• ×

أ.د. أحمد القاضي

تفسير سورة الملك

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  182
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

سورة الملك

     سورة الملك، فاتحة هذا الجزء العظيم من أجزاء القرآن، سورة مكية، ويقال: سورة تبارك، وقد يقرن بينهما، فيقال: سورة تبارك الملك، كما جاء في بعض الأحاديث. سميت بهذين الاسمين لورودهما في مستهلها.

 

مقاصد السورة:

  1. بيان دلائل الربوبية المستلزمة لتوحيد الألوهية.
  2. إثبات المعاد, والحساب والجزاء, ومآلات العباد.
  3. إبطال الشرك وتزييفه.

هذه السورة تسمى سورة الملك, وتسمى أيضًا سورة تبارك. وتلقب بـــ(المانعة) و(المنجية) و(الواقية), لآثارٍ وردت بهذا المعنى.

فضائلها:

ورد في فضائلها أحاديث كثيرة منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {إِنَّ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ، ثَلَاثُونَ آيَةً، شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهِيَ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1][1]، فهذا الحديث من أمثل ما روي في فضائلها, وليس هذا لمن حفظ حروفها فقط وإنما لمن وعاها، وفَقُه ما تضمنته من عقائد وعلوم نافعة شفعت له عند ربه؛ فإن فيها من العلم بالله تعالى, وإثبات المعاد, وإثبات الرسل, والملائكة, وبقية أصول الإيمان ما هو أعظم سبب ووسيلة, لأن تكون سبب نجاة لصاحبها من النار, لأن القرآن ينفع الإنسان إذا تدبره، وتذكره، وفقُه معانيه قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]. وورد في فضلها أحاديث أخرى فيها كلام, كحديث ابن عباس قال:ضَرَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِبَاءَهُ عَلَى قَبْرٍ وَهُوَ لَا يَحْسِبُ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانٌ يَقْرَأُ سُورَةَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ حَتَّى خَتَمَهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ضَرَبْتُ خِبَائِي عَلَى قَبْرٍ وَأَنَا لَا أَحْسِبُ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَإِذَا فِيهِ إِنْسَانٌ يَقْرَأُ سُورَةَ تَبَارَكَ المُلْكِ حَتَّى خَتَمَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هِيَ المَانِعَةُ، هِيَ المُنْجِيَةُ، تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)[2].

 (تبارك), مأخوذ من مادة بركَ. والبركة لها معنيان.

المعنى الأول: اللزوم والثبوت. ولهذا نقول: (بِركة) للماء المستقر في موضع واحد.

المعنى الثاني: النماء والزيادة.

ولفظ تبارك لا يجوز استعماله في غير حق الله تعالى؛ لأنه يختص به تعالى. وقد ورد في القرآن العظيم لفظ "تبارك"، في حقه تعالى، في تسع آيات, أولها في الأعراف، وآخرها في سورة الملك. فهو مما اختص الله تعالى به, وهو يدل على التمجيد، والتعظيم، والتطهير. والتقديس. وهو وصفٌ ذاتي لله تعالى؛ فالله وحده هو الذي يتعالى، ويعظم ويكثر خيره  وفضله ومَنّْه؛ فلهذا لا يعبر به في حق غير الله, لكن يقال في حق غير الله: مبارك, كما قال الله تعالى:{وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ } [مريم: 31],  وقد أطال ابن القيم –رحمه الله- الكلام على هذا اللفظ في كتابه (الفوائد)، وكتابه (جلاء الأفهام), بما لا مزيد عليه، مما يدل على أن هذا اللفظ يختص بالباري سبحانه وتعالى.

     والبركة تدل على كثرة الخير, وتضاف إلى مخلوقات الله. وقد توصف بعض الأماكن بالبركة، كالمسجد الحرام، قال الله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96], فهو مبارك لما يقع فيه من العبادات، وذكر الله تعالى, وقد توصف بعض الأزمنة بالبركة؛ فشهر رمضان شهر مبارك بما جعل الله فيه من الخير, وقد توصف بعض المطعومات بالبركة كالعسل فإن فيه بركة, والزيتون فيه بركة, وماء زمزم، يقال عنه ماءٌ مبارك. أي أن الله تعالى أودع فيه البركة, فيحصل به الخير والشفاء، كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم:{ مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ}[3]. ولا يجوز إثبات بركة في شيءٍ من الأشياء إلا بدليل, فكل ما أثبت الله تعالى فيه بركة ومنفعة فإنَّا نثبته؛ سواءٌ كان في الأشخاص, أو الأمكنة, أو الأزمنة, أو الأطعمة والأشربة، أو غيرها. فهذا مما يتعلق بهذه اللفظة. فالحاصل: أن البركة تضاف لغير الله تعالى, لكن لا يقال تبارك إلا في حق الله تعالى.

قال ابن القيم -رحمه الله- (وأما البركة فكذلك نوعان، أيضًا:

أحدهما: بركةٌ هي فعله تبارك وتعالى, والفعل منها بارك, ويتعدى بنفسة تارة, وبأداة "على" تارة, وبأداة "في" تارة, والمفعول منها مبارَك. وهو ما جعل كذلك, فكان مباركًا بجعله تعالى.

والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة؛ والفعل منها تبارك. ولهذا لا يقال لغيره ذلك, ولا يصلح إلا له عز وجل. فهو سبحانه المبارِك, وعبده ورسوله المبارَك, كما قال المسيح عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ } [مريم: 31], فمن بارك الله فيه وعليه، فهو المبارَك.

وأما صفته "تبارك" فمختصة به تعالى, كما أطلقها على نفسه بقوله تعالى: {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54],{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1],{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}،{وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزخرف: 85], {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} [الفرقان: 1], {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ} [الفرقان: 10],{تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان: 61], أفلا تراها كيف اطردت في القرآن جارية عليه مختصة به, لا تطلق على غيره, وجاءت على بناء السعة والمبالغة, كـ "تعالى" و"تعاظم" ونحوهما. فجاء بناء "تبارك" على بناء "تعالى" الذي هو دال على كمال العلو ونهايته, فكذلك "تبارك" دال على كمال بركته وعظمها وسعتها[4].

قوله: {الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}, هو الله سبحانه وتعالى، فملك السموات والأرض بيده تعالى، لا يخرج عن ملكه شيء، ولهذا قال الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} [سبأ: 22], فلا أحد سوى الله يملك مثقال ذرة  في السموات والأرض لا استقلالاً، ولا مشاركةً، ولا معاونةً.

فقوله: {لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}, أي: استقلالًا

وقوله: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ}, أي: مشاركة.

وقوله: {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ}, أي: معاونة.

فالملك كله لله، كما في الذكر: (لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ)[5], وفي التلبية: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ)[6], فجميع ما في السموات والأرض ملك لله تعالى لا ينازعه فيه أحد. وإذا أضيف الملك لغير الله تعالى فهو ملك نسبي، مؤقت، محدود, فقول الإنسان: هذا بيتي, وهذه سيارتي, وهذا كتابي, صحيح لا بأس به؛ لكنَّ هذا الملك ملك محدود، مؤقت، قاصر، منقطع, فإذا مات انتقل عنه إلى من بعده قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم: 40]. ولو أنَّ إنسانًا أراد أن يتلف ماله، لضرب على يده، وحجر عليه، لأن هذا التصرف تصرف غير راشد، فاحتاج إلى أن يحجر عليه.

   وإذا علم المؤمن بأن الملك كله لله؛ فإنه يطلبه منه, لا يطلبه من المخلوقين, وإذا علم أن خزائن السموات والأرض بيد الله تعالى، فإنه إذا أراد الرزق سأله من معطيه، قال الله تعالى: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 17], ويخطئ بعض الناس حين يقول: فلان قطع رزقي! فليس هو الذي وهبك، ولا هو الذي قطعك؛ لأن الله تعالى هو الرزاق الذي بيده الملك.

     ودلت هذه الآية على إثبات صفة من صفات الله الذاتية الخبرية, وهي صفة اليد. فالله تعالى، كما أخبر عن نفسه، له يدان كريمتان، مبسوطتان بالعطاء والنعم، لا تشبهان أيدي المخلوقين, تليقانِ بجلاله وعظمته، كما قال الله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64], وكما قال تعالى لإبليس: { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75], فما دام أن الله تعالى أثبت لنفسه هذا الوصف، فالواجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يثبت ما أثبت الرب لنفسه حقيقةً، مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن مماثلة المخلوقين. فالله تعالى يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11], فلا يجوز لأحد أن يرد، أو ينكر، أو يحرف، ما أثبت الله لنفسه, فالله تعالى أعلم بنفسه وبغيره، وأصدق قيلًا، وأحسنُ حديثًا من خلقه, فيجب أن نعتقد ذلك دون تحريف، أو تعطيل، أو تكييف، أو تمثيل.

     ولا يجوز تحريف صفة اليدين إلى النعمة أو القدرة؛ كما فعل المتكلمون، فإن السلف الصالح قاطبة أثبتوا هاتين اليدين على وجه لائق بالله تعالى ولم يقل أحدٌ من السلف من الصحابة، أو التابعين، أو أتباع التابعين، بأن اليد بمعنى النعمة أو القدرة! وإنما وقع هذا من بعض المتأخرين، الذين توهموا أنّ إثبات اليد يلزم منه تمثيلًا، ففروا من التمثيل ليقعوا في التعطيل. والواجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يثبت إثباتًا بلا تمثيل، وأن ينزه الله تعالى تنزيهًا بلا تعطيل. وهذه القاعدة من التزم بها سَلِمَ وعوفي أن تزل قدمه في هذه المزالق الخطيرة.

