أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ »[38],  وفيه: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، فَيَبْقَى كُلُّ مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا»[39] ، فيكون الحديث مفسرا للآية.

ولا ينبغي للمؤمن أن يستشنع شيئًا من آيات الصفات وأحاديثها، فالله I أعلم بنفسه، وأصدق قيلاً، وأحسن حديثا من خلقه، وهو I ليس كمثله شيء، كما أن نبيه r أعلم بربه، وأصدق قولاً من سائر البشر، وأفصح لسانًا ، وأبين بياناً، وأنصح للأمة، فلا يحل لأحد أن يرد ما نطق به من لا ينطق عن الهوى، لمجرد شناعة استشنعها. فتكون الآية دالة على إثبات صفة الساق لله I. ولا يمنع أن يكون هذا الحال موافقًا لكرب وشدة تعتري الناس في مواقف القيامة، فإن يوم القيامة يوم طويل، وفيه من الأهوال، والأحوال الجسام، ما لا يحيط به وصف، فيكون هذا من أشد ما يبتلون به.

وقد حرر ابن القيم، رحمه الله، هذه المسألة، أعني مسألة دلالة الآية على صفة الساق، في الصواعق المرسلة، فقال: (والصحابة متنازعون في تفسير الآية هل المراد الكشف عن الشدة أو المراد بها أن الرب تعالى يكشف عن ساقه ولا يحفظ عن الصحابة والتابعين نزاع فيما يذكر أنه من الصفات أم لا في غير هذا الموضع وليس في ظاهر القرآن ما يدل على أن ذلك صفة لله لأنه سبحانه لم يضف الساق إليه وإنما ذكره مجردا عن الإضافة منكرا والذين أثبتوا ذلك صفة كاليدين والإصبع لم يأخذوا ذلك من ظاهر القرآن وإنما أثبتوه بحديث أبي سعيد الخدري المتفق على صحته وهو حديث الشفاعة الطويل وفيه " فيكشف الرب عن ساقه فيخرون له سجدا" ومن حمل الآية على ذلك قال قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ} [القلم42] مطابق لقوله فيكشف عن ساقه فيخرون له سجدا وتنكيره للتعظيم والتفخيم كأنه قال يكشف عن ساق عظيمة جلت عظمتها وتعالى شأنها أن يكون لها نظير أو مثيل أو شبيه قالوا وحمل الآية على الشدة لا يصح بوجه فإن لغة القوم في مثل ذلك أن يقال كشفت الشدة عن القوم لا كشف عنها كما قال الله تعالى {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} [الزخرف50] وقال {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ} [المؤمنون75] فالعذاب والشدة هو المكشوف لا المكشوف عنه وأيضا فهناك تحدث الشدة وتشتد ولا تزال إلا بدخول الجنة وهناك لا يدعون إلى السجود وإنما يدعون إليه أشد ما كانت الشدة)[40].

فالذي يتحصل: أن هذه الآية، مقرونةً بحديث أبي سعيد الخدري، تدل على إثبات هذه الصفة لله U على الوجه اللائق به.

 وقد ورد عدة قراءات في هذا اللفظ، والقراءة المشهورة {يُكْشِفُ} وورد أيضًا: {نكْشِفُ}، وورد بالتاء، {تُكْشَفُ}، وورد قراءات أخر.

وفيها دلالة على أن التكاليف لا تنقطع بالموت، وأن الدار الآخرة فيها أوامر ونواهي؛ فالسجود عبادة مأمور بها. فليس صوابا إطلاق القول بعدم التكليف في الآخرة، وإن كان الله تعالى أراد بذلك أن يميز بين من كان يعبده عبادةً لا رياء فيها ولا سمعة، ومن كان يستنكف عن عبادته، أو يفعله نفاقًا.

قوله: {فَلاَ يَسْتَطِيعُون} [القلم:42] تعود ظهورهم كصياصي البقر، وكما عبر بعض المفسرين: كأنما فيها سفافيد. والسفود: هو الحديدة أو السيخ الذي ينظم فيه اللحم، فكأن فقار ظهره شُكَ بسفود، فلا يستطيع أن يحنيه، فإذا هم أن يسجد تلقاء وجهه، انقلب على قفاه. وهذا مناسب لحاله في الدنيا؛ فإن المنافق الذي يتظاهر بخلاف ما هو عليه، هكذا يجازى يوم القيامة، فيتحول سجوده إلى سجود عكسي، فينقلب على قفاه والعياذ بالله.

قوله: {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُون}، ليس هذا من التكليف بما لا يطاق؛ بل من العقوبة وإظهار الخزي، فلا يدخل في مسألة العجز لعذر، فالله I قد عذر من لا يستطيع أن يصلي قائمًا أن يصلي جالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، فهذا غير داخل في هذه المسألة. قال النبي r: « صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ »[41], وإنما ركَّبهم الله تعالى على هذه الصفة يوم القيامة ليظهر خزيهم، ويكون جزاءهم من جنس عملهم.

     قوله: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} خاشعة بمعنى خاضعة، والبصر يعبر عما في القلب، بل الوجه كله يعبر عما في القلب. وأشد مظاهر التعبير من الوجه العينان، ولهذا قال الله U عن الكفار يوم القيامة: {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى:45]، وذلك لما يعتريهم من الرعب، والرهبة، والخوف مما يعاينون. قوله: {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} أي يعتريهم خزي وعار، وأي عار وشنار أشد من ذلك الموقف، حينما يوقفون على حقيقة حالهم، وكفرهم بالله رب العالمين، المستحق للعبادة دونما سواه.

