• ×

المشرف العام

تلخيص نقد المنطق

المشرف العام

 0  0  69
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

تلخيص نقد المنطق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وبعد:

فإن من أفضل النقوض للمنطق الصوري الأرسطي نقضَ ابن تيمية –رحمه الله-، وقد لخصت نقوضه في ثلاثة جوانب: جانب المقدمات التي بني عليها المنطق، وجانب الحدود، وجانب الأقيسة. وسأذكرها مرتبة مبتدأ بجانب المقدمات، ثم الحدود، ثم الأقيسة.

  • جانب المقدمات التي بني عليها المنطق، وهي مقدمتان: الأولى: أنه آلة ذهنية تعصم مراعاتها الذهن من أن يزل في فكره، كما يقول الغزالي: "فكل نظر لا يتزن بهذا الميزان، ولا يعاير بهذا المعيار، فاعلم أنه فاسد العيار، غير مأمون الغوائل والأغوار"[1]الثانية: منع حصول العلم من غير استعمال هذه الآلة والمعيار.
  1. أن المناطقة جميعهم متفقون على أن من النفوس من تستغني عن صناعتهم المنطقية، كنفوس الأنبياء، فيقولون: تفيض عليهم المعارف من غير احتياج إلى القياس، وكغيرهم، وإن كان بعضهم يقول: هو حكيم بالطبع، والقياس ينعقد في نفسه من غير تعلم للصناعة المنطقية المخصوصة.
  2. أن دعوى أن العلوم غير مدركة سوى بهذه الصناعة قضية سلبية تحتاج إلى برهان، كما إذا كانت القضية إيجابية فهي تحتاج إلى برهان، كيف والواقع يدل على أن الناس قد نالوا العلوم، وحذقوها من غير الطريق الصناعة المنطقية؟! فعلم بذلك كذب هذه الدعوى السلبية.
  3. تقسيمهم أنواع القياس، أو أقسام الحجة إلى خمسة: الخطابي، والبرهاني، والجدلي، والشعري، والمغلطي، مع قولهم: إن الخطابي ما كانت مقدماته مشهورة، والبرهاني ما كانت مقدماته معلومة، والجدلي ما سلم المخاطب بمقدماته؛ تقسيم غير مطرد. ووجهه أن كثيرا من المقدمات تكون خطابية جدلية، وتكون مع ذلك برهانية علمية؛ لأن العبرة بجهة التيقن بها من حيث هي موجبة للعلم، فهي مع التيقن بها تسمى برهانية، ومن حيث شهرتها خطابية، ومن حيث تسليم المخاطب بها جدلية.
  4. قولهم: إن البرهاني يفيد علما؛ لأن مقدماته معلومة، وهي من الإدراكات المتيقنة، والخطابي يفيد ظنا؛ لأن مقدماته مشهورة، وهي من الإدراكات الظنية: قول غلط؛[2] لأن تقسيم مواد القياس وقع باعتبار الجهات التي يقبل منها: فإن كان لشهرة مقدماته فهو الخطابي، أورث علما أو ظنا، ومثله الجدلي والبرهاني.[3]
  5. تسميتهم المشهورات بالمقبولات التي ليست علما، ويمثلون عليها بالعلم حسن والجهل قبيح، والعدل حسن والظلم قبيح، ونحو هذا، أو الموجود لابد أن يكون مباينا للموجود الآخر أو محايثا له، أو أن الموجود لابد أن يكون جائز الرؤية، أن الموجود لابد أن يكون في جهة من الجهات؛ قول فيه تخليط شديد. ووجهه أن هذه القضايا بديهيات عقلية، التي جزم العقل بها أكبر من جزمه بكثير من العلوم الحسابية والطبيعية.
  6. قول المناطقة: إن الفطرة قد تحكم بما يخالف القياس قول غلط؛ ووجهه أن القياس لابد له من مقدمات فطرية بديهية، فلو قدر أن تكون المقدمات الفطرية غلطا لمخالفة القياس لها، لكانت هذه المقدمات قد عارضت مقتضى القياس الذي مقدماته فطرية. ثم ليس رد هذه المقدمات الفطرية بأولى من العكس، بل ما يعلم بالقياس وبمقدمات فطرية أقرب إلى الغلط مما يعلم بمجرد الفطرة.
  7. أن العلوم الكلية[4] البديهية (axioms) هي علوم ليس في المنطق طريق إليها؛ لأنها ليست من الخطابيات والجدليات المسلمات، وموادها ليست برهانية: فلو أنكروها تركوا المنطق لأنه لابد له منها، وإن صدقوها أقروا بأن من العلوم ما لا يوزن بالمنطق، وإن ارتابوا فيها فلم يثبتوها ولم ينفوها، صار منطقهم غير قادر على إثبات أجل العلوم وأشرفها من العلوم الكلية البديهية.