     ولا يلزم من كونها أتت بصيغة الإفراد في هذه الآية، معارضة مجيئها في مواضع أخر بصيغة التثنية والجمع؛ لأن المفرد المضاف يعم, فلا ينافي التثنية ولا الجمع. فلو قال قائل: أخذت هذا القلم بيدي. لم يلزم أن يكون مقطوع اليد الأخرى. ولو قال قائل: نظرت إلى الحادث بعيني، لم يلزم أن يكون أعور. ولو قال قائل: مشيت إلى فلان برجلي, لم يلزم أن يكون له إلا رجلٌ واحدة؛ فالمفرد إذا أضيف يعم، قال السيوطي[7]:

ومثله المفرد إن تعرَّفا    وإن يضف والفخر مطلقًا نفى

ونمثل لذلك بمثال من كلام الله قال الله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63], فلفظ {أمر} مفرد مضاف, و{الهاء} مضاف إليه، فيعم كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. فلا تعارض بين لفظ الإفراد ولفظ التثنية الوارد في قول الله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64], وقوله: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75].

     وهؤلاء الذين حرفوا معنى اليد إلى النعمة أو القدرة, كيف يصنعون بقول الله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]؟, فإن قالوا: يداه بمعنى نعمتاه, قلنا: نعم الله كثيرة، وليست نعمتين فقط, قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34], وقال تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20]. وإن قالوا: اليد: بمعنى القدرة، قلنا: لله قدرة واحدة, ولا يصح أن يقال له قدرتان، وإلا لقال إبليس لمـــــَّا قال له ربه: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] : وأنا يا رب خلقتني بيديك! على اعتبار أن اليد هي القدرة؛ لأنه مخلوقٌ بقدرة الله تعالى. لكنه لم يقل ذلك؛ لأن إبليس يعلم أن الله تعالى خلق آدم، عليه السلام، بيديه الكريمتين.

     فيجب أن نثبت لله تعالى هذا الوصف وما شابهه من مسائل الصفات, فنطيب نفسًا، ونقرُ عينًا، بما أخبر الله تعالى به عن نفسه، ونعتقد كمال الله وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين. قال النبي صلى الله عليه: {يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لاَ تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ}[8], وهذا لكمال غناه, وكثرة فضله وخيره. فهذه أدلة من الكتاب والسنة على إثبات اليد الله سبحانه وتعالى.

قال الله تعالى: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الملك: 1], (كل) من ألفاظ العموم أي: أن الله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

ودلت هذه الآية على إثبات اسم الله "القدير" فهو من أسمائه الحسنى.

والقدير: هو الذي يفعل الشيء من غير عجز. والقوي: هو الذي يفعل الشيء من غير ضعف. فالفرق بينهما: أن القدرة هي التمكن من الفعل  من غير عجز, والقوة هي التمكن من الفعل من غير ضعف.

ومن آثار ذلك في نفس المؤمن أنه إذا علم أن ربه ومعبوده على كل شيء قدير، كمل توكله عليه؛ لعلمه أنه لا يأتي بالحسنات إلا هُو، ولا يدفع السيئات إلا هُو, فيبقى قلبه معلقًا بربه القدير قال الله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنعام: 17], فلا تستصعب شيئًا على ربك! فالله تعالى لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ}, من صفات الله تعالى الفعلية أنه خلق الموت والحياة. فكلاهما مخلوق لله. وهذا يدل على أن الموت مخلوق, فبعض المتكلمين  يقول: إن الموت شيء عدمي، غير مخلوق. وهؤلاء يكذبهم القرآن؛ لأن الله تعالى قال: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ}, فالله تعالى يخلق الموت في نفس ابن آدم, كما أنه تعالى يخلق الحياة بنفخ الروح في الجنين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ الْمَلَكَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيَقُولُ: اكْتُبْ أَجَلَهُ وَعَمَلَهُ، وَشَقِيُّ أَوْ سَعِيدٌ}[9], وقال الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42], والموت رغم أنه أمرٌ معنوي إلا أنه قد يصور بصورةٍ حسية،} قال النبي صلى الله عليه وسلم: {يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: وهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ  رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} [مريم: 39]، وَهَؤُلاَءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا {وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] }[10].

 قال الله تعالى: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11], فهناك موتتان وحياتان:

الموتة الأولى: هي العدم, قال الله تعالى: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} [مريم: 9], الموتة الثانية: بعد خروج الروح من البدن.

والحياة الأولى: هي التي تحصل بنفخ الروح في الجنين. والحياة الثانية: هي التي تحصل بالبعث بعد الموت.

قوله: {لِيَبْلُوَكُمْ},أي ليختبركم. وهذا يدل على أن الله لا يفعل الشيء إلا لحكمة, وأن الله منزه عن العبث، فلم يخلق الموت والحياة لا لشيء, ولا لحكمة, بل: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}, وكأن تقدير الآية: الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم، فيعلم أيكم أحسن عملا. والله تعالى، لا ريب أنه قد علم بالأشياء قبل حصولها, لكن متعلق العلم أمران:

الأمر الأول: علم الله بما يفعله ابن آدم بعلمه الأزلي, فالله تعالى علم ما كان،  وما يكون، وما سوف يكون، بل وما لم يكن كيف لو كان يكون. كما قال:  {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} [الأنعام: 28]. فلا تخفى عليه خافية.

الأمر الثاني: علمه بمفعولات العبد إذا صدرت منه، فيعلم وقوعها, وهذا لا ينافي العلم الأول.

قوله: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}, ولم يقل: أكثر عملا؛ لأن العبرة بحسن العمل. قيل للفضيل بن عياض-رحمه الله-: ما أحسن عملا؟, قال: أخلصه وأصوبه.

فالعمل لا يكون حسنًا إلا إذا جمع أوصافًا:

الوصف الأول: الإخلاص: بأن يكون خالصًا لوجهه سبحانه وتعالى, لا شرك فيه لأحد قال الله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11], وقال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110], وقال الله تعالى في الحديث القدسي: {أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ}[11], فربنا سبحانه وتعالى غيور، لا يرضي أن يشرك معه أحد؛ فلو أشرك العبد مع الله تعالى أحدًا في عمله، أحبط الله عمله, ورده عليه, ولم يقبله منه, فيجب أن يحقق الإنسان كمال التوحيد لله رب العلمين.

الوصف الثاني: المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم, وهذا معنى قول الفضيل: (أصوبه), وذلك بأن يتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم, فلا يبتدع في دين الله ما ليس منه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: {مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَأَمْرُهُ رَدٌّ}[12], وقال من: {مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ}[13], فلا يحل لأحد أن يحدث في دين الله, ويبتدع ويقترح فيه من عند نفسه؛ فإن ذلك افتياتٌ على مقام النبوة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم هو المأمور بالتبليغ عن ربه، ونحن مأمورون باتباعه. لهذا يقول الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31]. فإذا قال أهل الأهواء والبدع: يحسنُ كذا وكذا, وأحدثوا من الأوراد، والأذكار، والموالد، والهيئات، أمورًا من عند أنفسهم، قلنا لهم: هذا طعن في الدين, وتنقص للرسالة فقد قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3], فكيف تأتون بشيءٍ لم يأت به الرسول صلى الله عليه وسلم!؟ كأنما تقولون: إن الله لم يكمل الدين، ولم يتم النعمة, وكأنما تقولون بلسان الحال، لا بلسان المقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ رسالة ربه؛ وهو الذي استشهد الناس يوم عرفة فقال: { وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ }[14], ونحن والله نشهد بما شهد به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, بأنه قد بلغ الرسالة وأدى الذي عليه.

وهذان الشرطان: الإخلاص, والمتابعة. هما ركنا قبول العمل ووصفه بالحسن.

الوصف الثالث: المداومة والثبات: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ}[15], وقالت عائشة-رضي الله عنه- تصف عمل النبي صلى الله عليه وسلم:{كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً}[16], فكان من هدى النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا عمل عملًا أثبته, وليس كحال كثيرٍ مِنّا يشتغل بالعبادة حينًا ثم يمل ويدعها, فهذا ليس من حسن العمل. ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر-رضي الله عنهما-: {يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ}[17], وقال صلى الله عليه وسلم: {إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَاكْنِزُوا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ} الحديث.[18], فينبغي للإنسان إذا عمل عملًا صالحًا أن يحافظ عليه؛ فيحافظ على السنن الرواتب, ويحافظ على أذكار أدبار الصلاة, ويحافظ على الوتر, ويحافظ على ما كتب الله له من قيام الليل, ويحافظ على الصدقة, وهكذا كل عملٍ عمله، يثبته ولا يدعه بعد أن عمله.

الوصف الرابع: أن يكون مقرونًا بالخوف والرجاء: قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60], (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] أَهُمُ الَّذِينَ يَزْنُونَ، وَيَسْرِقُونَ، وَيَشْرَبُونَ الْخَمْرَ؟ قَالَ: «لَا يَا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ، وَيَصُومُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ)[19], فمعنى (قلوبهم وجلة), أي: أنهم بين الخوف والرجاء, فيعملون العمل، ويخشون أن يرد عليهم, ويطمعون أن يقبل منهم. وهذا أمرٌ يغيب عنَ كثيرٍ منا! هل أحد منا رجا أن الله يقبل صلاته وخشي أن ترد صلاته, قال أبو الدرداء: لو أعلم أنّ لي ركعتان متقبلتان لعلمت أني من أهل الجنة, ذلك أن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27]. وأكثر الناس يعمل الصالحات, وكأنه جازم بأن الله قد تقبل منه! فعلى الإنسان أن يكون دائمًا بين الخوف والرجاء.

 قوله:{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}.

العزيز: هو من له العزة المطلقة. والعزة ثلاثة أنواع:

النوع الأول: عزة القدرة.

النوع الثاني: عزة الغلبة.

النوع الثالث: عزة الامتناع.

فهو يدل على كمال القدرة والغلبة والامتناع؛ ولهذا تقول العرب: أرضٌ عزاز. تريد الأرض الصلبة القوية, بخلاف الأرض الرخوة.

الغفور: مشتق من الغفر, والغفرُ: هو الستر والتجاوز, ومنه سمي المغفر، الخوذة التي تغطي الرأس، مغفرًا؛ لأنه يستر الرأس ويقيه.

فالله تعالى غفور؛ لأنه يستر على عبده المؤمن، ويتجاوز عنه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا، أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ}[20].