قوله: {وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُون} [القلم:43]، هذه مقابلة ذات عبرة! في الدنيا كانوا يتمتعون بالصحة، والعافية، والقدرة على فعل الطاعات، وترك المحرمات، لكنهم كانوا مستكبرين مستنكفين، واليوم بدل الاستكبار ذلة، وبدل التباهي، والتفاخر، خضوع، وخشوع، وانكسار، وقد كانوا سالمين.

     والسجود من أعظم مظاهر العبودية؛ حينما يضع الإنسان أشرف ما فيه؛ وهو وجهه وجبهته على الأرض، فالسجود عبادة عظيمة، ولا صلاة بغير سجود، فعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى الْعَاصِ: (أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْزَلَهُمُ الْمَسْجِدَ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُحْشَرُوا وَلاَ يُعْشَرُوا وَلاَ يُجَبُّوا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَكُمْ أَنْ لاَ تُحْشَرُوا وَلاَ تُعْشَرُوا وَلاَ خَيْرَ فِى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ رُكُوعٌ")[42].

وفي الآية دليل لطيف على وجوب صلاة الجماعة؛ فإن الدعاء إلى السجود في الدنيا، بأن يقول المؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فالذي لا يجيب دعاءه، ولا يسعى إليه، عاصٍ لله بترك صلاة الجماعة.

وفي هذا إشعار للمؤمن بأن عليه أن يغتنم صحته، ونشاطه، وشبابه، قبل أن يحال بينه وبين ذلك حتى في الدنيا قبل الآخرة، « اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ »[43]، وقال: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تُنْظَرُونَ إِلَّا إِلَى فَقْرٍ مُنْسٍ، أَوْ غِنًى مُطْغٍ، أَوْ مَرَضٍ مُفْسِدٍ، أَوْ هَرَمٍ مُفَنِّدٍ، أَوْ مَوْتٍ مُجْهِزٍ، أَوِ الدَّجَّالِ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةِ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ»[44].

فالعاقل من يغتنم فرصة التمكن فيستكثر من العمل الصالح، ويزيد من رصيده فيما يفرح به يوم القيامة، أما أولئك فقد عكسوا القضية، وتركوا العمل وهم سالمون، حتى أُظهر لهم حاجتهم وافتقارهم إلى العمل لما حيل بينهم وبينه.

قوله: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} [القلم:44]، كأنما يقول: خلِّ بيني وبينه، دعْ أمره إلي، أنا أتولاه، فهي عبارة تهديد ووعيد، لو صدرت من أحد سلاطين الدنيا وجبابرتها لكان لها وقع مخيف، فكيف وقد صدرت من الله U؟! كما قال في المدثر: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُودًا} [المدثر:11-12]. والمراد به من ذكر في أول السورة من المكذبين بالقرآن العظيم، الواصفين له بأنه أساطير الأولين, فأعاد ذكرهم، وتوعدهم. 

     والمراد بالحديث القرآن العظيم. ومن أسماء القرآن الحديث، ولا شك أن الله تحدث به، وقال سبحانه عنه: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون} [الأنبياء:2]، وقال: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ } [الشعراء: 5] لأن الله يتكلم متى شاء، كيف شاء، فهو سبحانه تكلم بالقرآن العظيم حين اقتضت حكمته ومشيئته.

قوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُون} [القلم:44] الاستدراج كما وصفه: من حيث لا يعلمون، نوع من المكر والكيد، فهو استزلال لهذا الكافر شيئًا فشيئًا، فيخيل إليه أنه على شيء، ثم يكتشف فجأة أنه ليس على شيء، وأن أمره ذهب سدى. فالاستدراج يكون بأن يمهل الله للظالم، والكافر، والفاسق، والفاجر، والمشرك، حتى يأخذه على حين غرة.

وقد جاء في الحديث: « إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] »[45], ومن تأمل فيما جرى في سابق العصور؛ من الأقوام الذين خالفوا أنبياءهم، وفي مجريات الأحداث المعاصرة، يجد هذه السنة الربانية مطردة. يتبجح الظالم، ويرى لنفسه السيطرة والاستطالة، فيأتيه الله تعالى من حيث لم يحتسب.

ففرعون على سبيل المثال بلغ به الحال أن يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]، وأن يقول لقومه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، ويقول لموسى: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29]، ويقول: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى} [غافر: 29], ويقول: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُون * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِين} [الزخرف:51] هكذا يبلغ الغرور، والعجب، والزهو بالإنسان حينما ينسى حقيقة العبودية، إزاء حقيقة الألوهية، يأتي بهذه العجائب والمضحكات. فماذا كان شأنه؟ أغرقه الله في الماء الذي كان يتمدح به، وأن الأنهار تجري من تحته، أهلكه الله وأغرقه في اليم.

