• ×

المشرف العام

مجمل اعتقاد أهل السنة

المشرف العام

 0  0  70
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

مجمل اعتقاد أهل السنة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد وصلتني رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي جمعت فيها جملة من الأسئلة العقدية التي يسأل جامعوها، فيقولون: هل أنت من أهل السنة والجماعة؟  فمن أجاب عامة ما سألوه فهو من أهل السنة والجماعة، وإلا فينبغي له مراجعة اعتقاده.

وإذا كان الأمر كذلك، فالأولى في مثل تقرير الاعتقاد بحيث يقال هذا من أهل السنة والجماعة أو ليس منهم، أن تقرر أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة في أصول أبواب الاعتقاد، ثم من وافق الأصول جملة فهو منهم، ويجب عليه من اعتقاد تفصيل الاعتقاد بحسب ما بلغه من العلم، ومن فارق في أصل أو أصلين من أصولهم فهو ليس منهم، وهذا ما سأذكره في هذه الورقة المختصرة؛ إذ ليس الغرض البسط والتحرير، وإنما الهمة هنا في ذكر جملة المفارقة لاعتقاد أهل السنة والجماعة، مع البيان الإجمالي لمعتقد أهل السنة في أصول الاعتقاد. ولأجل هذا الغرض فقد أعريت تقرير الاعتقادات عن الاستدلالات، وحكاية الإجماعات، وأدلة هذه الاعتقادات وحكاية الإجماع عليها مبسوطة في كتب عقائد أهل السنة المروية بالأثر كرسالة أحمد بن حنبل في الرد على الزنادقة والجهمية، وكتاب الدارمي في الرد عليهم كذلك، وكعقيدة الرازيين، وخلق أفعال العباد للبخاري، والسنة للمروزي، والسنة لأبي عاصم، والسنة للخلال، والتوحيد لابن خزيمة، والإيمان لابن مندة، والإبانة لابن بطة، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، والشريعة للآجري، والرؤية للدارقطني، وعقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني، وغيرها مما دونه زوامل الإسلام، والأئمة الأعلام.

 وهي كذلك مبسوطة في كتب أهل السنة غير المسندة كشرح السنة للبربهاري، وعامة كتب ابن تيمية كالواسطية والحموية والتدمرية ودرأ التعارض وبيان تلبيس الجهمية ومنهاج السنة وغيرها، وكتب ابن القيم كالصواعق المرسلة والنونية وهداية الحيارى، وشرح ابن رجب لكتاب الإيمان من البخاري، والطحاوية وشرحها لابن أبي العز، وتجريد التوحيد للمقريزي، وتطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد للصنعاني، وكتب إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب ككتاب التوحيد وثلاثة الأصول وكشف الشبهات والقواعد الأربع، وغيرها من هذه الكتب التي بينوا فيها اعتقاد أهل السنة وأصلوه وقرروه ودللوا عليه من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الدين.

فأقول: قد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حديث الافتراق، وهو حديث معروف مشهور، قد رواه جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد انقسم العلماء في تصحيحه على قولين: فمنهم من ضعف جميع رواياته، كابن حزم، ومنهم من صححه، وهو قول جمهورهم. ثم تصحيحهم له على ثلاثة أقسام: أحدها: تصحيح الافتراق على ثلاث وسبعين وفرقة، من غير زيادة "كلها في النار إلا واحدة"، وحديث الافتراق من غير الزيادة أخرجه أحمد، ومن أهل السنن أبو داود والترمذي وابن ماجة، ورواه غيرهم، كلهم من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

القسم الثاني: ما فيه زيادة "كلها في النار إلا واحدة"، فمن العلماء من ضعفها كابن حزم وابن الوزير اليماني والشوكاني، فهؤلاء لم يصححوها لا مرفوعة ولا موقوفة، والصحيح أن هذه الزيادة محفوظة من حديث صفوان بن عمرو، عن الأزهر بن عبد الله الحرازي، وعن أبي عامر عبد الله بن يحيى، عن معاوية رضي الله عنه، وله متابعة عند الترمذي وغيره من حديث الثوري وغيره، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وله عند ابن ماجة وابن أبي عاصم في "السنة" متابع آخر بمعناه من حديث صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه، وله عن ابن ماجه متابع آخر عن الأوزاعي، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فالزيادة بمجموع هذه الطرق صحيحة.