قوله:{الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}, والسموات: جمع سماء، وهي كل ما علانا. فهذا خلق عظيم، وعالمٌ علوي كبير. أفادنا الله تعالى بأن عددهن سبع: كما قال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12], ولفت أنظارنا إلى مشهدٍ مألوف، يرفع أحدنا طرفه إلى السماء, فينظر إلى هذه القبة السماوية المحيطة بالأرض فلا يكترث لهذا المنظر, ولا يحرك فيه ساكنًا.

 قوله: {طِبَاقًا}, جمع طبق أو طبقة، أي بعضهن فوق بعض, وهل هنَّ متراصات متلاصقات, أم بينهن مسافة؟, قولان للمفسرين:

القول الأول: أن بين كل سماء وسماء فاصل، كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: { هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟» قَالَ: قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ}[21], وكما دل عليه حديث الإسراء والمعراج.

القول الثاني: أنهن متلاصقات متصلات. والأول أقرب.

{مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ }, أي: ليس في خلق الله من خلل، ولا اضطراب، ولا نقص؛ لهذا قال: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ}, أي أعد النظر مرة أخرى، وتمعن في هذه السماء, هل ترى صدوعًا وشقوقًا وفتوقًا؟ كلا, بل هو بناء محكم متين. قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32], ثم قال: {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ}, أي: مرتين, وذلك أنه إذا تكرر عُبر بكرة بدلًا من مرة.

قوله: {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ}, أي حينما تحاول كرة أخرى، وتدمن النظر في السماء لتبحث عن شقٍ وصدعٍ وفتقٍ، يمنة ويسره، وأمام وخلف, فالنتيجة أن يكِل بصرك ويتعب, لذلك عبر بقوله: {خَاسِئًا},أي ذليلًا، صاغرًا، كسيرًا.

قوله: {وَهُوَ حَسِيرٌ}, أي: ضعيف ومجهد؛ لأنه لم يصل إلى ما يريد، رغم المحاولات المتعددة في البحث عن التفاوت. وفي قراءة: {مِنْ تَفَوُّتٍ}, بتشديد الواو. وفي هذا دعوة إلى أن يتفكر الإنسان في ملكوت السموات والأرض فإنه من أعظم دلائل الإيمان. قال الله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101]. فحريٌ بالمؤمن أن يستمد مادة الإيمان مما بثه الله تعالى في العالم العلوي والعالم السفلي؛ بأن ينظر نظر المتدبر، ليلًا ونهارًا. فحينما تنظر في النهار إلى هذه القبة الزرقاء التي جعل الله تعالى فيها الشمس ضياءً، تنشر أشعتها ووهجها، وتنظر في أقطار السموات فلا تجد موضع إبرة من صدع أو فتق أو شق, وحينما تنظر في الليل إلى السماء المرصعة بالنجوم, تشعشع هنا وهناك، تجد خلقًا بديعًا، ونظامًا محكمًا دقيقًا؛ فلها مشارق ومغارب، ولها منازل وبروج،  في حركة منتظمة دقيقة، لا تحيد قيد أنملة. فلا ريب أن هذا مما يغذي الإيمان، ويورث تعظيم الرب في قلب المؤمن. والإيمان بالربوبية يفرض عليه أن يوحده بالعبادة؛ فإن طريقة القرآن الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية, فالذي خلق السموات والأرض بهذا الإبداع، والانتظام، والاتساق حقيقٌ بأن يعبد وحده دون ما سواه.

قوله: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا }, أي: جمَّلنا وحسنَّا. كما قال: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات: 6]. وهي أقرب سماء إلى الأرض, وسميت دنيا لدنوها من الأرض. وفوقها ستة سموات أخر.

قوله: {بِمَصَابِيحَ}, أي: بالنجوم الثابتة والسيارة, كان العرب يسمون بعض النجوم بالثابتة وبعضها بالسيارة بحسب ما يبدو للنظر, والواقع أن جميع ما في الكون متحرك كما قال الله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33], فالنجوم زينة للسماء.

 قوله: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ}، والمراد ما ينفصل منها من شهب، لا عينها، كما قال: {وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 7 - 10]

فالحكمة من خلق النجوم ثلاثة أمور:

الأول: أنها زينة للسماء. وهذا أمر ظاهر.

 الثاني: أنها رجوم للشياطين. كما قال الله تعالى: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} [الجن: 9], فحرس الله السموات بالشهب التي تنفصل عن الأجرام السماوية، فتصيب الشيطان الذي يحاول استراق السمع, فأما في عهد النبوة، ووقت تنزل الوحي، فقد حيل بينهم وبين ذلك، حفظًا للوحي, لكن ما قبل زمن النبوة، كان ممكنًا، وكذلك ما بعده؛ فقد عادت الشياطين إلى استراق السمع، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ - قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ غَيْرُهُ: صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ - فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ - وَوَصَفَ سُفْيَانُ بن عيينة بِيَدِهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ اليُمْنَى، نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ - فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ المُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ فَيُحْرِقَهُ، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الأَرْضِ  وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الأَرْضِ  فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا؟ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ)[22].

الثالث: أنها علامات، كما قال الله تعالى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16], فمن فوائد النجوم أنها تهدي في ظلمات البر والبحر، فيستدل الناس بمواقع النجوم على الاتجاهات, فمثلًا: النجم القطبي يدل على الشمال. وبقية النجوم  لها مواقع معروفة لأهل الشأن، كما قال الله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75، 76], والمشتغلون بعلم الفلك يعلمون في هذا علومًا  واسعة، ويقيسون المسافات بين هذه النجوم بالسني الضوئية, الدالة على اتساع الكون، وتباعد أقطاره. والسنة الضوئية يقدرونها بما يقطعه الضوء في سنة, بسرعته الهائلة (300000كم/ الثانية)! تصور أن ضوء الشمس يصلنا في ثمان دقائق, وأن أقرب نجم إلى الأرض بعد الشمس نجم يقال له (قنطورس) يستغرق الضوء منه ليصل إلى الأرض أربع سنين! فياله خلق عظيم هائل كما قال الله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47].

وَقَالَ قَتَادَةُ: (خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاَثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلاَمَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخْطَأَ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ)[23].

قوله: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ}, أي: أعددنا وهيأنا، فعقابهم الدنيوي رجم النجوم, وعقابهم الأخروي عذاب السعير.

 ولما كان بعض الآدميين مثل هؤلاء الشياطين قال الله تعالى: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}, وشيءٌ بئَّسه الله  ماذا يمكن أن يكون!

قوله: {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا}, الكفار يوم القيامة لا يحاسبون محاسبة من توزن سيئاته وحسناته؛ لأنهم لا حسنات لهم، قال الله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23], وإنما يقررون بذنوبهم، من باب إقامة الحق وإظهاره، فيقرون بها ويعترفون على رؤوس الخلائق،, ثم تغل أيديهم إلى أرجلهم إلى أعناقهم، فيقذفون في النار. قال الله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى} [الزمر: 71].

وقوله: {أُلْقُوا}, يدل على أن النار في أسفل سافلين؛ وإنما يلقى في  الحفر، والأماكن السحيقة. والإلقاء يدل على الإهانة. قوله:{شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ}, الشهيق: هو الصوت الفظيع, وتفور: أي تغلي كما يغلى القدر، حنقًا عليهم. وهذا بمجرده مؤلم بالسماع, فكيف إذا أحرقتهم.

وقوله: {كَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ}, أي تكاد هذه النار ذات الصفة المجتمعة، أن تتقطع من شدة تغيظها عليهم. وهذا يدل على أن النار لها ذات ومعنى. قال الله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ} [ق: 30], فهي تُسئل وتجيب وتعقل عن ربها.

قوله: {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ}, أي كلما ألقي فيها جماعة من أهلها. وهذا يدل على أن كل جماعة تقذف على حده, كما أن كل أمة تجثوا على حده، قال الله تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } [الجاثية: 28], فيقذفون أفواجًا أفواجًا. وخزنة النار: هم الملائكة الموكلون بعذاب أهلها. قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً} [المدثر: 31], وعدد رؤسائهم تسعة عشر، قال الله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30], والسؤال في الآية سؤال توبيخ وتبكيت، وهو مؤلم جدًا.

قوله:{قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ}, هذا جواب السؤال, وذلك أن الله قال: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165], وهذا يبين أن أهل النار ليس عندهم أدنى ذرة من شك في استحقاقهم للنار, ولذلك يعربون عن إقرارهم بهذه الكلمات الواضحات بقولهم: {بلى}, وكلمة (بلى), تقع جوابًا إذا كان السؤال مصدرًا بالهمزة.

قوله: {فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ}, في هذه الآية ما يدل على أنهم كذبوا التكذيب الخاص والتكذيب العام, فلم يقتصر تكذيبهم على ما أنزل إليهم, بل تمادوا في التكذيب حتى أنكروا أن يكون أنزل الله شيئًا, وكلمة (شَيْءٍ), نكرة في سياق النفي فتدل على العموم قال الشيخ السعدي[24]:

والنكرات في سياق النفي    تعطي العموم أو سياق النهي

فكأنهم أنكروا أن يكون الله أنزل كتبًا، أو أرسل رسلًا, وهذا من المبالغة في التكذيب والطغيان.

قوله: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ}, وهذا من بغيهم واستطالتهم, وتلك طبيعة الطغاة؛ أنهم يضللون أهل الحق. فوصفوا النذر الذين أرسلوا إليهم بأنهم في ضلال. والضلال: هو الضياع والتيه والخطأ, ولم يقتصروا على وصفهم بمجرد الضلال، بل قالوا: (كَبِيرٍ)! وهذا حال أعداء الرسل، ومنطقهم دومًا؛ ففرعون، أكبر الطغاة، يقول لقومه: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29], ويقول عن موسى عليه السلام: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ } [غافر: 26], وهو المفسد حقًا؟, ومع ذلك يلقي بالتهمة على موسى، عليه السلام, فهذا شأن الطغاة؛ نبز أهل الحق بألقاب السوء؛ لأجل أن ينفروا الناس عنهم، ويبغضوهم بما جاؤوا به.

قوله: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}, هذا ندم ولات ساعة مندم, ومن المؤكد أنه كان لهم أسماع و عقول, لكن أسماعٌ لم تنفعهم وعقولٌ لم تنفعهم؛ لأن السمع نوعان.