 فعلى المؤمن أن يتفطن لنفسه، فإن كان يقع منه ظلم للآخرين، فليعلم أن تمكين الله له بهذا لا يعني أنه بمنأى، ومنجى، ومعزل عن العقوبة، فإنه يمهل له، والظلم مرتعه وخيم. من يظلم من تحت يده؛ من زوج، أو ولد، أو أجير، أو غير ذلك، فلا يظن أن قدرته عليه تعني استباحة حقه، والنيل منه، ليعلم أن الله I يمهل لكنه لا يهمل.

وكذلك من يظلم نفسه بالإسراف بالمعاصي والذنوب، قد يأتيه الله على حين غرة ،كما أخبر الله I عن أهل القرى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُون* أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُون * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُون} [الأعراف:97-99].

فالذي ينبغي للمؤمن أن يكون على وجل، وأن ينشأ في قلبه ورع، وخوف، وتحرج، وتحوط من الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة.

قوله: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين}، في الآية إثبات صفة الكيد لله تعالى، فقد وصف نفسه بالكيد، والمكر، والمخادعة، والاستهزاء، في آيات صريحات، فقال I: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق:15-16]، وقال: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين} [الأنفال:30]، {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون} [النمل:50]،: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15]، {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142], وقال: {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13].

فالواجب إثبات ما أثبت الرب لنفسه في كتابه، أو أثبته له نبيه r، على الوجه اللائق به. لكن هذه الصفات من الصفات المتقابلة، التي تنقسم مدلولاتها إلى محمود ومذموم، فالكيد، والمكر، والخداع، والاستهزاء،، والمحْل ، نوعان: محمود، ومذموم.

الكيد والمكر يدلان على إيصال العقوبة بطريقة خفية، فإن كانت العقوبة تصل إلى مستحق فهو محمود، وإذا كانت تصل إلى غير مستحق فهو مذموم، مثال ذلك: لو أن رجلا محتالاً، احتال علي الناس، ومكر بهم، واستولى على أموالهم، وأغراهم بأنه يريد أن يتاجر بها، وأطمعهم بالأرباح، ثم فر بها، فهذا نسميه ماكرًا، ونسمي عمله مكرًا، نسميه كائدًا، ونسمي عمله كيدًا، لكنه مذموم، لأنه أوصل الأذى والضرر إلى الآخرين، بطريق خفي، بغير وجه حق.

فلو انتدب له رجل من رجال الأمن، من الشرطة الجنائية، واستدرجه،  وقال لدي مال، وأحب أن أتجر به، وأغراه حتى تمكن من القبض عليه وإيداعه السجن، فهذا مكر وكيد وخداع محمود، لأنه وصل إلى مستحقه.

فالذي يُثبت لله تعالى من هذه الأوصاف ما كان محمودا؛ لأن الله له صفات الكمال، لا يتطرق إليه النقص بحال من الأحوال، ولهذا نجد أن الله يثبتها على سبيل المقابلة، كما في الآيات السابقات، مثل: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا } [النمل:50]، {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا}، {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142].

 ولا يجوز أن يشتق منها أسماء لله، فلا يقال من أسمائه الماكر، الكائد، المخادع، المستهزئ، حاشا وكلَّا! لأنها توهم معنى فاسدًا. فلما كانت يمكن أن توهم معنى فاسدًا لم يشتق منها أسماء حسنى، بل ولا يخبَر بها عن الله، إلا على سبيل التقييد، فيقال: يخادع المخادعين، يستهزئ بالمستهزئين، يكيد بالكائدين، يمكر بالماكرين، تعظيمًا لجناب الرب، وتنزيهًا له عن صفات النقص، والعيب، ومماثلة المخلوقين.

قوله:{إِنَّ كَيْدِي مَتِين} أي شديد، بخلاف كيد الناس، فإنه واهٍ، ضعيف. فإنه سبحانه، يحكم الوقيعة بأعدائه، ويستدرجهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.

قوله:{أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُون} أي: هل طالبتهم بعوض، وغرم، لقاء دعوتك إياهم؟ فهم إنما ردوا دعوتك لأنهم لا يطيقون تحمل هذا الغرم الثقيل، لا والله،! {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } [الفرقان: 57]، قالها جميع أنبياء الله لأقوامهم، وبينوا لهم بأن  ليس لهم غرض دنيوي، وأنهم لا يسعون لأمجاد شخصية، ولا لدواعي حزبية، أو قومية، أو إقليمية, بل هي خالصة لله, كما أمر نبيه:{قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ} [يوسف:108]. فدعوة الأنبياء جميعًا، نقية، خالصة لله رب العالمين، ليس فيها شائبة. وهذا أمر مهم، يجب أن يتلبس به الداعية إلى الله U، فيحرص أن تكون دعوته غير مشوبة بأغراض شخصية. فالناس حين يشعرون أن داعية من الدعاة له غرض شخصي، أو يريد أن يستجدي بموعظته بعض الأعطيات، يسقط من أعينهم، ولا يولونه ثقتهم، ولا يسلمون قلوبهم إلا لمن رأوا أنه يريد نفعهم وبرهم، وأنه لا ينشد إلا الله والدار الآخرة، فلا بد للداعية أن ينسج على منوال الأنبياء.

قوله: {أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُون} [القلم:47] إن لم يكن ما سبق، فهل يدَّعون أنهم مستغنون عن دعوتك بما عندهم من العلوم، فهم يستنسخون من وراء سجف الغيب؟ والحقيقة: لا هذا ولا هذا، فليس لهم متعلق يتعلقون به.