القسم الثالث: ما فيه أن "جميع الفرق ناجية في الجنة إلا فرقة واحدة وهم الزنادقة"، فهذه أجمعوا على أنها موضوعة.

وهل العدد في الحديث مقصود، أو أريد به التكثير؟

على قولين: أحدهما: أن العدد مقصود، وهو الصحيح، لدلالة سياق الحديث عليه. والقول الثاني: أن المراد به التكثير، فالعدد لا مفهوم له.

والافتراق في اللغة خلاف الاجتماع، يعني الانقسام من شيء واحد أو من أشياء متعددة. والمفارقة المباينة، تقول: فارقته، أي: باينته. والفرق جمع فرقة، وهي الطائفة من الناس التي تنفصل عن الجماعة.

أما الافتراق في الشرع، فهو الافتراق في الدين، والاختلاف فيه، والخروج عن الجماعة، وكثير من الفرق كان أول افتراقها مفارقة الجماعة، فتتميز عن الجماعة أول أمرها، وتباين ما عليه أهل السنة حتى تصل إلى الابتداع والمفارقة.

وممن حاول عد الفرق من السلف يوسف بن أسباط، فقال: "أصول الفرق أربع: الخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، وعن كل فرقة تفرع ثمان عشرة فرقة". وممن حاول كذلك عدها عبد الله بن المبارك، فعد نفس أصول الفرق التي ذكرها ابن أسباط، وقال: "الشيعة انقسموا إلى ثنتين وعشرين فرقة، والخوارج انقسموا إلى إحدى وعشرين فرقة، والقدرية انقسمت إلى ست عشرة فرقة، والمرجئة انقسمت إلى ثلاث عشرة فرقة".

وهذه الفرق من حيث وجودها الآن، تنقسم إلى أربعة أقسام: منهم من انقرض اسما وعقيدة، كغلاة القدرية، والهشامية أتباع هشام بن الحكم الذي قال بالتجسيم، واليونسية أتباع يونس بن عبد الرحمن الجواليقي.

ومنهم من انقرض اسما وبقي عقيدة، كالمعتزلة، وقد ورثت عقائدها الزيدية والإباضية والإمامية الاثني عشرية.  وكالسبئية وعقائدها موجودة داخل عقائد الاثني عشرية.

ومنهم من انقرض عقيدة وبقي اسما، كالمفضلة الذين يفضلون عليا على عثمان، والزيدية الذين يفضلون عليا على عثمان، ولا يفضلونهما على أبي بكر وعمر.

ومنهم من بقي اسما وعقيدة، كالإسماعيلية، والخوارج، والرافضة التي تشمل الإسماعيلية والاثني عشرية.

ولا يحكم على جماعة من الجماعات بأنها مفارقة حتى تخالف في أصل من أصول أهل السنة والجماعة المشتهرة أنها من أصول أهل السنة، أو تخالفهم في أكثر من أصل، كالقبوريين وغلاة المتصوفة والرافضة المخالفين في باب التوحيد والعبادة، وكالجهمية المخالفين في باب الأسماء والصفات، وباب القدر وأفعال العباد، وكالخوارج والمرجئة المخالفين في الأسماء والأحكام، وهي أول مسألة وقع فيها الخلاف في الأمة. وقد قال بعض أهل العلم: يدخل في الابتداع القول والقولين من البدع إذا كثرت.

ويجب بيان حال أهل البدع للأمة، وهذا مع العلم والعدل، ومن ذلك أن لازم القول ليس بلازم، إلا قول الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن لازم التكفير أو التبديع أو التفسيق قيام أمرين: أحدهما: قيام الدليل المقتضي أن ذلك القول أو الفعل كفر أو فسق أو بدعة.

الثاني: ثبوت شروط التكفير والتفسيق والتبديع، وانتفاء موانعه.

والبدعة: هي ما عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، فهي إحداث في الدين ما لم يشرعه الله ورسوله، أو كما قال الشاطبي في "الاعتصام": "هي طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الطريقة الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى".