النوع الأول: سمع إدراك, وهو انتقال ذبذبات الصوت إلى طبلة الأذن، إلى العصب السمعي، فيدرك العقل أن هذا صوت كذا وكذا. فهذا يشترك فيه الآدميون، والحيوانات، والطيور، وغيرها من المخلوقات, وليس المقصود في الآية.

النوع الثاني: السمع الذي نفوه عن أنفسهم: وهو السمع الذي ينفع, فليس كل من سمع انتفع بسمعه. ربما عاد سمعه وبالاً عليه, فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: { وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ}[25], فقد سمع، لكنه لم ينتفع بسماعه, أما أهل العلم والإيمان فإذا سَمِعوا انتفعوا، قال الله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 83].

كذلك العقل، فليس كل من أدرك فهو عاقل, فكل أحد يدرك أن نصف الاثنين واحد, وأن السماء فوق الأرض, وأن الثلج بارد وأن الماء المغلي حار, فهذا عقل إدراك؛ لكن العقل الذي ينفع صاحبه هو الذي يهديه إلى الحق.

قوله: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ}, قد أعذر الله إلى عباده, حيث أرسل رسلًا، وأنزل كتبًا، وأقام الحجة، ولم يُبقِ لأحدٍ عذرًا يعتذر به، إلا الحجة الرسالية، قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24], وقال أيضًا: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]. فإن قال قائل: فما القول فيمن لم تبلغه الرسالة, ممن قد يوجدون في مجاهل إفريقيا, أو غابات الأمازون, أو في أطراف الدنيا؟, فالجواب: لو قدر وجود أحد لم تبلغه الرسالة؛ فإن الله تعالى يختبره يوم القيامة, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ  فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ  مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا)[26]؛ والله تعالى أعلم بما هم عاملون, لكن من باب إقامة الحق والعدل، يجعل لهم هذا الاختبار. فيجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يثق أنه لا يهلك على الله إلا هالك, وأن الله ليس بظلام للعبيد, وأن الله قد أقام الحجة على كل أحد، ولا أدل على ذلك من اعتراف هؤلاء كما قال الله تعالى: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ}.

وقوله:{فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ}, سحقًا بمعنى بعدًا؛ والمكان السحيق: هو الأسفل البعيد، كقول الله تعالى: {أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31], وهذا دعاء عليهم وقضاء. وينبغي للإنسان أن يكثر مداواة قلبه بذكر الجنة والنار. بعض الناس يتحاشى ذكر النار، ولا يريد أن يمره على قلبه؛ لأنه مبعث إزعاج, كحال اليهود الذين قال الله عنهم: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [آل عمران: 24], وقلَّ أن تجد في كتب اليهود ذكر النار، إلا النادر القليل؛ لأنهم يعلمون أن مآلهم إليها, فيجب على الإنسان أن يعظ نفسه بذكر الجنة والنار. ولم يزل أهل العلم يبوبون في كتبهم: "باب صفة الجنة"،  "باب صفة النار", وفي القرآن العظيم آيات كثيرة في صفة النار, كقول الله تعالى: {وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 21، 22], وقول الله تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا} [فاطر: 37], كما يجد ذكر آيات الجنة، وما فيها من نعيم كقول الله تعالى: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 71], وقوله تعالى: {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37], ونحو ذلك من الآيات التي تُحفز الإنسان على طلب الجنة، والنجاة من النار.

قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}, ما أسعدهم وما أعظم حظهم! فخشية الله تعالى من أقوى دلائل الإيمان؛ لأنها نابعة عن العلم بالله تعالى, بكمال أسمائه، وصفاته، وقدرته، وعزته، وبطشه، وعظيم أفعاله. فهذا العلم يوجب للعبد الخشية. قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 49], فلا يمكن أن يقوم إيمان إلا بالخشية, ولذا قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28], وقال الله: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109], فالذي أدرَّ مدامعهم، وأخرَّ جباههم، هو ما وقر في قلوبهم من العلم بالله تعالى. فالخشية تصحبهم في الخلوة والجلوة، والسر والعلن. وليست الخشية بالتصنع والتظاهر, بل الخشية تكون في القلب, كما أن المحبة والرجاء يكونان في القلب, فهذه الثلاث: الخوف، والحب، والرجاء، هنَّ أمهات العبادات القلبية. ومما يروى أن رجلًا خلا بامرأة في ليلة قمراء، كثيرة الكواكب, فقال لها: إني أحبك. فقالت: وأنا والله أحبك, قال: وإني أحب كذا وكذا, يعرض بالفاحشة, قالت: وأنا أحب ذلك, قال: فما يمنعنا ولا يرانا إلا الكواكب, قالت:  فأين مكوكبها؟  فخر مغشيًا عليه. فلامس هذا الجواب عصبًا حساسًا, فاستحى، وارعوى، وتأثر، وازدجر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ)[27], كما قال الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} [يوسف: 23], فيجب أن يستزرع المؤمن هذه الخشية الإيمانية في قلبه لتعصمه من الوقوع في الفحشاء, فالخوف سوطٌ يضرب الإنسان، إذا هّمَ أن يحيد يمنة أو يسره, فيعالج نفسه بالخوف, ويعلم بأنه إذا أوصد الأبواب، وأرخى الستور، فإن الله يراه. قال أبو العتاهية:

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل    خلوت ولكن قل علي رقيب

ولا تحسبن الله يغفـل برهــة      ولا أن مـا تخفي عليه يغيب

قوله:{بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}, فهم إن خشوا الله في الغيب, فسيخشونه في الشهادة من باب أولى, والمغفرة: هي الستر والتجاوز, {كَبِيرٌ}: وحسبك بشيءٍ وصفه الله بهذا الوصف! أي لهم ثواب عظيم من أنواع النعم والخيرات التي يجدونها في الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَلَا هَلْ مُشَمِّرٌ إِلَى الْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ لَا خَطَرَ لَهَا، هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَنَهَرٌ مُطَّرِدٌ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ، وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ , فِي مَقَامِ أَبَدٍ , فِي حَبْرَةٍ وَنِعْمَةٍ وَنَضْرَةٍ فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ» فَقَالُوا: نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ)[28], قال الله تعالى: {لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [الزمر: 20], وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ، مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ)[29], وأعظم نعيمٍ يناله أهل الجنة هو النظر إلى وجه الله الكريم, قال الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23].

قوله:{وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ}, كقوله: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد: 10], فلا تخفى على الله خافية, قال الله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19], فسواءٌ أسر القول في خاطره، أو أعلنه وجهر به, فهما بالنسبة لله سواء. قال ابن عباس: نزلت في المشركين؛ كانوا ينالون من النبي صلى الله عليه وسلم، فيخبره جبريل عليه السلام، فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كي لا يسمع رب محمد، فنزلت: وأسروا قولكم أو اجهروا به. يعني: أسروا قولكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم.[30] هكذا ظنوا! فقال الله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80], فينبغي للمؤمن أن يستصحب هذا المعنى في قلبه؛ أنه مكشوف أمام الله، تحت سمعه وبصره.

قوله: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}, أي بخبايا الصدور ومكنوناتها. فأين المفر؟ صاحبك قد يكون إلى جوارك، ولا تعلم ماذا يجول في خاطره, ولا يعلم ما يجول في خاطرك, لكن الله تعالى يعلم.

قوله: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}, هذه حجة عقلية أقامها الله تعالى. وقد اختلف المفسرون في قوله: (من), هل المقصود الخالق أم المخلوق على قولين:

القول الأول: ذهب ابن كثير، رحمه الله، إلى أنها بمعنى ألا يعلم المخلوقُ خالقَه.

القول الثاني: وذهب الشيخ عبدالرحمن السعدي، رحمه الله، إلى أن معناها, ألا يعلم الخالق بمخلوقه. وهذا أقرب, أي: بما أنه هو الذي خلقه، وركبه، وأعده، وأمده, فهو بصير به؛ لأن من ابتدأ خلقه يكون عليمًا بخفاياه. وهذا مناسب لما قبله من كونه يعلم سره وجهره, فعلل ذلك بقوله:  (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ), والله تعالى أعلم.

قوله: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }, هذان اسمان كريمان من أسماء الله الحسنى.

اللطيف: هو الذي يوصل الإحسان بطريق خفي؛ فيوصل إليهم ما يحتاجون إليه من منافعهم، وقِوام معيشتهم, بطرق قد لا يشعرون بها, ويدفع عنهم من السوء والأضرار أمورًا قد لا يتفطنون لها.

الخبير: هو العليم بدقائق الأشياء، وتفاصيلها. وهذان اسمان كريمان تضمننا وصفين: وهما "اللطف"، و "الخُبر" له سبحانه وتعالى.

قوله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}, هذا من دلائل الربوبية، التي ينبغي للإنسان أن يسرح فيها طرفه، وينتفع بشواهدها المبثوثة في الكون, فإن ما في السموات والأرض لبنات لبناء العقيدة, فلا يحتاج الإنسان إلى كبير جهد ليستدل على ربه وخالقه ومعبوده, فإن دلائل ذلك تملأ فجاج الأرض، وأقطار السماء. فالأرض، أُمنا التي منها خلقنا، والتي إليها نعود، ومنها نبعث. ومعنى ذلولاً: أي مهيئةً للسير فيها، والحرث، والزرع، والبناء، ليست جموحًا، بل هي ذلُول، كما يقول الناس عن الجمل: إنه ذلُول، إذا كان منقادًا، سهلًا، ليس نافرًا، ولا شموسًا. فقد امتن الله علينا بأن جعل الأرض التي نعيش عليها ذلولًا، كما قال في آية أخرى: {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا} [النمل: 61], فجعلها قارة، مستكنة، لنتمكن من العيش عليها. ولو كانت تضطرب وتميد, فلن يهنأ لنا عيش، ولن نتمكن من البناء، والحرث و الزرع.

قوله: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}, أي في دروبها، ووديانها، وأعطافها، ونواحيها، وكل شيء فيها. وقيل: مناكبها جبالها؛ كأنما أخذوها من المنكب، وهو الشيء المرتفع من الإنسان. والظاهر أنها تدل على ما هو أعم من ذلك, فأتاحها الله لنا لنضرب في الأرض يمنة ويسرة، ونستغل ما أودع الله فيها من الخيرات.