  8. اتفاق المناطقة على أن المنطق لا يفيد إلا تصورا مقدرا في الذهن، ولا يفيد تحقيق موجود في الخارج إلا بتوسط طرف خارج؛ يدل على انعدام فائدة المنطق؛ لأن الأمور الكلية الذهنية ليست هي الحقائق الخارجية، ولا علما بالحقائق الخارجية، فكل موجود له حقيقته الخارجية التي يتميز بها وجوده؛ إذ الموجود الخارجي الموضوعي لا يكون إلا جزئيا، مخصوصا، مضافا، مقيدا، متعينا. والعلم بالأمر المشترك الكلي للموجودات لا يفيد علما بجزئياتها، والكليات هي غاية ما يدل عليه المنطق فدل على أنه لا يفيد تحقق علم شيء من الأشياء في الخارج.[5]
  9. قولهم: إن قياس التمثيل (induction)[6] لا يفيد إلا الظن قول غير دقيق: فقياس التمثيل أبلغ في إفادة العلم واليقين من قياس الشمول (deduction)[7]، وإن كان قياس الشمول أكثر فذاك أكبر. ثم كل واحد من القياسين –في كونه علميا أو ظنيا-يتبع مقدماته[8]. والمتأمل في الواقع المحسوس يجد أن عامة علوم بني آدم العقلية المحضة مبناها على قياس التمثيل لا الشمول.[9]
  10. أن العلوم المقصودة بالقصد الأول من المنطق كالرياضيات والعلوم الطبيعية والطب معلوم استغناء أصحابها وحذاقها عن هذا العلم إلا قليلا، فحذاق أهل هذه العلوم لم يستعينوا عليها باستعمال القياس المنطقي، بل عامة ما صنف من العلوم المحققة في الإسلام كالنحو واللغة والعروض والفقه كان قبل تعريب المنطق اليوناني. وما يوصل إليه المنطق في علم ما بعد الطبيعة، الذي هو العلم الكلي الناظر في الوجود ولواحقه؛ الحق فيه نزر يسير، وغالبه أحكام ذهنية لا حقائق خارجية، وليس على أكثر قواعده وأقسامه قياس منطقي، بل هو استقراء ينازع فيه. فصار المنطق في طريق العلم إما إلى علوم لا يحتاج فيها إلى القياس المنطقي، أو لا يمكن استعماله فيها، فهو بهذا عديم الفائدة، وضرره أكبر من نفعه، إن قدر فيه نفع لا يحصل بغيره.[10]
  11. أن الاستقراء يدل على أن الخائضين في العلوم المستعملين لصناعة المنطق من أكثر الناس شكا واضطرابا، وأقلهم علما وتحقيقا،[11] وما يحصل لبعضهم من تحقيق شيء من العلم، فهو لصحة المادة والأدلة التي ينظر فيها، وصحة ذهنه وإدراكه، لا لأجل المنطق.
  12. أن الأمور العملية الخلقية قل أن ينتفع فيها بالمنطق؛ لأن هذه الأمور، وإن كانت قضايا كلية، لا تقف على رأي كلي، بل متى علم الإنسان انتفاعه بالعمل فعله، ومتى علم ضرره به تركه، ويعلمه بالحس الظاهر أو الباطن، لا برأي كلي.
  13. أصل السعادة والنجاة من العذاب هو في توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان برسله واليوم الآخر، والعمل الصالح. والمنطق لا يدل على هذه الأصول العظيمة، بل إما أن يفضي إلى الأمر بالشرك، أو عدم النهي عنه، وقد يوجد من يفضي به المنطق إلى ترجيح أهل التوحيد والإيمان، أو ترجيح أهل الشرك والكفران، أو يعرض عن ترجيح أحدهما. ثم إنه لو دل على التوحيد فليس هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، فالتوحيد الذي قد يدل عليه المنطق هو تعطيل الباري سبحانه عن أسمائه وصفاته وأفعاله، مع تخلف العمل عن معناه، ومعلوم أنهم لو وحدوا الله على الوجه الذي جاءت به رسله مع عدم عبادتهم له وعملهم بمقتضاه؛ لم يكن هذا منجيا من عذاب الله، فكيف وهم معطلون، وعن العمل والعبادة معرضون؟! فهذا أولى بالهلاك والبوار.