وقد بدأت بوادر البدع من زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكنها كانت فردية محصورة.

غير أن بداية ظهور الافتراق كان بعد مقتل عثمان، وكان ذلك في العراق حيث خرجت الخوارج والشيعة، ثم في آخر عصر الصحابة ظهرت القدرية والمرجئة، ثم في أواخر خلافة بني أمية ظهرت الجهمية والقدرية والممثلة.

أما الكوفة فخرج منها طائفتان: الشيعة والمرجئة، والبصرة خرج منها فرقتان: القدرية والتصوف الغالي أو النسك الفاسد. أما الشام فظهر بها: بدعة النصب وبدعة القدر، وخراسان ظهر منها فرقتان: الجهمية المعطلة، والمجسمة الممثلة.

والافتراق كما يكون في الاعتقادات، فإنه يكون في العبادات والشرائع والمناسك، وهو حقيقة البدعة، فيبدأ الانحراف في أصل أو أصلين، ثم لا تزال بهم البدع، وتتجارى بهم الأهواء، حتى ينشئوا منهجا مستقلا، ويؤصلوا أصولا يبنون عليها بدعهم.

والبدع نوعان: اعتقادية وعملية، ثم الاعتقادية إما أن تكون مكفرة وإما غير مكفرة. والعملية ما يكون في الجنس والنوع والزمان والمكان والقدر والصفة.

وعلى هذا؛ فليس كل مفارقة تخرج المفارق من مجموع المسلمين، بل قد يكون الإنسان مفارقا ولا يكون خارجا عن المسلمين، فهو مسلم ليس من أهل السنة والجماعة. فهذا النوع من المفارقة يكون مع التأول، وذلك كمعتزلة الجهمية، والقدرية الثانية، ومرجئة الفقهاء، والكلابية والأشاعرة والماتريدية، وإنما يكون خارجا من المسلمين إذا قال أو اعتقد ما يوجب الردة، وليس له تأويل سائغ، فهذا يخرج من المسلمين، مثل غلاة الجهمية، وغلاة القدرية، وجميع الفرق الباطنية، وغلاة المرجئة الذين هم الجهمية الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية، وغلاة المعتزلة، وغلاة القدرية.

وقد تكون البدعة حقيقية أو إضافية. فالحقيقية ما لا دليل عليه، ولا أصل كلي، ولا قاعدة عامة، وتكون ودعوى استنباطها من الأدلة شبهة عند المستدل، لا اعتبار لها.

أما الإضافية؛ فهي التي يدل عليها دليل من وجه، لكنها من وجه آخر كالحقيقية؛ فالاستدلال عليها بلا دليل بل بشبهة دليل، ولا تندرج في عموم أصل كلي، أو قاعدة عامة. ومنه قول ابن مسعود للجماعة الذين كانوا يجتمعون في المسجد وفي أيديهم حصى, فيسبحون ويكبرون بأعداد معينة، حيث قال لهم: "والله لقد جئتم ببدعة ظلماً, أو فضلتم أصحاب نبيكم علماً".

وقد يكون الخلاف في الأحكام، ولا ينشأ عن هذا فرق مبتدعة، بل هو تارة يكون خلافا سائغا، وتارة يكون غير سائغ.

وحيث بينا جملة ما تحصل به المفارقة لاعتقاد أهل السنة والجماعة، وهذه المفارقة -كما تقدم بيانه- تكون في أصول أبواب الاعتقاد، بقي أن نذكر أصول أبواب الاعتقاد، وأصول اعتقاد أهل السنة في كل باب.

فأصول أبواب الاعتقاد سبعة: التوحيد والعبادة، والأسماء والصفات، والإيمان، والقدر وأفعال العباد أو القدر والشرع، والأسماء والأحكام، والإمامة، والصحابة وأهل البيت.