فلمَّا فنَّد جميع شبهاتهم، وأبطل جميع متعلقاتهم، أمر نبيه بالصبر على أذاهم، واتهامهم إياه بالتهم المذكورة في صدر هذه السورة؛ كالجنون، والفتنة، والضلال، والكذب، فقال:

{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } [القلم:48] يعني: فاصبر على أذاهم فسيحكم ربك. والنبي r، وجميع المؤمنين، مأمورون بالصبر لحكم الله الشرعي، ولحكم الله القدري؛ فالحكم الشرعي هو الأوامر والنواهي، والحلال والحرام، فكل ما حكم الله U به شرعًا فيجب أن نقبله، ونسلم له، قال الله U: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون} [المائدة:50]، وقال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء:65]، فلا يعترض أحد على حكم الله الشرعي؛ من الحدود، كقطع يد السارق، ورجم الزاني، أو التشريعات، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، أو الكفارات، كالديات في الجنايات.

وهذه الآية دليل على أن من رد شرع الله، وارتضى الأحكام البشرية، والقوانين الوضعية، أيًا كان مصدرها، واستعاض بها عن حكم الله U فقد زال عنه وصف الإيمان.

كما أن الإنسان مطلوب منه أن يؤمن بحكم الله القدري؛ وهو ما يقضيه الله قدرًا وكونً،ا من أنواع المصائب والبلاء، فإنه لا يخلو منها مسلم ولا كافر، ولا بر ولا فاجر، فأما المؤمن فيتلقاها بالصبر، قال الله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [التغابن:11]. قال علقمة: (هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم)[46]. ولا يعترض على حكم الله القدري، كما يقع من بعض الجهلة، فيقول: رب لما فعلت بي كذا؟، ها أنا أصلي، وأزكي، وأصوم، وأحج! فلمَ أصبتني بكذا؟ بل يجب أن يحسن الظن بربه، فإن الله لا يقضي على المؤمن قضاء إلا كان خيرا له.

والصبر، في أصل معناه في اللغة: المنع والحبس، في الاصطلاح: حبس النفس عن الجزع، وحبس اللسان عن التشكي والسخط، وحبس الجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب، وعادات الجاهلية. والصبر ثلاثة أنواع:

- الصبر على طاعة الله: بأن يصبِّر نفسه على الطاعات، والمأمورات، فلا يستثقلها، بل ينتدب لها، ويأتي منها ما استطاع.

- الصبر عن معصية الله: بأن يردع نفسه عن الوقوع في معاصي الله، فلا يقترفها، بل يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية باجتنابها.

- الصبر على أقدار الله المؤلمة: هو ما تقدم بيانه.

وقد اختلف العلماء هل الرضا واجب أم مستحب؟ والصحيح أنه مستحب. وقد ذهب أبو الوفاء بن عقيل، رحمه الله، إلى أن الرضا واجب، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، رحمهما الله، أن الواجب هو الصبر، وأن الرضا مستحب. ومعنى الرضا: أن يستوي عنده الحالان، وهذا لا يبلغه كل أحد. أما الصبر فالحد الأدنى أن يعقل لسانه؛ فلا يتكلم بالسخط، ويعقل جوارحه، فلا يفعل فعل الجاهلية، ويعقل قلبه؛ فلا يسيء الظن بربه، بل يحسن الظن بربه[47].

قوله: {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُوم} [القلم:48] صاحب الحوت هو يونس u، ذو النون، فصاحب الحوت r ضجر من قومه، بسبب كفرهم، وإبائهم، واستكبارهم، فخرج مغاضبًا، قبل أن يأذن الله تعالى له بذلك، وفارق قومه، فساقه الله تعالى إلى الفلك المشحون، فركب معهم، فثقل بهم الفلك حتى كاد أن يغرق، فاتفقوا على أن يجروا قرعة، ويرموا أحدهم، ليخف الفلك، فوقعت القرعة على يونس، عليه السلام. وجاء في بعض الآثار أنهم أسفوا لذلك، فأعادوا القرعة ثانيةً، وثالثة، فتقع عليه! فأُلقي في اليم، فالتقمه حوت قد فغر فاه، وتلقاه بمجرد إلقائه، وانحدر إلى جوفه! فكان في ظلمات ثلاث؛ ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. ومعنى مكظوم: أي مهموم مغموم، بلغ به الأمر شدته، أو كظم عليه جوف الحوت. والأقرب أن المقصود بالكظم هنا: ما اعتراه من الهم، والغم، والكرب الشديد. والنداء الذي نادى به فسرته الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: {لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين} [الأنبياء:87]. فارتفع نداؤه إلى السماوات العلا، وسمعته الملائكة، وقالت يا رب صوت لم يزل يرتفع منه دعاء مجاب، وكلم طيب، فقال: ذاك عبدي ذا النون كذا وكذا، فقالت الملائكة: يا رب ألا تغفر له بسابقة عمله؟ فأنجاه الله I.

والقرآن يبسط القصة في مواضع، ويختصرها في مواضع. قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء: 87، 88]

     والمقصود أن الله نهى نبيه عن هذا الصنيع، وهو أن يحمله الضجر على العجلة، وفعل ما لم يأذن الله U به.

