• ×

د. أحمد القاضي

(وكذلك أخذ ربك)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     (قدَّرت منظمة الصليب الأحمر الدولية أن يتجاوز عدد ضحايا الزلزال المدمِّر الذي ضرب هاييتي الثلاثاء الماضي الـ 50 ألف شخص، بينما تواصل فرق الإنقاذ البحث عن ناجين وسط الأنقاض.كما قالت المنظمة إنها تخمِّن أن يكون أكثر من ثلاثة ملايين شخص قد تأثروا بالزلزال، بين قتلى ومصابين، ومشردين، أو غيرهم.) المصدر : موقع هيئة الإذاعة البريطانية .

     هكذا ! في أقل من دقيقتين تقع هذه الضربة الكونية، لجانب من جوانب كوكبنا الصغير، فتخلف هذا الدمار الشامل، فإذا بالمدن العامرة تتحول إلى أنقاض، وإذا بالقاطنين الآمنين يصبحون أوزاعاً؛ ما بين مطمورين، ومشردين، وإذا باللاهين، العابثين في الحانات، والمراقص، يصرخون، ويندبون ! (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ) [هود/103] . إن هذا الحدث المفزع ، المهول، ليوحي للمؤمن بعدة أمور :

أولها : عظيم قدرة الله، وشدة بطشه، وأنه فعال لما يريد، يمهل، ولا يهمل، لا راد لما قضى، ولا معقب لحكمه، وهو القوي العزيز. فما أهون الخلق على الله، وما أعظم حلمه عليهم، لكنه إذا أخذ الظالم أخذه أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى : (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)  [هود/102]،

الثاني : اغترار الناس بالله، وغفلتهم عنه : فبينما هم غارُّون، لاهون، عابثون، إذ فاجأهم من أمر الله ما لم يكونوا يحتسبون. قال تعالى : (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ . أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ . أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف/97-99].

     روى صفوان، عن ابن جبير، عن أبيه، قال: لما فتحت قبرس، مر بالسبي على أبي الدرداء، فبكى، فقلت له: تبكي في مثل هذا اليوم الذي أعز الله فيه الاسلام وأهله ؟ قال: يا جبير، بينا هذه الامة قاهرة ظاهرة إذ عصوا الله، فلقوا ما ترى. ما أهون العباد على الله إذا هم عصوه .سير أعلام النبلاء 2 / 351.

     وهذا حال أكثر من على وجه الأرض الآن؛ غفلة مطبقة، وكفر إعراض، وفساد في البر والبحر، فما أحوجهم إلى ذكرى تخرجهم من هذه الأزمة المستحكمة، كم أخرجتهم ذات مرة، ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم : (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) [البينة/1-3]

الثالث : الانتباه للنذر : فما يجريه الله في ركن من الأرض، عِظة لباقيها. ولم يزل الله يلفت النظر إلى مصارع الغابرين، ويتوعد المجرمين بأمثالها. قال تعالى : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [الأنعام/11]، وقال : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) [محمد/10]. ولهذا خلَّد الله تعالى حال أمةٍ اتعظت، وانتفعت بالنذارة، بعد أن استحكمت أسباب عذابها، وهلاكها، فتداركها الله برحمته، لما آمنوا، وهم قوم يونس، عليه السلام. قال تعالى : (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) [يونس/98]

     ومن ذلك ما يجريه الله من الكسوف، والخسوف، تخويفاً للعباد، وتحذيراً لهم من التمادي في الفسوق والعصيان، فقد قال صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ) رواه مسلم. فلهما سببان: 1- سبب كوني: وهو حيلولة الأرض بين الشمس والقمر، فينخسف القمر، أو حيلولة القمر بين الأرض والشمس، فتنكسف الشمس. وذلك يدرك بالحساب.

2- سبب شرعي : تخويف العباد من الكفر والفسوق والعصيان : ولهذا خطب النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الكسوف العظيمة، خطبة بليغة، نبه فيها على سببية المعاصي في انعقاد العذاب، فذكر :

 

- الكفر، وحال مؤسس الشرك، عمرو بن لحي الخزاعي، وهو يجر قصبه في النار.

- الفسق ، وغيرة الله أن يزني عبده، أو تزني أمته .

- الظلم ، وتعذيب المرأة التي حبست الهرة، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فكيف بمن ظلم الناس ! فلهذا أمر بالتوبة، والاستغفار، والصلاة.

     فكيف يبقى شك في التلازم بين المعاصي، وحصول الكسوف والخسوف!؟ فإن الذي قدر أفعال العباد؛ من الطاعات والمعاصي، منذ الأزل، قدر حوادث الأفلاك السماوية، والآيات الأرضية،وربط بينهما بحكته البالغة، وسننه المطردة. فمم العجب ؟

     على أن النصوص لم تدل على وجود تناسب طردي بينهما، بحيث يزدادان بزيادة المعاصي، ويقلاَّن بقلتها. بل إذا شاء بلطفه، وحكمته، أجراهما، تحذيراً للمؤمنين، ولو شاء حجبهما، استدراجاً للظالمين . وهو الحكيم العليم . والحمد لله رب العالمين.



التعليقات ( 0 )