  • جانب الحدود، وهي جمع حد، ويريد به المناطقة القول الدال على الماهية[12]، سواء كان الحد حقيقيا، أم رسميا، أم لفظية، ويقولون: إنه به تتصور الحقائق. ويشترط له في الجملة ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون جامعا مانعا، أو منعكسا مطردا. الثاني: أن يكون مساويا للمحدود، وأوضح عند السامع من نفس المعرَّف. الثالث: ألا يكون لفظه مجازيا، أو مشتركا، أو مجملا. وأجزاؤه ثلاثة: الجنس[13]، والفصل[14]، والخاصة[15]. ثم الحد الحقيقي والرسمي ينقسمان إلى حد حقيقي تام[16] أو ناقص[17]، والرسمي[18] مثله.
  1. الدعوى بأن ما لم يكن بديهيا فلا يتصور إلا بالحد قول باطل؛ لأن الحاد قبل الحد إما أن يكون عارفا بالمحدود أو لا: فإن كان الأول؛ بطل الزعم بأنه لا يدرك إلا بالحد، وإن كان الثاني؛ فإن كان عرفه بحد آخر فهو كالأول، فيلزم منه الدور[19]، وإن كان تأخر لزم التسلسل[20].
  2. عامة الحدود التي يذكرها المناطقة تكون معترضة وغير مسلمة. فإما أن تكون معارف الناس متوقفة على غير مسلمات؛ فيلزم منه أن الناس لم يعرفوا شيئا، وهذا سفسطة، وإما أن يكونوا عرفوا من غير طريق الحدود، فدل على أنهم تصورا بغيرها، وهذا هو المطلوب.
  3. قولهم: لا يتصور إلا بحد، هذه قضية سالبة، والقضية -سالبة كانت أم موجبة إذا لم تكن بديهية- لا بد لها من دليل، ولا دليل على هذا القول، فكيف يكون ما لا دليل عليه أساسا للتصور؟!
  4. تصور المحدود يتوقف على العلم بصدق الحاد، وصدق قوله لا يعلم بمجرد خبره أنه صادق أو أن قوله صدق؛ لأن قوله جملة خبرية تحتمل الصدق والكذب، فعلم بذلك أنه على أصلهم لا يمكن تصور المحدود بالحد.
  5. حذاق العلوم حذقوها من غير احتياج للحدود، فالمستعملون للحدود في العلوم قليل في الناس، وعامة الحاذقين لعلومهم غير مشتغلين بالحدود، فإذا كانوا قد حذقوا علومهم من غير استعمال للحدود؛ بطلت دعوى امتناع التصور إلا بها.
  6. اللفظ مفردا أو مركبا يمكن أن يدل على معناه بتمثيل أو تشبيه[21]، لا أنه يدل على ثبوت الأمر في الخارج، وهو الحقيقة. ذلك أن الحقائق تدرك بالحس الباطن أو الظاهر، فإذا لم تتصور الحقيقة بالحس الباطن أو الظاهر، امتنع تصويرها بالحد، وإذا تصورت بالحس الباطن أو الظاهر، لم يحتج إلى تصويرها بالحد، فضلا عن أن يقال: إنها لا تتصور إلا بالحد.
  7. معلوم أن الوجود الذهني غير الوجود الخارجي، والوجود الخارجي هو الحقيقة المعينة، فإذا كانت الحدود ألفاظا كلية، والكليات لا تمنع من وقوع الشركة فيها؛ فالحدود على هذا لا تدل على حقيقة معينة؛ لأنها ذهنية لا خارجية، فبطل دعوى أن تصور الحقائق متوقف عليها.
  8. تصور معنى اللفظ المفرد يجب أن يكون قبل اللفظ ليكون اللفظ دالا على معناه؛ لأنه لو كان اللفظ سابقا لتصور المعنى؛ للزم الدور، فإذا كان اللفظ المفرد تتوقف دلالته على تصور معناه، فإن الحد الذي هو قول مركب من جنس وفصل من باب أولى، وإذا كان تصور المعنى سابقا للحد لم يصح أن يقال: إن التصور متوقف على الحد.
  9. لما كانت الحقيقة هي ما ثبت في خارج الذهن، وكان إدراك الذهن بالحد إدراكا ذهنيا؛ لم يفد الحد تصور حقيقة المحدود، بل غاية ما يدل عليه الحد تمييز المحدود عن غيره، وهذا حاصل بالأسماء والصفات التي يتضمنها المسمى، وليس مختصا بالحد. ووجهه أن الحقيقة المطلقة تتصور بالإحساس الظاهر أو الباطن، ثم عمومها وخصوصها في المعينات يكون بحكم العقل؛ لأن العقل يدرك المعاني الكلية، ويدرك ما يختص به كل معين من الصفات التي يفارق بها غيره مما يشترك معه في المعاني الكلية. فصار إدراك المعاني الكلية حاصلا بالإحساس، ثم يتعين المعنى بالاسم الذي يعين مسماه، أو بالصفات التي تميزه عن غيره، فلم يبق بنا للحد المنطقي المتكلف حاجة لإدراك الحقيقة إلا ما هو حاصل بالاسم والصفة.