قوله: {لَوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُوم}، في بعض القراءات: (تَدَّارَكُهُ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِّ، وفي بعضها بالتخفيف، ومعناها واحد.

والنعمة التي أدركته هي نعمة التوبة، تاب فتاب الله عليه، ولو أنه لم يتب ويسبح، لكان كما قال الله: {فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِين* لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون} [الصافات:143-144], أي لكانت مقبرته الدائمة. ومعنى نبذ: أي أُلقي بالعراء، والمراد به الأرض الفضاء، حيث إن الله أمر الحوت أن يشق أطباق الماء، ويلفظه. فخرج هذا الكائن الهزيل، الذي تساقط جلده، وصار كفرخ الطير، على ضفاف البحر.

وليس المراد بقوله: وهو مذموم: وصفه بالذم، بل نفيه عنه؛ فإن (لولا) حرف امتناع. أي لولا تسبيحه وتوبته، لنبذ مذمومًا، لكنه لم ينبذ مذمومًا، بل محمودًا. ففرق بين حاله حين ألقي، وحين نبذ؛ فحين ألقي كان ملومًا، كما قال تعالى: {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [الصافات: 142]، وحين نبذ كان منعمًا عليه، محمودًا، غير مذموم، كما في سياق الآيات هنا، وفي الصافات، كما قال الله: {وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 146، 147]. واليقطين: نوع من القرع، ورقها لين، له ظل، فأظلته حتى استعاد عافيته وقوته.

قوله: {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِين} [القلم:50] اجتباه: بمعنى اصطفاه، ورضي عنه، وآمن به قومه، كما قال في الصافات: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين} [الصافات:147-148]، وذلك أن قومه بعد أن خرج من بين ظهرانيهم، ندموا على ما وقع منهم، وخرجوا يطلبونه فنجوا.  كما قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين} [يونس:98]

والمقصود هنا ضرب المثل لتصبير النبي r، وليس التثريب على ذي النون، عليه السلام، فإن الله قد تاب عليه، ولا يجوز لأحد كائنًا من كان أن يذمه، فإن الله U رفع عنه المذمة، واجتباه، وأصلحه، كما أخبر. وقد جاء في الحديث أن النبي r قال: « لاَ يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى »[48].

كما أن آدم u ليس لأحد أن يذمه على أكله من الشجرة؛ لأن الله I قد تاب عليه، فعن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللهُ بِكَلَامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ " فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى»)[49].

وهكذا من دون الأنبياء، فليس لأحد أن يذم من تاب. فإن رحمة الله أوسع من مذمته ولومه.

وأما المفاضلة بين الأنبياء ففيها تفصيل؛ فلا ريب أن الأنبياء يتفاضلون؛ لأن الله قال: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [البقرة:253]، فأفضلهم الخليلان: إبراهيم، ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأفضل الخليلين محمد r، ثم يليهما موسى، ثم يليهما نوح u وعيسى u، فإنها في درجة واحدة عند معظم العلماء. وهؤلاء أولو العزم من الرسل، الذين ذكرهم الله في موضعين من القرآن مقترنين، ثم بقية أنبياء الله.

أما المفاضلة على سبيل التباهي والتفاخر، أو على سبيل تنقص الطرف الآخر، فلا تجوز، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ جَاءَ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ ضَرَبَ وَجْهِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، فَقَالَ: مَنْ؟ "، قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: «ادْعُوهُ»، فَقَالَ: «أَضَرَبْتَهُ؟»، قَالَ: سَمِعْتُهُ بِالسُّوقِ يَحْلِفُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ، قُلْتُ: أَيْ خَبِيثُ، عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ ضَرَبْتُ وَجْهَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى»[50]. فهذا النهي محمول على المخايرة التي تكون على سبيل المباهاة، كأن يقول: نبينا خير من نبيكم! فيقابله آخر ويقول: بل نبينا خير من نبيكم، فهذا ليس من شأن العقلاء. أو أن يكون على سبيل التنقص للنبي الآخر، لأمرِ ابتلاه الله به لحكمة بالغة

قوله: {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ} [القلم:51] وفي قراءة: ليَزْلِقُونَكَ؛ لأنها إما من "زلق" أو "أزلق"، فإذا اعتبرنا فعلها أزلق فالقراءة: لَيُزْلِقُونَكَ، وإن كانت من زلق فهي ليَزْلِقُونَكَ.

وللمفسرين في هذه الآية قولان، بعضهم يقول: أي يعينونك، من العين، والعين حق، وأن من طرائق المشركين لإيصال الأذى إلى النبي r أن يصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش، وقالوا: ما رأينا مثله، ولا مثل حججه. وقيل: كانت العين في بني أسد، حتى إن البقرة السمينة، أو الناقة السمينة، تمر بأحدهم فَيُعَايِنُهَا ثم يقول: يا جارية، خذي المكتل والدرهم، فأتينا بلحم هذه الناقة، فما تبرح حتى تقع للموت، فتنحر. وقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل شيئًا يومين أو ثلاثة، ثم يرفع جانب الخباء، فتمر به الإبل، أو الغنم، فيقول: لم أر كاليوم إبلاً، ولا غنمًا أحسن من هذه! فما تذهب إلا قليلاً حتى تسقط منها طائفة هالكة. فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعين، فأجابهم، فلما مر النبي صلى الله عليه وسلم أنشد:

قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسِبُونَكَ سَيِّدًا
 

 

وَإِخَالُ أَنَّكَ سَيِّدٌ مَعْيُونُ
 

 

فعصم الله نبيه صلى الله عليه وسلم وَنَزَلَتْ: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ[51].

