• ×

د. أحمد القاضي

العقيدة والتخطيط

د. أحمد القاضي

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فإن (التخطيط) بمعنى تحديد الأهداف، ووضع السياسات، وتصميم البرامج، والعمليات، والإجراءات، في مدىً زمني محدد، في ضوء استشراف المستقبل، واعتبار العوامل المؤثرة المحتملة ، اصطلاح أنشأته التجارب الإنسانية المتراكمة على مختلف الأصعدة؛ الإدارية، والتربوية، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها.

     ولا أحسب ملَّةً، أو نحلةً، أو مؤسسة، أرست هذا المفهوم، وجذَّرته في النفس الإنسانية، كما الإسلام، دين الحق. كيف لا ! والإسلام يقيم عقيدته على أساس أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وأن الحياة مضمار للتنافس في الصالحات، واستباق الخيرات.  

     أما الهدف فواضح وضوح الشمس في رابعة النهار، قال تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)  [الذاريات/56]، وقال ناعياً على الغافلين عن الهدف : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاترجَعُونَ)  [المؤمنون/115].  وأما التنفيذ : (فَمَنْ كان يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)  [الكهف/110] . وأما الحوافز : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة/148]، (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران/133]، (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الحديد/21].

     وفي نصوص السنة المطهرة استثارة للنفس المؤمنة، وتهييج لها على اغتنام فسحة العمر، من جنس قول النبي صلى الله عليه وسلم : (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوْ الدُّخَانَ، أَوْ الدَّجَّالَ، أَوْ الدَّابَّةَ، أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ، أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ) رواه مسلم، وقوله : (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا! هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ؛ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) رواه الترمذي وقال : حسن غريب.

     وهكذا ، فالقلب المعمور بهذه المعاني، يتَّقد فيه سراج وهاج، ويصيح في جنباته حاد يحدو إلى العمل، والانتاج، يميط عنه أكنة الغفلة والاستدراج، فينتفض انتفاضة العصفور، بلَّله القطر، وينتصب قائماً، مستعيناً بمن له الخلق والأمر.

     ومع إطلالة عام هجري جديد، تتجدد لدى المؤمن بواعث التخطيط، ونزعات الاستقامة، لما يحدث الله في قلبه من التفاؤل، والرغبة في الخير، واستدراك ما فات، واللحاق بركب المفرِّدين. قال شيخنا ابن عثيمين، رحمه الله : (استقبل هذا العام الجديد بالنشاط في العمل الصالح، بالنشاط في الأخلاق الفاضلة، بالنشاط في تربية الأولاد، بالنشاط في تربية الأهل، بالنشاط في الإحسان إلى الخلق، بالنشاط في جميع أعمالك، لا تتهاون! من تعود على التهاون، صار التهاون خلقاً له، وبقي هكذا دائماً، ومن عود نفسه على الجد، والحزم، ومحاسبتها، فإنه ينجح بإذن الله عز وجل)

     وينبغي أن يستفيد المؤمن من الوسائل، والأدوات الحديثة، في رسم خطته، وتنسيق أعماله، وتنزيل برامجه الإيمانية، والعلمية، والاجتماعية، والدعوية، والأسرية، والمعيشية، على أشهر العام، وأسابيعه، وأيامه، بصورة معتدلة، ممكنة. ومن ذلك ما تصدره بعض الجهات من (تقويم) أو (منظِّم) أو ما تحتويه بعض أجهزة الجوال، أو الحاسوب من قوالب. وسيجد مغبة ذلك بركةً في وقته، وإنجازاً لأعماله، وتحقيقاً لأهدافه. جعله الله عام خير، وبركة، ورشد. 



التعليقات ( 0 )