  10. حقيقة الأشياء لا توجد إلا مركبة من صفاتها الملازمة لها، ولهذا امتنع وجود ذات في الحقيقة خارج الذهن لا صفات لها، وإن أمكن الوجود الذهني للذات بدون صفات، فيتصور ذات بلا صفات، لكن هذا الوجود الذهني لا يلزم منه الوجود العيني، فالذهن يتصور العدم، فتعين أن الحدود لا تفيد من التصورات إلا ما يتميز به المحدود عن غيره، لا أنها تميز بين صفاته الذاتية والعرضية اللازمة، ويتضح هذا الوجه بالوجه الذي يليه:
  11. التفريق بين الصفات الذاتية والصفات العرضية اللازمة، لا يخلو: إما أن يراد به وجود الفارق في الخارج؛ فالصفات لا تكون إلا ملازمة للذات، إذ لا ذات بلا صفات، وإما أن يراد به وجود الفارق في الذهن؛ فالعقل يدرك اختصاص الموصوف بالصفات دون غيره. فإن قيل: المقصود بالفرق بين الذاتية والعرضية اللازمة أن من الصفات ما يتوقف تصور الحقيقة عليها، وهذه ذاتية، ومن الصفات ما يمكن تصور الحقيقة بدونها. فالجواب: أن هذا أمر نسبي إضافي باعتبار الحاد، وليس باعتبار ما عليه الأمر في نفسه في الخارج، بحيث إن أدرك الحاد هذا التفريق أم لم يدركه؛ فالوصف يكون ثابتا له في نفس الأمر، فجعلهم هذا ذاتيا وهذا عرضيا لازما تحكم بلا سلطان.
  12. قولهم في الصفات الذاتية: هي التي يتوقف تصور المحدود عليها، لا يخلو: إما أن يراد به أذهان معينة، فلا تكون حجة على غيرها؛ لأنهم قد تواضعوا على أن التفريق بين الذاتية والعرضية اللازمة بقولهم: إن الذاتية ما يتوقف تصور المحدود عليها، وليس هذا منهم إلا تحكم بلا سلطان، وإما أن يراد به أذهان جميع البشر؛ فالواقع يدل على أن عامة البشر لا يفرقون بين الصفات، وقد يسبق إلى ذهن أحدهم الذاتي قبل العرضي اللازم، أو العرضي اللازم قبل الذاتي، أو يسبق إلى ذهنه أحدهما دون الآخر. وأصل ضلالهم أنهم فرقوا بين المتماثلين، فيما لا حقيقة له في الخارج ولا في الذهن.
  13. قولهم في الحد إنه مركب من الجنس والفصل، لا يخلو: إما أن يكون هذا التركيب في الخارج أو في الذهن، فإن كان في الخارج؛ فلا يكون نوع الشيء في الخارج إلا معينا بصفاته. فإن قالوا: إن الكليات تكون معينة في الذات، كالحيوانية والناطقية في الإنسان، قيل: هاتان صفتان لذات واحدة لم يحصل بها تركيب، فلا يقال: صفتان تركبت منهما الذات. وإن كان التركيب في الذهن؛ فهم لا يقصدون ذلك بالحدود حتى تكون مطابقة للخارج، وقد تبين أن نوع الشيء في الخارج لا يكون مركبا، بل يكون ذاتا لها صفات، فتعين أن امتناع التركيب، وإذ لا تركيب، فلا حد.