وذهب بعض المفسرين إلى أن الآية لا تدل على العين، وإنما المراد بذلك أنهم ينظرون إليك نظرا حديدًا شديدًا، من شدة تغيظهم عليك، حتى تكاد تقع في مشيتك. وهذا أمر يدركه الناس، فحينما يمشي إنسان بين قوم يحدون النظر إليه، قد يرتبك، ويلحقه الحرج، ويقع من شدة نظرهم.

والعين حق ولا شك، وإنما الخلاف المراد بهذه الآية. وقد ذهب ابن كثير، رحمه الله، على أن الآية تدل على إثبات العين، وساق جملة من الأحاديث الدالة على إثبات العين:

منها: حديث أنس t قال: قال رسول الله r: « لا رُقْيةَ إلا منِ عَيْنٍ أو حُمَةٍ أو دَمٍ لا يَرْقأ»[52] قال رسول الله r: « : لاَ رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ »[53]، وقال النبي r: « الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا » [54].

وعن ابن عباس قال: كان رسول الله r يعوذ الحسن والحسين يقول: « كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: " إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لاَمَّةٍ »[55].

ومنها: حديث جابر t أن رسول الله r اشتكى، يعني مرض, فأتاه جبريل فقال: « بِسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، وَاللهُ يَشْفِيكَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُؤْذِيكَ، وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ » [56]، وقال r: « العَيْنُ حَقٌّ»[57], ومنها: حديث أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين، جعفر بن أبي طالب، تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ يعني أطلب لهم الرقية؟ قال: « الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا »[58].

ومنها حديث عائشة أن رسول الله r أمرها أن تسترقي من العين، أخرجه الشيخان وابن ماجة، وعنها قالت: قال رسول الله r: « اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ »[59], أخرجه ابن ماجة، وعنها قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ، ويغسل منه المعين، -يعني الذي أصابته العين-، رواه أبو داود [60].

يفسر هذا حديث أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ، وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَزَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ، اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَكَانَ رَجُلًا أَبْيَضَ، حَسَنَ الْجِسْمِ، وَالْجِلْدِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: مَارَأَيْتُ كَالْيَوْمِ، وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ فَلُبِطَ بِسَهْلٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ؟ وَاللهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَمَا يُفِيقُ، قَالَ: " هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ؟ " قَالُوا: نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامِرًا، فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: " عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ هَلَّا إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ؟ " ثُمَّ قَالَ لَهُ: " اغْتَسِلْ لَهُ " فَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ، وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ)[61].

فهذا يدل على كيفية معالجة العين، وأنه إذا تحقق الإنسان أن أحدًا عان أحدًا، فإنه يؤخذ أثر من العائن؛ من وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ، وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ، وما يباشر بدنه، كالإزار، أو الفانيلة، أو الطاقية التي يعرق عليها، ويغمس في ماء، أو من فضل وضوئه، ثم يصب صبًا فوق رأس المعين، وعلى ظهره، فيعود معافى بإذن الله تعالى.

وليس في الأحاديث أنه يشرب منه ،كما يتوهم بعض العامة، وإنما يصب عليه. وهذا أمر ثابت حقًا ولا ينكره إلا مكابر أو جاهل. فإن العين حق يعرفها الناس قديمًا وحديثًا، لكن من الناس من يبالغ في الخوف من العين إلى درجة الرُّهاب، فيحمله ذلك على تعطيل مصالحه، وعدم المضي في حاجته ، وهذا نقص في التوكل. كما أن من الناس من ينكرها، أو يستهين بها.

فالذي ينبغي للإنسان أن يؤمن بأن العين حق، ويستعيذ بالله من شرها، ويحافظ على المعوذتين، وأذكار الصباح والمساء، ويمضي لشأنه، ولا يعطل مصالحه، فإن الله I قد قدر المقادير. فإن أصابه شيء من ذلك، سعى في رفعه، ولهذا قال النبي r: « وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا»[62], فمن طُلب منه أن يستغسل، لم يمتنع بدعوى دفع التهمة، فربما وقع منه ذلك! فلا يضره أن ينفع أخاه، فإن هذا أدعى لإبراء ذمته.

لكن ينبغي الحذر من المغالاة في ذلك، فإن من الناس من يصيبه نوع من الوسواس في العين، فيخيل إليه أن كل ما يطرأ عليه من الأعراض البشرية بسبب العين، دون قرينة أو سبب، ويدخل في دوامة من الأوهام، وينتقل من باب ظن إلى باب، ويوزع التهم على عباد الله يمنة ويسرة. وهذا لا يجوز، فإنه من الظن المحرم، والظن أكذب الحديث. وقد قال النبي r: هل تتهمون من أحد؟ يعني هل لديكم قرينة على العين؟، أما إذا لم يكن شيء، فما أكثر الأعراض البشرية المشتركة، قد يصاب الإنسان بالصداع، بالمغص وغيرها من الأمراض ويكون لأسباب أخر سوى العين، فهذا لون. واللون الآخر من ينكر العين ولا يؤمن إلا بالمحسوسات، فهذا جهل مقابل، فالتوسط مطلوب في جميع الأمور.