التوحيد والعبادة:

أما اعتقاد أهل السنة والجماعة في التوحيد والعبادة، فهم يعتقدون أن الله واحد لا شريك له في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، فهم يفردون الله بكل ما يختص به، فيشمل ذلك توحيده بأفعاله كالخلق والرزق والملك والتدبير، وأنه لا يعلم الغيب إلا هو، وتوحيده بأفعال العباد فلا يصرفون العبادة إلا له كالحلف والذبح والاستغاثة والاستعانة والذبح والصلاة، وتوحيده بأسمائه وصفاته فيثبتون له ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسله من غير تكييف ولا تمثيل، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسله من غير تحريف ولا تعطيل.

وقد تنوعت عبارات أهل السنة في التعبير عن معتقدهم في هذا الباب، فتارة يقولون: التوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتارة يجعلونها أربعة، فيفردون الصفات نوعا مستقلا، كما فعل ابن مندة، وتارة يقسمونه إلى قسمين، فيقولون: التوحيد إما أن يكون في المعرفة والإثبات، وإما أن يكون في القصد والطلب، فما كان في المعرفة والإثبات فيشمل الربوبية والأسماء والصفات، وما كان في القصد والطلب فيشمل الألوهية والأسماء والصفات، وتارة يجعلونه قسمين، لكن يقولون: إما أن يكون التوحيد علميا، فيشمل الربوبية والأسماء والصفات، وإما أن يكون عمليا، فيشمل الالوهية والأسماء والصفات.

وأيا ما عبر الإنسان عن المعاني الحقة بالعبارات الصحيحة الدالة عليها؛ فلا تثريب عليه، وإنما الغرض أن يعتقد الإنسان معاني ما دلت عليه هذه التقسيمات، فإذا حصل منه الاعتقاد فلا ينازع في التقسيم، وقد جمع الله أنواع التوحيد بقوله: (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته، هل تعلم له سميا).

الأسماء والصفات:

أما اعتقادهم في الأسماء والصفات؛ فهو متضمن في باب التوحيد والعبادة، لكن لما حصل النزاع فيه بين المسلمين، وكثر فيه الخلط والتخبيط والقول بالحق تارة، وبالباطل تارات، جعلوا يفردونه في باب مستقل، ومجمل اعتقادهم فيه ما تقدم من إثبات الأسماء والصفات لله على الوجه اللائق به كما أثبتها لنفسه وأثبتها له رسله من غير تكييف ولا تمثيل، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسله من غير تحريف ولا تعطيل، بل يعتقدون أنها حق على حقيقتها المضافة إليه سبحانه، فيجرونها على ظاهرها، فتكون معلومة باعتبار المعنى مجهولة باعتبار الكيفية، كما قال السلف: "أمروها كما جاءت، بلا كيف"، وطريقتهم في الإثبات كما هي طريقة القرآن إثبات مفصل، وفي النفي نفي مجمل، وهم إذا نفوا اعتقدوا كمال الضد، ويقولون في جميع الصفات ما يقولون في بعضها، ويجعلون القول في الصفات كالقول في الذات.

الإيمان:

أما اعتقادهم في باب الإيمان فهم يعتقدون فيه ما دلت عليه النصوص، وأجمع عليه السلف، من أن الإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، أو يعبرون عنه، فيقولون: الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان. ويعتقدون أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو قول جمهورهم، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد اتفقوا على زيادة الإيمان بزيادة القول والعمل، ولكن حصل شيء من النزاع في زيادة المعرفة، وقد روي عن أحمد في ذلك روايتان، حكاهما عنه أبو بكر الخلال في كتاب "السنة"، أصحهما أنه يزيد وينقص، وقد اختارها من كبار أصحابه القاضي أبو يعلى، وأبو عبد الله ابن حامد.

ويعتقدون أن أصول الإيمان وأركانه ستة، وهي التي لا يكون مؤمنا حتى يؤمن بها: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره، أما شعب الإيمان وأجزاؤه فهي بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا لله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق.

القدر وأفعال العباد:

أما اعتقادهم في باب القدر وأفعال العباد، فهم يعتقدون أن علم الله أزلي بكل شيء، ومنه علمه بأفعال عباده قبل أن يعملوها وبعد أن يعملوها، ولو لم يعملوها لو عملوها كيف يعملونها، وأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وأن مشيئته سبحانه شاملة نافذة، وأن قدرته تامة على كل موجود ومعدوم، وأنه سبحانه خلق المخلوقات كلها، خلق ذواتها، وصفاتها، وأفعالها، وكل ما سواه فهو مخلوق له، مربوب له، جل شأنه، وتقدس اسمه.