قوله: {وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}, هذا دليل على أن الله تعالى أودع في الأرض من الأرزاق ما يكفي ساكنيها؛ يستنبطونه ويستخرجونه, فمن بديع صنع الله تعالى أن جعل في هذه الأرض مخازن لمن يعيش عليها, تمدهم بما يحتاجون إليه, فقد سخر الله تعالى ما في السموات وما في الأرض لمعيشة الإنسان, فأنزل من السماء ماء، وأنبت من الأرض زرعًا, دون أن يحتاجوا إلى شيءٍ من خارجها, وفي الآية لفته بأن الرزق من الله تعالى ولهذا قال الله تعالى: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} [العنكبوت: 17].

قوله: {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}, وما أجمل هذا الختام لهذه الآية, أي أنكم ستعيشون ما شاء الله لكم في هذه الأرض، وتمشون على ظهرها, ثم تموتون وتدفنون فيها، ثم تنشرون منها. والنشر: هو البعث, فهذه الحركة والمعيشة لا بد أن تنتهي إلى غاية، قال الله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} [الغاشية: 25، 26], وقال: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى}[القيامة: 36 - 40].

قوله: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}, يظهر الله عظيم قدرته على عباده؛ ليعظهم، فالذي في السماء هو الله تعالى، فقوله: {مَنْ فِي السَّمَاءِ}, أي: من على السماء. وهذا من أدلة الفوقية؛ فإن الله تعالى له العلو المطلق؛ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. والعلو ثلاثة أنواع:

النوع الأول: علو الذات.

النوع الثاني: علو القدر.

النوع الثالث: علو القهر.

فأما علو القدر، وعلو القهر، فلا ينازع فيهما أحد من أهل القبلة؛ فلا ريب أن الله هو القاهر فوق عباده, فلا يخرج أحد عن ملكه وسلطانه، قال الله تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18], وكذلك علو القدر، فله المثل الأعلى, ولا يمكن لشخص يدعي الإسلام أن يصف الله بالنقص والعيب, بل لابد أن يعتقد لله المثل الأعلى. وإنما وقع الخلاف بين أهل القبلة في علو الذات, فأهل السنة والجماعة؛ من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وأصحاب القرون الفاضلة، ومن سار على دربهم، يقرون بأن الله تعالى سبحانه بذاته فوق سمواته، مستوٍ على عرشه, بائن من خلقه، ليس فيه شيءٌ من خلقة, ولا في خلقه شيءٌ منه. وهذا هو الذي يجب اعتقاده.  ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية: («أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»)[31], فلا ريب أن ربنا سبحانه وتعالى فوق سمواته. و(في), في لغة العرب تأتي بمعنى (على), وشواهد هذا كثير؛ منه قول الله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}, أي على مناكبها وقوله: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [النحل: 36], أي عليها. فليس المطلوب أن يتخذ الإنسان نفقًا وسربًا في الأرض, وقال فرعون: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71], أي: على جذوع النخل, كذلك قوله: {مَنْ فِي السَّمَاءِ}, أي: على السماء. وهناك توجيه آخر, أن يقال: إن السماء ليس المراد بها السماء المبنية، وإنما المراد بالسماء العلو, فكل ما علاك  فهو سماء. والسماء في كلام العرب لها ثلاث إطلاقات:

الأول: تطلق على السقف المحفوظ المقابل للأرض.

الثاني: تطلق على المطر. ومنه قول الأعرابي:

إذا نزل السماء بأرض قومٍ *** رعيناه وإن كانوا غِضابا

الثالث: تطلق على كل ما أظلك.

فسماء هذا المسجد سقفه والمعنى: أأمنتم من في العلو, والمقصود على كلا التوجيهين أن الله تعالى له العلو المطلق, وأنه يحذرهم نفسه  فيقول: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}, ولقد وقع هذا في طيات التاريخ, وفي الراهن، وسيقع في المستقبل من أمور الخسف ما يظهر للناس عظيم قدرة الله تعالى, ولقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:  (إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ - فَذَكَرَ - الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ)[32], فالله قادر على أن يخسف هذه الأرض القارَّة، التي نطمئن بالسير عليها, فلو شاء الله أن تميد بهم لمادت وخُسفت بهم. ومعنى قوله: {تَمُورُ}, أي تضطرب وتميد.       

قوله: {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا}, وهذه طريقة أخرى من طرق الإهلاك، وهي أن يرسل الله الحاصب، كما أرسل على قوم لوط، عليه السلام. والحاصب: هو حجارة من السماء تنفصل من الأجرام السماوية، فتحصب الناس فتهلكهم. وهذا وقع أيضًا على أبرهة، عندما أراد هدم الكعبة.

قوله: {فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ},  أي كيف يكون إنذاري.

قوله: {وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}, فكما ذكر الله لهم الدلائل الأرضية من الآيات الكونية, ذكر لهم سننه الكونية في المكذبين, كقوم عاد، وقوم صالح، وأهل مدين، وآل فرعون, فانظروا كيف كانت النكارة التي وقعت عليهم بسبب تكذيبهم, فيالها من موعظة بليغة.

الفوائد الْمُستنبطة: من الآيات السابقات

الفائدة الأولى: إثبات النار، وشدة عذابها، وتغيظها على أهلها, وكونها في أسفل السافلين.

الفائدة الثانية: الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان الآن، موجودتان لا تفنيان.

الفائدة الثالثة: إثبات خزنة النار من الملائكة.

الفائدة الرابعة: العقوبة الأليمة بسؤال التبكيت والتوبيخ.

لفائدة الخامسة: أن العبرة بالحجة الرسالية.

الفائدة السادسة: بطلان الاحتجاج بالقدر.

الفائدة السابعة: أهمية الإيمان بالكتب المنزلة.

الفائدة الثامنة: أنَّ الكفر أنواع: منه كفر الجحود, وكفر التكذيب.

الفائدة التاسعة: معرفة طريقة الكافرين في مواجهة الأنبياء والمرسلين، وهو التضليل، والتكذيب، والتشويه, وهو ما يسمى بلغة العصر (الحرب الاعلامية).

الفائدة العاشرة: كمال عدل الله, واستحقاق الكافر للعقوبة، واعترافه بالذنب.

الفائدة الحادية عشرة: الدعاء بالجملة، على الكفار، وأهل البدع والأهواء بالسحق، كما في الصحيحين: " فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي "[33]

الفائدة الثانية عشرة: فضيلة الخشية بالغيب، وأنها من أخص صفات المؤمنين.

الفائدة الثالثة عشرة: إثبات موعود الله للمؤمنين.

الفائدة الرابعة عشرة: كمال علم الله وإحاطته بمكنونات الصدور.

الفائدة الخامسة عشرة: أهمية الإخلاص في العمل الظاهر والخفي.

الفائدة السادسة عشرة: استعمال القرآن للحجج العقلية المقنعة.

 الفائدة السابعة عشرة: الرد على المتكلمين الذين يقولون أن القرآن أدلة نقلية فقط، ولا توجد فيه أدلة عقلية.

الفائدة الثامنة عشرة: إثبات اسمي الله (اللطيف) و(الخبير) وما تضمناه من صفتي (اللطف) و(الخبرة).

الفائدة التاسعة عشرة: عظيم قدرة الله, وخطر الأمن من مكر الله.

 الفائدة العشرون: عظم إنذار الله، وعظم إنكار الله.

أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22).

 قوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ},  هذه الآية من دلائل الربوبية، والقدرة الإلهية في الآفاق؛ فإن دلائل ربوبية الله تكون في النفس, وتكون في الآفاق، قال الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ } [فصلت: 53], فهذه من الآيات الآفاقية؛ فالكل يرى الطير، لكن قليل من يتأمل في حركة الطير العجيبة, التي أودعها الله إياها حتى مكنَّه من السباحة في جو السماء. فمن مخلوقات الله ما يدب على الأرض، ومنها ما يكون في السماء، كالملائكة, ومنها المسخر بين السماء والأرض, كما قال الله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79], ومعنى قوله: {صَافَّاتٍ}: أي باسطات أجنحتهن. وقوله: {وَيَقْبِضْنَ}: أي يقبضن الأجنحة، وربما قبضن جناحًا، وأرسلن جناحًا. وهذه حركة يدركها المتأمل في عالم الطير, فيرى أسراب الطيور تحلق جماعات, ويرى الطير يسبح بمفرده, ويتأمل في خلق هذا الجسم الانسيابي الذي يشق به أجواز الفضاء, وهذا من دلائل الربوبية, قال الله تعالى: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50], فلولا أن الله تعالى أودع هذا الطير هذه الصفات التركيبية، والحركية, وإلا لما تمكن من البقاء. وفي هذا دعوة لهؤلاء المنكرين لوجود الله، والمنكرين للمعاد، للنظر في خلق الله. وقد عبر الله تعالى باسمه الرحمن؛ في قوله: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} لأن هذا من الرحمة العامة التي وسعت كل شيء.

والرحمن والرحيم من أسماء الله الحسنى, وقد ذكر العلماء في الفرق بينهما قولين:

القول الأول: أن الرحمن يدل على اتصاف الله تعالى بالرحمة العامة, بحيث تشمل جميع المرحومين؛ من مسلم وكافر, وبر وفاجرٍ, كما قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] وقال أيضًا: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7].  والرحيم يدل على اتصاف الله بالرحمة الخاصة بالمؤمنين، كما قال الله تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43].

القول الثاني: أن الرحمن يدل على اتصاف الله بالرحمة اتصافًا ذاتيًا، وهي الرحمة الواسعة. والرحيم يدل على اتصاف الله بالرحمة اتصافًا فعليًا، وهي الرحمة الواصلة. مع اشتراكهما في الدلالة على صفة الرحمة.

قوله: {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ}, ووصف الله تعالى بالبصر يشمل بصر العلم وبصر الرؤية, فالله تعالى بصير بمعنى أنه يرى كل شيء، ولا تخفى عليه خافية؛ يرى النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء, كما أنه سبحانه وتعالى بصير، بمعنى العليم ببواطن الأمور, فخلقة وتكوينه لهذا الطير، ولغيره من المخلوقات, عن علم، وبُصر، وخُبر، وحكمة.

قوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ}, هذه الآيات مصدرة بالاستفهام, وأسلوب الاستفهام أسلوب مؤثر؛ لأنه يستحث الأذهان، ويضع الإنسان في حال مواجهة ليجيب على السؤال, فيحفزه ذلك على التفكير, وأن ينفض عن نفسه غبار الجمود والتقليد, ويحول المشاهد المألوفة التي يراها ليل نهار, وصباح مساء, دون أن تحدث فيه أثرًا، إلى مشاهد حية مؤثرة.

قوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ},  أي جندٍ يمكن أن يحشده ابن آدم في مواجهة الرب سبحانه وتعالى, ويستنصر به ؟! قال الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ} [الأعراف: 195], فأي جندٍ مهما عظُم وكثُر عدة وعتادًا لا يمكن أن يكون نصيرًا لهم على الله عز وجل؟, وهذا استفهام إنكاري يُراد به التبكيت والتوبيخ.

قوله: {إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ}, هذه حقيقة الأمر؛ أن الكافر يعيش في غرور, والذي غره هو الشيطان؛ قال الله تعالى: {وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14], قال الله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} [إبراهيم: 22], فالشيطان يسول، ويزين، ويغري، ويخدع، ويغر؛ فإذا وافق نفسًا خبيثة، كنفس الكافر، استجابت له, وإذا وافق نفسًا مؤمنة ردت ذلك وأنكرته.

وقوله: {إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ}, أي: ليسوا إلا في غرور وانخداع.

قوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ}, قضية الرزق يعيشونها دومًا وأبداً؛ إذ أن طلب الرزق قد جبل عليه العباد، فكل حي يطلب رزقه, فالله تعالى يذكرهم بأخص خصائص معيشتهم، وهو الرِّزق, فمن أين لكم الرِّزق لو قطع الله عنكم رزقه؛ فلو منع قطر السماء، ومنع نبت الأرض, ومنع درَّ الضرع، فمن أين تأكلون وتشربون؟ وقوله: {أَمْسَكَ}, أي منع وحجب. والجواب عن هذا السؤال، كالذي قبله: لا أحد ينصرهم من دون الله, ولا أحد يرزقهم من دون الله. فتلك مقتضيات الربوبية التي يقر بها جميع بني آدم، ولا يملكون إنكارها.

قوله:{بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ}, لجوا: أي أمعنوا وتمادوا. والعتو: الكبر والعناد. والنفور: البعد عن الحق.

وختام هذه الآية، والتي قبلها، تصور نفسية الكافر المسكون بهذه المشاعر التي تحول بينه وبين قبول الحق؛ فهو في غرور، وعتو، ونفور, بينما نفس المؤمن نفسٌ مطمئنة, منقادة,  قابلة للحق, إذا وجدته عدته ظفرًا وفرحت به, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ)[34], فالكبر الذي يحجب صاحبه عن الخير له صورتان:

 إحداهما: صورة خارجية: وهي (بطر الحق)، أي جحده, يعلم أن هذا هو الحق, ومع ذلك يشيح بوجه، ويشمخ بأنفه.

الثانية : صورة داخلية: وهي (ازدراء الخلق), أي احتقارهم، فيستخف بالناس، ويرى أنه فوقهم، وخيرٌ منهم. فعلى المؤمن أن يحذر من هذه الأوصاف والسمات, التي تلون نفس الكافر، فلا يتشبه بأخلاق الكافرين؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ حِمَارٍ بِالنَّهَارِ عَالِمٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا جَاهِلٍ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ)[35],  بل يكون من الذين قال الله تعالى فيهم: {وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83], وأيضًا ممن قال الله تعالى فيهم: { وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} [القصص: 53], فيجب أن يعود الإنسان نفسه على الخضوع للحق، والانقياد له, فإذا بدا لك الحق بدليله، طأطأ له رأسك، واخضع لسلطانه، وطِب به نفسًا، وقرَّ به عينًا.

قوله: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}, هاتان صورتان متقابلتان.

الصورة الأولى: إنسان مكبٌ على وجهه, أي أن وجهه إلى الأرض.

الصورة الثانية: إنسان منتصب القامة، يمشي سويًّا على صراط مستقيم.

فحال الكافر التائه الضائع كشخص قد صوَّب وجهه إلى الأرض, وطفق يمشي على غير هدى، يتخبط يمنة ويسرة.

أما حال المؤمن فهو منتصب القامة، يرى دربه المستقيم, يسير بخطىً واثقة. هكذا حال المؤمن والكافر, فالمؤمن على نورٍ من الله تعالى. فحين أهبط الله تعالى الأبوين قال: { اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 38، 39], وقال: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123، 124], وقال:{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122], فمعه مشعل يستضئ به لنفسه، ويضئ لغيره, لا كمن يتخبط في دياجير الظلمات.

     وفائدة ضرب الأمثال أنها تقرب الأمور المعنوية بأمثلة حسية؛ فلهذا كثر في القرآن ضرب الأمثال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا } [إبراهيم: 24], وقوله: {سَاءَ مَثَلًا} [الأعراف: 177], {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43], فمن حسن التعليم ضرب الأمثال. وإذا مر الإنسان بمثل في القرآن فليرعه سمعه؛ قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43], فإن كان لا يعقل المثل, فتلك علامة سوء.

     وفي معنى قوله: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} [الملك: 22] قوله: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ} [القمر: 48], وفي الحديث: (أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» قَالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا)[36]. فهذا حالهم يوم القيامة فيتحول هذا المثل المضروب إلى حقيقة يوم القيامة, فإذا بهم يمشون على وجوههم, بينما يمشي المؤمن سويًا على صراط مستقيم.

قوله: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ}, أي أن الله تعالى هو الذي أوجدكم من العدم، على غير مثال سابق, قال الله تعالى: {إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40].  

قوله:{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ}, كثيرًا ما يرد في القرآن العظيم ذكر هذه الثلاثة: (السمع- والبصر- والأفئدة)؛ لأنها أنفع أعضاء الإنسان وحواسه, فالإنسان يتلقى العلم عن طريق السمع والبصر, ثم يهبط إلى الفؤاد، فيكيفه، ويتصوره، ويكون منه العلم, كما في قول الله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]، وقال:{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [المؤمنون: 78] وقال: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة: 9], فبعد أن كوّن هذه العلوم والمعارف, وحاز أعلى الألقاب, إذا بهذا العلم المتراكم يضمحل، ويتلاشى، ويتفكك، ويعود الإنسان شيخًا كبيرًا، هرمًا، تظهر عليه آثار الخرف, حتى يقال له: ما اسمك؟ فلا يحسن الجواب! وهذا هو أرذل العمر.

{قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}, أي: ما أقل شكركم! ولو تأمل الإنسان في حاله، لوجد أنه لا يؤدي حق الله بشكره على هذه النعم. فهل تفكر الإنسان في نعمة السمع؟ لو لم تكن تسمع، لكنت في هذه الدنيا مغيبًا، ولو كنت ترى الأشخاص. وعامة الناس لا يدركون تفاصيل هذه النعمة, وكيف هيأ الله تعالى الأذن الخارجية, والوسطى، والداخلية, والعصب البصري, لتتولى نقل الأصوات وتحليلها!, فهذه نعمة يجب على الإنسان أن يحقق شكرها. وتحقيق شكرها بأن يصغي إلى كلام الله تعالى, وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم, والموعظة الحسنة والعلم النافع، ونحو ذلك من الكلام الطيب, ويصون سمعه عن الخنا، والفجور، والفسق، والمعازف، والغيبة، والنميمة، وغير ذلك من اللغو.

     وكذلك الحال في نعمة البصر! هذه البلورة التي في محجر العين, التي يُسرِّح الإنسان فيها الطرف فيرى الألوان، والأشكال، والأحوال، ويتمتع بالنظر! ماذا لو سلبها كما الأعمى، فأمسى يتخبط في الظلمات؟ ويؤدي الإنسان شكر هذه النعمة بأن يسخرها في طاعة الله تعالى؛ بالنظر في ملكوت السموات والأرض, والنظر في كتاب الله تعالى، فيتلوه بعينه, وينتفع بهذا البصر للوصول إلى مراضي الله تعالى, ويصونه عن النظر إلى ما حرم الله, والمشاهد المحرمة.

     ونعمة الفؤاد الذي جعله الله بين أضلاعك, فله فائدتان:

الأولى: فائدة علمية.

الثانية: فائدة عضوية.

فالقلب هو سرة البدن، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ)[37], وهذا يشمل الناحية العلمية، والناحية العضوية, فحينما يتعطل القلب يموت صاحبه, وإذا اعتل اعتل البدن. وكذلك القلب المعنوي، إذا صلح واهتدى، واستنار بنور الله تعالى, صَلُح حال الإنسان واستقام, وإذا استهوته الشبهات، والشهوات، والغفلات، ضل صاحبه. فالسمع والبصر منفذان إلى القلب, يتعلم المرء من خلالهما, وليس كل سمع ينفع صاحبه, وليس كل بصر ينفع صاحبه, كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].

     وفي قوله تعالى: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ}, إلماحة إلى أهمية الشكر, وأن يكون الإنسان من الشاكرين. قال الله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13], وقال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3], فما أكثر الصابرين، وأقل الشاكرين. فالصابر يصبر اضطرارًا , فإن اقترن به احتساب, أُجر على ذلك,  فتجد الإنسان, يلح على الله تعالى في الدعاء, حتى إذا ما حقق الله تعالى له مطلوبه، نسي ما كان يدعو إليه من قبل. فالشاكر هو الذي يرى أن لله عليه حقً في كل شيء.