قوله: {لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون} [القلم:51] الذكر هو القرآن، والمبطلون يلقون بالتهم جزافًا، ويفتقون الدعاوى، ويبتكرون المصطلحات الإعلامية، في وصم المؤمنين بالسوء ؛كمصطلح الإرهاب، والأصولية، وغيرها. وقد برَّأ الله نبيه في أول السورة من هذه التهمة الصلعاء، فقال: {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون} [القلم:2]، فهذه دعوى تذرعوا بها، لينفروا الناس من نبينا r، وما جاء به من الوحي المبين.

قوله: {وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين} [القلم:52]، فالقرآن العظيم ذكر للعالمين جميعا، لا يختص بقريش وحدها، ولا بالعرب وحدهم، قال تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون} [الأعراف:158]، وقال:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء:107]. فالقرآن ذكر للعالمين، يعني يذكرهم بما خلقوا لأجله من عبادة الله، ويذكرهم بحق ربهم عليهم من العلم به بأسمائه وصفاته، ويذكرهم بعبوديتهم له، وما ينبغي له تعالى من الطاعة، وفعل الأوامر، واجتناب المناهي، ليس لمجرد التطريب بسماعه بأنواع الأداء والقراءات، وحسب! لكن ما هو أعظم من ذلك؛ وهو ما يتضمنه من المعاني والحقائق.

الفوائد الْمُستنبطة:

الفائدة الأولى: إثبات صفة الساق لله تعالى، باقتران دلالة الكتاب والسنة.

الفائدة الثانية: أن التكليف والعبادة لا ينقطعان بالموت.

الفائدة الثالثة: فضل السجود، وأنه من أجلى مظاهر العبودية.

الفائدة الرابعة: وجوب صلاة الجماعة.

الفائدة الخامسة: أن الجزاء من جنس العمل.

الفائدة السادسة: المذلة البليغة التي تلحق بالكفار, وظهورها في الأبصار.

الفائدة السابعة: المقابلة العجيبة بين حال الكفار في الدنيا بالاختيار، وحالهم في الآخرة بالاضطرار.

الفائدة الثامنة: الوعيد الشديد، والتهديد الأكيد، في قوله: فَذَرْنِي.

الفائدة التاسعة: شؤم التكذيب بالقرآن.

الفائدة العاشرة: خطورة الاستدراج والإملاء، وحقيقته، وفظاعة عاقبته.

الفائدة الحادية عشرة: إثبات صفة الكيد المحمود لله تعالى، وأنه شديد متين.

الفائدة الثانية عشرة: تبرئة النبي r من كل غرض دنيوي.

الفائدة الثالثة عشرة: أهمية نزاهة الداعية، وعدم تلبسه بأدنى شبهة قادحة.

الفائدة الرابعة عشرة: افتقار الكفار للحجة والدليل، وتعويلهم على الظن والتخمين.

الفائدة الخامسة عشرة: وجوب الصبر لحكم الله الشرعي والقدري.

الفائدة السادسة عشرة: النهي عن الضجر على ما يترتب على حكم الله.

الفائدة السابعة عشرة: فائدة ضرب الأمثال في تقريب المعاني.

الفائدة الثامنة عشرة: فضيلة الذكر والتسبيح، في تنفيس الكربات.

الفائدة التاسعة عشرة: إسناد النعمة إلى الله وحده، والحذر من نسبتها لغيره.

الفائدة العشرين: بيان نعمة الله على يونس u، وتداركه بنعمته وفضله.

الفائدة الحادية والعشرون: إثبات القدر السابق، بما تقتضيه حكمته، فالذي قدر على يونس أن يخرج مغاضبًا، وأن يلتقمه الحوت، هو الذي قدر بعد ذلك أن يجتبيه، وأن يصطفيه، وأن يجعله من الصالحين، كل ذلك بقدر الله.

الفائدة الثانية والعشرون: شدة بغض الكفار للنبي r، ولأتباعه من المؤمنين.

الفائدة الثالثة والعشرون: إثبات العين، وأنها حق، والحذر من إنكارها.

الفائدة الرابعة والعشرون: تسمية القرآن بالذكر، وأنه علم عليه، ووصف له.

الفائدة الخامسة والعشرون: التنبه لأسلوب المبطلين في اصطناع التهم وترويجها.

الفائدة السادسة والعشرون: عالمية القرآن وتناوله لجميع الثقلين؛ الإنس والجن.

 

[1] فتح القدير الجامع بين فني الرواية والراية من علم التفسير: (1/ 31-32)

 

[2] أخرجه أبوداود رقم (4700), والترمذي رقم (3319), وقال: حديث حسن صحيح غريب.

[3] أخرجه الترمذي رقم (2516), وأحمد رقم (2670), وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

[4] أخرجه أحمد رقم (24601), وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

[5]  مدارج السالكين:  (2/ 294).

[6] أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (308), ضعفه الألباني في ضعيف الأدب المفرد رقم (ج1-ص 42). وقولها (كان خلقه القرآن), ثابت بإسناد صحيح عند الإمام أحمد.