ويعتقدون مع ذلك أن العباد فاعلون حقيقة، ومريدون حقيقة، لكن إرادتهم وفعلهم تبع لمشيئة الله، فما شاء الله كان ولو لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن، ولو شاء الناس، وهو سبحانه قد أمر بطاعته، ونهى عن معصيته، فمن امتثل فهو محبوب لله، مرضي عنه، ومن عصى فهو متعرض للسخط؛ لأنه سبحانه لا يحب الكافرين ولا الفاسقين، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد. ويعتقدون أن الله إذا ابتلى العبد قدرا خفف عنه شرعا، فيتقي الله ما استطاع، فيصلي قائما، فإن لم يستطع فقاعدا، فإن لم يستطع فعلى جنب.

الأسماء والأحكام:

أما اعتقادهم في باب الأسماء والأحكام، فإنهم يعتقدون أن من كان من أهل القبلة وثبت إيمانه فلا يحكم بكفره بمجرد وقوعه بالمعصية والكبيرة، وإنما حكم من أتى كبيرة من الكبائر في الآخرة أنه إن تاب؛ تاب الله عليه، وإن لم يتب ومات مصرا على الكبيرة فأمره إلى الله: إن شاء عذبه بذنبه، وإن شاء عفا عنه بمنه وفضله، وهو سبحانه إذا عذبه في النار فإنه لا يخلده فيها ما دام قد مات على الإيمان.

وحكمه في الدنيا أنه من أهل الإيمان فتثبت له الأخوة الإيمانية، لكن أهل السنة يطلقون عليه الفاسق أو الفاسق الملي، ولا يثبتون له الإيمان المطلق، بل يثبتون له مطلق الإيمان، فلو كان رقيقا فإنه يجزئ في تحرير رقبة مؤمنة في كفارة القتل، وغيرها من الكفارات عند من يحمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم واختلف السبب، كما هو قول الجمهور، وهو خلاف قول الحنفية، فيقول أهل السنة في حقه: هو مؤمن ناقص الإيمان أو هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته. وقد يقع من بعض السلف سلب اسم الإيمان عنه وتسميته مسلما لأن النصوص نفته عنه في مثل "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، أو "والله لا يؤمن" قالها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: "من لا يؤمن جاره بوائقه"، لكن هذا الاخلاف خلاف لفظي، فأهل السنة مجمعون على أنه لا يخرج من الملة بإتيانه هذه الأعمال، بل يكون مسلما ناقص الإيمان، أو يسمونه الفاسق الملي.

الإمامة:

أما اعتقادهم في الإمامة، فيعتقدون وجوب نصب إمام للمسلمين، يحمي بيضتهم، ويفصل بينهم في منازعاتهم، ويحمي ضعيفهم من قويهم، ويقيم الشرع فيهم؛ لأنه كما يقول الأفوه الأودي:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم    ولا سراة لهم إذا جهالهم سادوا

 ويشترطون فيه في حال الاختيار جملة من الشروط، كالإسلام، والذكورة، والعدالة، والعلم، والعدل، وكونه قرشيا، ونحو ذلك، ويجعلون طريقة توليه في حال الاختيار إما بمبايعة جمهور أهل القدرة والشوكة، الذين يسميهم الفقهاء أهل الحل والعقد، وإما بعهد من بايعه أهل القدرة والشوكة إلى غيره، فيبايعه أهل القدرة والشوكة، كما قال ابن تيمية: "... وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه، ولو قُدِّر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه؛ لم يصر بذلك إماما"[1]، وإما أن تكون من الإمام شورى في جماعة فيختار الناس منهم، كما قال ابن تيمية: "وعثمان لم يصر إماما باختيار بعضهم، بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان لم يتخلف عن بيعته أحد"[2].