أفادتكم النعماء مني ثلاثة        يدي ولساني والضمير المحجبا[38] 

هكذا يكون شكر الله تعالى, باليد، واللسان، والقلب, فيشكر الإنسان ربه بجوارحه؛ فيسخرها في طاعته, ويلهج بشكر المنعم بلسانه, قال الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11], ويغتبط قلبه بنعمة الله تعالى. فعلى المسلم أن يعود نفسه على الشكر؛ ولهذا قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الأحقاف: 15]. وليتأمل الإنسان سورة النحل فلقد عدد الله تعالى فيها الكثير من أنواع النعم, حتى أنها تسمى (سورة النعم), فينبغي للإنسان أن يفتتح ديوانًا يسميه ديوان النعم يعدد فيه نعم الله عليه, قال الله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18], فالعد ممكن، أما الإحصاء فممتنع. فعدد نعم الله ما استطعت حتى تفرح بفضله ورحمته.

     ومن فوائد شكر النعم أن يذهب عن الإنسان الشعور بالكآبة والقلق؛ لأن الإنسان إذا أبصر نعم الله عليه، انشرح صدره، وإذا ذكر ما ينقصه من لعاعة الدنيا ضاق صدره, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ - قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ – عَلَيْكُمْ)[39], فلو أن إنسانًا نظر إلى حال الأثرياء والمترفين، وأصحاب المراكب والقصور؛ لانقبض خاطره وقال: لم لا أمتع بما مُتِع به هؤلاء, وإذا نظر إلى أن الله تعالى قد عافاه، وأقر عينه بالزوجة، والذرية، والصحة,  وأعظم ذلك نعمة الإسلام، لشعر أن الله اصطفاه من بين مليارات البشر ليكون من المسلمين. فتلك نعمة لا تعدلها نعمة. فكيف بمنة الإيمان, والعلم والقرآن, وسائر النعم؟!

قوله: {قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ}, أي بثكم, ونشركم, إذ لم يكن على وجه البسيطة سوى رجلٌ وامرأة, فبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء. فهذه المليارات التي تملأ الكرة الأرضية من أقصى الصين، إلى أمريكا الجنوبية، ومن كندا وسيبريا، إلى جنوب أفريقيا، كلهم يرجعون إلى أبٍ واحد، وأمٍ واحدة، كما قال الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1]

قوله:{وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}, حركة مقابل حركة, فالحشر في مقابل الذرأ والنشر. فالله ذرأنا وبثنا في الأرض, ثم يوم القيامة يحشرنا ويجمعنا على صعيد واحد. وفيه تذكير بالمعاد.

قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}, هذا من الكبرياء والعناد، وإنكار الثوابت، والمحكمات، والبدهيات, فهم يعاندون الرسل ويقولون: متى؟ فيتشاغلون بأين ومتى عن أصل القضية. وإلا فإن متى وأين لا تؤثران على أصل الموضوع, ولهذا لما سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم: (قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟» فَلَمْ يَذْكُرْ كَبِيرًا، قَالَ: وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: «فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»)[40], فعلم الساعة عند الله, وهؤلاء المكذبون يتحدون الرسل بكل بجاحة، وسوء أدب, فأمر الله نبيه أن يرد عليهم: {إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ}, أي أن علم الغيب عند الله، وإنما مهمتي الإنذار والبلاغ, وعلم الساعة مما قد ضن الله به من مفاتح الغيب الخمس كما قال الله تعالى: {نَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 34], وقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 42 - 46], وقال ههنا في سورة الملك:{وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ}, فمهمتي هي النذارة والبيان ليس إلا! و(إنما), أداة حصر. فهذا أمرٌ يجب أن يتفطن له المؤمن، وأن يُعنى بالحقائق، وأصل العلم, ولا يتشاغل بزغل العلم. عليك أن تعد للساعة، لا أن تشتغل بالبحث عن موعدها, فلا أحد يعلم متى الساعة, لا النبي صلى الله عليه وسلم، ولا جبريل! ولما سأل جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم : (قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»)[41], وإذا سمعت من يقول: إن نهاية العالم ستكون  في عام كذا وكذا، فقل له: كذبت؛ لأن الله تعالى قال: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النمل: 65].

قوله: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا}, أي لما رأوا تحقق موعود الله تعالى بالبعث والنشور, زلفة: اسم مصدر يستعمل للواحد وللاثنين, والمعنى: قريبًا. وسيئت: أي قبُحت, وقيل أسودت كما قال الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 106], فكل ما يدل على السوء فتفسر به هذه الآية، كما قال الله تعالى: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ} [القيامة: 24], وقال: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} [عبس: 40، 41], ويقال إن أحد الملحدين قال لأحد المؤمنين: ما هو شعورك حين تموت وتكتشف أن كل ما كنت تعتقده لا حقيقة له؟ قال له: لن يكون أسوأ من شعورك حينما تموت وتكتشف أن كل ما كنت تنكره صار حقَّا.

قالَ المُنَـــــــــــــــــجِّمُ وَالطَبيبُ كِلاهُما *** لا تُحشَرُ الأَجسادُ قُلتُ إِلَيكُما

إِن صَحَّ قَولُكُما فَلَستُ بِخاسِرٍ *** أَو صَحَّ قَولي فَالخُسارُ عَلَيكُما

قوله: {وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ},أي قيل لهم تبكيتًا: هذا هو الذي كنتم به تستعجلون, هذا هو الذي استخففتم به، ورددتموه، وأنكرتموه على الرسل، وكذبتم به, هذا الذي كنتم تدعون بقرب حصوله وتستدعونه، ها قد وقع كما أخبر الله تعالى به على ألسنة رسله. قال الله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} [الأعراف: 53],  فيندمون ولات ساعة مندم.

قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}, أسلوب استفهام على سبيل المجادلة والتنزل مع المخالف. يقول: هبوا أن الله أهلكني أنا ومن معي، أو كانت الأخرى فرحمنا، واستبقانا, فماذا يجدي عنكم ذلك, هل يغني عنكم شيئا؟ سواءٌ تربصتم بنا ريب المنون فهلكنا ومتنا, أو متعنا وبقينا، فماذا ينفعكم ذلك؟, هذا لا يغني عنكم من عذاب الله شيئا. فالله تعالى هو الذي يجير ولا يجار عليه.

     والتعبير بالهلاك يأتي غالبًا في الأمر المستكره، مقابل الرحمة, وهذا من حيث الجملة, وإلا فيجوز أن يستعمل الهلاك في أمرٍ غير مستكره كقول الله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا} [غافر: 34], ولا زال أهل الفرائض يقولون: هالك عن أبٍ وأمٍ، وكذا و كذا.

 قوله: {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ}, تكرر اسم الرحمن في هذه السورة أربع مرات. وكل اسم من أسماء الله الحسنى يتضمن وصفًا، فالرحمن يتضمن إثبات صفة الرحمة، ولا عكس, فلا يلزم من إثبات الصفة إثبات الاسم, مثال ذلك: قول الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185], وليس من أسمائه المريد. وكقوله تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ} [الإنسان: 30], وليس من أسمائه الشائي. وباب الصفات أوسع من باب الأسماء.

     والإيمان به سبحانه وتعالى يتضمن الإيمان بوجوده, والإيمان بربوبيته, والإيمان بألوهيته, والإيمان بأسمائه صفاته, وحقيقة الإيمان قول وعمل؛ قول باللسان, واعتقاد بالجنان, وعمل بالأركان, يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان, فيجب عل كل مؤمن أن يستعلن بالإيمان ويقول: {آمنا} كما قال الله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136], وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص، فقال: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84], وقال: {وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ} [الشورى: 15], فيجب على الإنسان أن يحقق الإيمان بأركانه الثلاثة؛ باعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الأركان.

قوله: {وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} التوكل من خصال الإيمان، وهذا من عطف الخاص على العام، لأهمية التوكل في هذا المقام. فلما كان المقام مقام مواجهة للمشركين, ومقابلة, ورد, احتاج الأمر إلى ذكر التوكل؛ لأن التوكل: اعتماد القلب على الله في جلب المنافع، ودفع المضار، مع فعل الأسباب الموصلة لذلك.

     والتوكل عمل قلب, وقد يعطف الله العمل على الإيمان، مع كونه جزء مسماه، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الكهف: 107], وذلك لأحد أمرين:

الأمر الأول: أن يقال: أن هذا من باب عطف الخاص على العام كقولك: حضر الطلبة، وحضر محمد. مع أن محمدًا من الطلبة, فيكون ذلك للاهتمام.

 الأمر الثاني: أن يقال: إن هذه الألفاظ لها دلالة عند الاقتران, ولها دلالة عند الافتراق؛ فهي عند الاقتران تحمل معنىً خاصًا, وعند الافتراق تحمل معنىً عامًا. مثال ذلك: حديث جبريل المشهور, حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، ثم سأله عن الإيمان, ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة, فقال: (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ  الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ), وقال عن الإيمان: (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)[42], ففسر الإيمان بالعقائد الباطنة. فإذا اقترن الإسلام والإيمان حُمِل الإسلام على الأعمال الظاهرة, وحُمِل الإيمان على الأعمال الباطنة, وإذا انفرد كلٌ منهما فإنه يشمل صاحبه، ودل على الدين كله، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19], وكقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [الأنفال: 2 - 4], وهذه قاعدة ينبغي أن يتنبه لها طالب العلم. ويعبر عنها بالقول: ( إذا اجتمعا افترقا, وإذا افترقا اجتمعا).

     والفرق بين التوكل والتواكل: أن التواكل نوع من العجز والكسل وعدم الأخذ بالأسباب, وهو مذموم. أما التوكل فإنه اعتماد القلب على الله, والأخذ بالأسباب التي نصبها الله؛ سواءٌ كانت أسبابًا شرعية أو حسية, ولهذا قال الله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60], ونبينا صلى الله عليه وسلم، حينما دخل مكة، وضع على رأسه المغفر، وظاهر بين درعين، وهذا من اتخاذ الأسباب, ولما هاجر إلى المدينة كان يكمُن نهارًا، ويسير ليلًا. ففعل الأسباب لا ينافي التوكل. والتوكل قرين الإيمان؛ قال موسى لقومه: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23], وقال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2], والتوكل من أعظم مظاهر الإيمان قال الله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 58], فحقق يا عبدالله عبادة التوكل عليه سبحانه وتعالى، وقل كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا}

قوله:{فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}, يعلمون ذلك حينما يحضرهم الأجل، ويبصرون ملائكة الرحمن، كما قال الله تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 22], وحينما يبعثون من قبورهم فتقول لهم الملائكة: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس: 52], إلى غير ذلك من الآيات.