[7] أخرجه أحمد رقم (8952), وقال الأرنؤوط: صحيح, وأخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (273), وصححه الألباني رقم (في السلسلة الصحيحة- 45).

[8] أخرجه البخاري رقم (3549), ومسلم رقم (2347).

[9] أخرجه البخاري رقم (6038) ، ومسلم رقم (2309).

[10] أخرجه أحمد رقم (13419).

[11] أخرجه مسلم رقم (2310).

[12] أخرجه البخاري رقم (1973).

[13] أخرجه البخاري رقم (3559), وأخرج مسلم أوله رقم (2321).

[14] أخرجه الترمذي  رقم(3895), وابن ماجه رقم (1977), وقال الترمذي: حسن صحيح

[15] أخرجه مسلم رقم (2326).

[16] أخرجه الترمذي رقم (2490), وابن ماجه رقم (3716),وقال الترمذي: حديث غريب.

[17] أخرجه النسائي في الكبرى رقم (9118), وأحمد رقم (25923), قال الأرنؤوط:إسناده صحيح على شرط الشيخين

[18] أخرجه البخاري رقم (5809), ومسلم رقم (1057).

[19] أخرجه أبو داود رقم (4799), والترمذي رقم (2002), وقال: حديث حسن صحيح.

[20] أخرجه الترمذي رقم (2004), وابن ماجه رقم (4246), وأحمد رقم (7907), وقال الترمذي: حديث صحيح غريب. وحسن الألباني إسناده رقم (في السلسلة الصحيحة- 977).

[21] أخرجه أبو داود رقم (4798), وأحمد رقم (24355), والحاكم رقم (199), وقال: هذا حديث على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وشاهده، صحيح على شرط مسلم.

[22] أخرجه النسائي رقم (896),  والدارقطني في سننه رقم (1139), وصححه الألباني (في السلسلة الصحيحة- رقم 3255).

[23] أخرجه أحمد رقم (17660).

[24] تفسير الطبري: (24/ 662).

[25] أخرجه البخاري رقم (6056), ومسلم رقم (105), متفق عليه.

[26] أخرجه البخاري رقم (10), ومسلم رقم (40), متفق عليه.

[27]أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بهذا اللفظ رقم (20804), وأخرجه أحمد بمعنى متقارب رقم (12476), وإسناده على شرط البخاري ورجاله رجال الشيخين, وأخرجه الحاكم بمعناه رقم (202), وقال الحاكم والذهبي: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

[28] سيرة ابن هشام ت السقا (1/ 300)

 

([29]) تفسير ابن كثير: (3/ 252).

[30] أخرجه الترمذي رقم (2398), وأحمد رقم (1481), وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

[31] أخرجه مسلم رقم (2999).

[32] تفسير الطبري: (23/ 544).

[33] أخرجه الترمذي رقم (2180), والنسائي في الكبرى رقم (11121), وأحمد رقم (21900), وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح

[34] أخرجه الطبراني في الكبير رقم (5872).

[35] أخرجه البخاري رقم (748), ومسلم رقم (2457).

[36] أخرجه مسلم رقم (2577).

[37] انظر: تفسير الطبري: (23/ 554-555).

[38] أخرجه البخاري رقم (4851), ومسلم رقم (633), متفق عليه.

[39] أخرجه البخاري رقم (4919).

[40] الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة: (1/ 252).

[41] أخرجه البخاري رقم (1117).

[42] أخرجه أحمد رقم (17913), وأبو داود رقم (3028).

[43] أخرجه النسائي في الكبرى رقم (11832) و الحاكم رقم (7846), وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

[44] أخرجه الترمذي رقم (2306), وقال: هذا حديث حسن غريب.

[45] أخرجه البخاري رقم (4686), ومسلم رقم (2583). متفق عليه.

[46] تفسير الطبري: (23/ 421).

[47]  قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (10/682) وقاله ابن القيم رحمه الله في " عدة الصابرين " (ص/231)

[48] أخرجه البخاري رقم (3395), ومسلم رقم (2376),

[49] أخرجه البخاري رقم3409), ومسلم رقم (2652).

[50] أخرجه البخاري رقم (2412) ومسلم رقم ( 2374).

[51]  انظر: تفسير القرطبي:  (18/ 254- 255).

[52] أخرجه ابو داود رقم (3889), قال الأرنؤوط في نفس الموضع: صحيح دون قوله: (أو دَمٍ لا يَرْقأ).

[53] أخرجه البخاري رقم (5705), ومسلم رقم (220).

[54] أخرجه مسلم رقم (2188).

[55] أخرجه البخاري رقم (3371).

[56] أخرجه أحمد رقم (9758).

[57] اخرجه البخاري رقم (5740), ومسلم رقم (2187).

[58] أخرجه مسلم رقم (2188).

[59] أخرجه ابن ماجه رقم (3508), وصححه الألباني في صحيح الجامع (951).

[60] أخرجه أبو داود برقم (3880)، وصححه الألباني

[61] أخرجه أحمد رقم (15980), وابن ماجه رقم (3509).

[62] أخرجه مسلم رقم (2188).



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:13 مساءً السبت 14 ربيع الأول 1442 / 31 أكتوبر 2020.