أما في حال الاضطرار؛ فأهل السنة يعتقدون بوجوب مبايعة من غلب حتى استتب له الحكم، وقهر مناوئيه وخصومه، وذلك حفظا للدماء، وصونا لبيضة الإسلام والمسلمين، ودفعا لمفسدة تسلسل الفتن، واضطراب الأحوال.

وهم مع مبايعتهم للإمام في الاختيار أو الاضطرار يعتقدون وجوب السمع له والطاعة بالمعروف، في المشط والمكره وعلى أثرة عليهم، وعلى ألا ينازعوا الأمر أهله، فيسمعون ويطيعون ما لم يؤمروا بمعصية، فإن أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة، ويرون وجوب النصيحة له، وبيان الحق على ما تقتضيه الشريعة، ويحرمون الخروج عليه، ولو كان فاسقا ظالما جائرا، بل يناصح ويبين له الحق، فإن أمكن عزله من غير مفسدة وجب ذلك، وإلا فالواجب الصبر عليهم، والجهاد والحج معهم، وجمع الناس عليهم، والدعاء بصلاحهم. 

الصحابة وأهل البيت:

أما اعتقادهم في باب الصحابة وأهل البيت، فهو إجلالهم وتوقيرهم ومحبتهم، وسلامة ألسنتهم من الطعن فيهم وسبهم أو تتبع زلاتهم، فيمسكون عما شجر بينهم، وسلامة قلوبهم من الغل عليهم، والبغضاء لهم، وبراءتهم من كل كذب وافتراء ينسبه إليهم الروافض وغيرهم من المبتدعة الضلال، ما يروى من الأخبار فهو إما كذب صراح عليهم، وإما ما أصله صحيح لكنه قد حرف وبدل فلم يعد موثوقا به، وإما أخبار صحيحة هم فيها إما مجتهدون مصيبون أو مخطئون مغفور لهم، ولذلك فإنهم لا يقولون بعصمتهم، وإن كانوا مع ذلك يقولون بعصمة إجماعهم؛ لأن الله لم يجعل هذه الأمة تجتمع على ضلالة، وخير هذه الأمة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 ويعتقدون أنهم رضي الله عنه في مراتبهم بحسب فضائلهم، فجنس المهاجرين أفضل من جنس الأنصار، ومن أنفق وقاتل من قبل صلح الحديبية فهو أفضل ممن أنفق من بعد وقاتل، ومن ورد فيه فضل خاص فيثبتونه له، إما في أفرادهم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد بن معاذ، وبلال، أو في جماعتهم كبقية العشرة، والبدريين وأهل بيعة الرضوان، مع تقديمهم لأبي بكر وعمر على سائرهم، وتقديم عثمان على علي كما استقر عليه إجماعهم، فيجعلون ترتيبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة رضي الله عنه وأرضاهم، وهم في الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.

وهم كذلك لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبونهم، ويحفظون وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وهم على أصح الأقوال آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس وبنو الحارث بن عبد المطلب، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين.

        فهذه جملة اعتقاد أصول أهل السنة والجماعة في أصول أبواب الاعتقاد، قد ذكرتها بعدما ذكرت جملة ما فارقهم به الخالفون لهم، فمن كان موافقا لاعتقادهم، ولم يخالفهم في أصولهم، أو في قول أو أقوال مما أجمعوا عليه؛ فهو منهم في أي زمان وأي مكان، ومن خالف أصلا أو أصولا من أصولهم، أو قولا مما أجمعوا فهو مفارق لهم، وإن ادعى الانتساب لهم، والتشرف بالانتماء لهم، في أي زمان أو مكان

والدعاوي إن لم يقيموا بينات    عليها أصحابها أدعياء

        أسأل الله أن ينفع بما كتبت، ويجعله خالصا لوجه، وليس لأحد فيه شيئا، وأن يجعل ما علمنا حجة لنا لا علينا، وأن يحيينا على الإسلام والسنة، ويميتنا على الإسلام والسنة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

كتبه: حمد بن عبد الرحمن السريح

21/10/1441هـ

 


[1] منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، ت: رشاد سالم، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، (1/141-142).

[2] المصدر السابق، نفس الصفحة.



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:59 صباحًا الإثنين 20 ذو الحجة 1441 / 10 أغسطس 2020.