     وهذا من أساليب مخاصمة الكفار ومجادلتهم؛ لأن الله أودع فطرهم هذا الإقرار. ولذا قال موسى لفرعون: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ} [الإسراء: 102], فكل كافر ينطوي قلبه على علم بالحق، لكنه يحجبه بالإباء والاستكبار. وإنما سمي كافرًا؛ لأنه كفره: أي غطاه, والكفرُ: هو الستر والتغطية. ومنه سمي الزارع كافرً؛ لأنه يستر البذور في الأرض، ويغطيها بالتراب. ولذا قال الله تعالى عن فرعون وآل فرعون: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا } [النمل: 14].

قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ }, هذا من الدلائل التي يجبههم الله تعالى بها، ويجعلهم أمام مواجهة سافرة لا يمكنهم دفعها, فيقول لهم: أرأيتم هذا الماء الذي جعلناه سبب الحياة، كما قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30], لو أن هذا الماء غار في الأرض، فلن تدركُوه بالمعاول والفؤوس, فمن يأتيكم بماء جار؟, وهذا الاستفهام، وما سبقه، كقوله آنفًا:  {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ}, وقوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ}, وأمثالها، تهزهم هزا, وتنفض عنهم غبار العادة والبلادة، وتجعلهم في مواجهة صريحة مع دلائل الإيمان. فمن أراد الله به خيرًا استبصر وجلىَّ الغشاوة عن عينه، والوقر عن أذنيه، والأكنة عن قلبه، واتبع الهدى, ومن تنكب الطريق، وأبى، فإنه لا يزيده ذلك من الله إلا بُعدًا. ويقال إن أحدهم لما سمع قول الله تعالى: {فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}, قال: تأتي به الفؤوس والمعاول, فغار ماء عينيه.

الفوائد الْمُستنبطة: من الآيات السابقات

الفائدة الأولى: التفكر في بديع خلق الله وتدبيره, وهذه من أجل العبادات.

الفائدة الثانية: إثبات اسم الله الرحمن, وإثبات ما تضمنته من صفة الرحمة.

الفائدة الثالثة: إثبات اسم الله البصير, وتضمنه لصفة البصر رؤيةً وعلمًا.

الفائدة الرابعة: ضعف الآدميين واضطرارهم إلى الله تعالى.

الفائدة الخامس: غرور الكفار وضلالهم.

الفائدة السادسة: فاقة الآدميين وافتقارهم إلى الله.

الفائدة السابعة: استكبار الكافرين ونفرتهم من دلائل الحق.

الفائدة الثامنة: تكييف حال الكافر بالله, بحال التائه المكب على وجهه، لا يهتدي, وفي المقابل تكييف حال المؤمن بالسائر منتصبًا على دربٍ مستقيم.

الفائدة التاسعة: جواز المقارنة بين طرفين في وصف ليس في أحدهما منه شيء كقول الله تعالى: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59], كما في قوله هنا: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}, فمن يمشي مكبًا على وجهه ليس معه من الهدى شيء, ومع ذلك قارن بينهما.

الفائدة العاشرة: مشروعية ضرب الأمثال وفائدتها.

الفائدة الحادية عشرة:  إثبات صفة الخلق، والإنشاء من العدم، لله رب العالمين.

الفائدة الثانية عشرة: أهمية السمع والبصر والفؤاد، وبيان العلاقة بينها.

الفائدة الثالثة عشرة: إثبات الذرء في الدنيا، والحشر في الآخرة، والمقابلة بينهما.

الفائدة الرابعة عشرة: عناد الكفار للحقائق الثابتة، وتشاغلهم بـ"متى" و"كيف"

الفائدة الخامسة عشرة: طعن الكفار بالمرسلين وأتباعهم من المؤمنين.

الفائدة السادسة عشرة: تفويض المؤمن علم مالا يعلم إلى الله تعالى, وبيان مهمته ووظيفته، وهي البلاغ المبين.

الفائدة السابعة عشرة: اختصاص الله تعالى بعلم الساعة والرد على من ادعى علم ذلك.

الفائدة الثامنة عشرة: بيان حال المنكرين للبعث حين تحققه.

الفائدة التاسعة عشرة: أن الوجه مرآة القلب, ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم من أصدق الناس وجها, فكان صلى الله عليه وسلم إذا سُرَ تهلل وجهه حتى كأنه مُذهبة, وإذا كره شيئًا عُرفت الكراهة في وجهه, وهذا يدل على نبل المشاعر وصدق العواطف.

الفائدة العشرين: تبكيت المنكرين للبعث.

الفائدة الحادية والعشرون:  تفنيد حجج المشركين، وإبطال متعلقاتهم.

الفائدة الثانية والعشرون: جواز التعبير بالهلاك عن الموت مطلقًا.

الفائدة الثالثة والعشرون: مشروعية قول: { هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا}.

الفائدة الرابعة والعشرون: الجمع بين الإيمان والعمل؛ ومنه التوكل.

الفائدة الخامة والعشرون: التلازم بين الإيمان والتوكل.

الفائدة السادسة العشرون: تحدي الكفار باضطرارهم إلى الله في أخص حاجاتهم ومقوماتهم، وهو الماء.

الفائدة السابعة والعشرون: توظيف دلائل الربوبية لإثبات الألوهية.

الفائدة الثامنة والعشرون: العناية بأسلوب الاستفهام, فعدد الجمل الاستفهامية في هذه السورة اثنتا عشرة جملة, أي أكثر من الثلث, وفائدة الاستفهام: أنه يستثير الذهن, وينفض عنه البلادة والعادة, ويحركه للتبصر والنظر.

الفائدة التاسعة والعشرون: أن الله نزل القرآن العظيم مثاني، كما قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23], أي يُثنى فيه بالمعاني, فتجد الآية يتكرر معناها في أكثر من موضع.

 

[1] أخرجه أحمد رقم (7975), وأبو داود رقم  (1400), وحسنه الألباني, وأخرجه النسائي في الكبرى رقم (11548), وأخرجه الترمذي رقم (2891), وقال: هذا حديث حسن.

[2] أخرجه الترمذي رقم  (2890), وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه.

[3] أخرجه أحمد رقم (14849), وحسنه ابن القيم في زاد المعاد (4/393),والحديث مختلف فيه بين الرفع والوقف, ولمزيد إطلاع ينظر تلخيص الحبير للحافظ ابن حجر (2/268).

[4] بدائع الفوائد: 2/185

[5] أخرجه البخاري رقم (6385), ومسلم رقم (593), متفق عليه.

[6] أخرجه البخاري رقم (1549), ومسلم رقم (1184), متفق عليه.

[7] الكوكب الساطع, صيغ العموم.

[8] أخرجه البخاري رقم (4684).

[9] أخرجه البخاري رقم (3332). وأخرجه مسلم رقم (2643).

[10] أخرجه البخاري رقم (4730).

[11] أخرجه مسلم رقم (2985).

[12] أخرجه البخاري رقم (ص69) تعليقًا, ومسلم رقم (1718).

[13] أخرجه البخاري رقم (2697), ومسلم رقم (1718).

[14] أخرجه مسلم رقم (1218).

[15] أخرجه مسلم رقم (2818).

[16] أخرجه البخاري رقم (1987), ومسلم رقم (783), متفق عليه.

[17] أخرجه البخاري رقم (1152), ومسلم رقم (1159), متفق عليه.

[18] أخرجه أحمد رقم (17114), والطبراني في الدعاء رقم (630), وأخرجه الحاكم في المستدرك رقم (1872), وقال:  هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه, وقال الألباني في (السلسلة الصحيحة- 3228), صحيح لغيره.

[19] أخرجه الترمذي رقم (3175), وابن ماجه رقم (4198).

[20] أخرجه البخاري رقم (2441).

[21] أخرجه الترمذي رقم (3298), وأحمد رقم (1770),وأخرجه الحاكم رقم (3137), وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه..

[22] أخرجه البخاري رقم (4701).

[23] أخرجه البخاري معلقًا موقوفًا من قول قتادة- (كتاب بدء الخلق- باب في النجوم).

[24] نظم القواعد الفقهية من تأليفه.

[25] أخرجه مسلم رقم (153).

[26] أخرجه أحمد رقم (16301), وحسنه الأرنؤوط, وصححه الألباني في "الصحيحة" (1434) وله شواهد متعددة ، ذكرها ابن كثير في تفسيره (ج5/من صفحه50إلى53) .

[27] أخرجه البخاري رقم (660), ومسلم رقم (1031), متفق عليه.

[28] أخرجه ابن ماجه رقم (4332)، وابن حبان رقم (2620)، والطبراني في "الكبير" (1/ 21-22).

[29] أخرجه البخاري رقم (3256).

[30] تفسير القرطبي رقم (ج 18- ص 214).

[31] أخرجه مسلم رقم (537).

[32] أخرجه مسلم رقم (2901).

[33] أخرجه البخاري برقم  (6485) ،  ومسلم برقم (249)

 

 

[34] أخرجه مسلم رقم (91).

[35] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى بهذا اللفظ رقم (20804), وأخرجه أحمد بمعنى مقارب رقم (12476), وإسناده على شرط البخاري ورجاله رجال الشيخين, وأخرجه الحاكم بمعناه رقم (202), وقال الحاكم والذهبي: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

[36] أخرجه البخاري رقم (6523), ومسلم رقم (2806), متفق عليه.

[37] أخرجه البخاري رقم (52), ومسلم رقم (1599), متفق عليه.

[38] من الألفية للإمام أبي عبد الله محمد الشيباني الشافعي المولود: (703 المتوفى: 777).

[39] أخرجه مسلم رقم (2963).

[40] أخرجه مسلم رقم  (2639).

[41] أخرجه البخاري رقم (4777), ومسلم رقم (8), متفق عليه.

[42] أخرجه البخاري رقم (4777), ومسلم رقم (8), متفق عليه.



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:19 صباحًا الإثنين 9 ربيع الأول 1442 / 26 أكتوبر 2020.