  14. البنية التي يتركب منها الحد لا بد لها من جزئين، والجزآن لا بد لكل واحد منهما من تصور؛ فإذا كان كل جزء محتاجا إلى تصور سابق يدرك بالحد؛ لزم من ذلك التسلسل أو الدور. ووجهه أنه إن قيل: إن الأجزاء متصورة بلا حد، لما فيها من العموم، قيل: فإدراك الحس لأفراد الأجزاء يكون أكثر؛ لأنه لما أدرك العموم الذي علم جنسه بالحس فيكون إدراكه لأفراده المعينين أعم مما لو علم الأفراد بمجرد التصور. ولذلك إذا لم تكن الأجزاء متصورة بالحس الذي يعلم به أفراد النوع؛ لزم أن تكون أجزاء الحد غير معروفة، فلا بد للجزء المعرِّف من معرِّف، وللحد من حد، وهذا تسلسل أو دور، وهما ممتنعان.[22]
  15. تصور الحد كلي، والكلي يشمل أفرادا كثيرة، وعلى ذلك فإذا أراد تصور المحدود فإنه يتصوره كليا كثير الأفراد، فيعسر تمييز أفراده لكثرتها، وهذا بخلاف ما لو ميز أفراد المحدود معينة، فإنها تقل، وإذا قلت سهل تصورها. فمن عرف المحدود بالكلية التي يعسر تمييز أفرادها، وترك تعريف المحدود بأفراده التي يسهل تمييز أفرادها؛ كان تاركا للأسهل في التعريف، وآخذا بالأصعب فيه.
  16. تصور المعاني أمر فطري، وهو حاصل بالحس الباطن أو الظاهر، فإذا تصور المعاني المحسوسة عقل معنى كليا ينتظم أفرادا لمحسوسات كثيرة، ثم العقل يفرق بين الصفات المشتركة والمختصة في جنس المحسوسات وفي أفرادها. أما أسماء هذه المعاني في النطق فلا بد لها من سماع، كما إذا أحس الصبي بالجوع أو الخوف، فقيل له: هذا جوع أو خوف، أو سُئِل، فقيل له: هل أنت جائع أو خائف؟ أو قيل في غيره: إنه جائع أو خائف، أو سأل غيرُه وهو يرى ويسمع، فأجيب السائل: هذا جوع أو خوف. فصار كل مسمى مميزا باسم يدل على ما يفصل الصفات المشتركة، ويعين الصفات المختصة، فتبين بذلك أنه لا فائدة في الحد إلا كما في الأسماء، مع التطويل والتكلف الذي في الحد.
  17. القول بأن الصفات الذاتية منها ما هو مشترك ومنها ما هو خاص، لا يخلو: إن كان المقصود بالاشتراك وجود الصفة في الخارج؛ فهذا باطل؛ لأن ما في الخارج لا يكون إلا معينا، وما كان معينا فإنه يمتنع وجود الشركة فيه. وإن كان المقصود بالاشتراك أن حصول الصفة في نوع يحصل مثله في نوع آخر؛ قيل: ليس من لازم الاشتراك في معنى كلي استواء الأفراد الداخلة تحته، بل يكون بينهما قدر من الاشتراك، ثم كل منها يختص بما يميزه عن سائر الأفراد، فكما أن الاشتراك في الخارج ممتنع؛ لأن الخارجي لا يكون إلا معينا، فكذلك الاشتراك في المعاني الكلية، لا يقع في الخارج إلا مختصا مميزا.
  18. قولهم: إن المحدود يتوقف تصوره على تصور الصفات الذاتية، قول فيه دور؛ لأنهم يقولون: لا يمكن تصور الماهية من دون تصور الصفات الذاتية، فيقال: "إذا كان [المخبر بالحد] لا يتصور المحدود حتى يتصور صفاته الذاتية، ولا يعرف أن الصفة ذاتية حتى يتصور الموصوف الذي هو المحدود، ولا يتصور الموصوف حتى يتصور الصفات الذاتية ويميز بينها وبين غيرها؛ فتتوقف معرفة الذات على معرفة الذاتيات، ويتوقف معرفة الذاتيات على معرفة الذات، فلا يعرف هو ولا تعرف الذاتيات"[23].
  • جانب الأقيسة، جمع قياس،[24] والكلام في نقض القياس يكون في مقامين: الأول: في قولهم: إنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس الذي اصطلحوه. الثاني: في قولهم: إن القياس الذي اطلحوه مفيد للتصديق.
  • المقام الأول:
  1. هذه قضية سالبة لم يقيموا عليها دليلا، والقضية إذا لم يقم عليها دليل، صارت دعوى بلا علم.
  2. هم يقرون بأن من التصديقات ما هو ضروري؛ لتوقف النظري على الضروري، ومعلوم أن كون الشيء ضروريا أو نسبيا أمر نسبي إضافي؛ لأن الناس يتفاوتون في قوى الإدراك والأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان. فإذا كان الناس متفاوتين في الإدراك فدعوى أن هذا ضروري وهذا نظري لا يكون إلا تحكما، فعلم منع دعواهم أن التصديقات لا تكون إلا بطريقهم.
  3. لما كان القياس لا يكون إلا عن قضية كلية موجبة، لزم من ذلك العلم بكون القضية كلية موجبة، وحينئذ لا يخلو: إن كان العلم بكونها كلية بديهيا، فالعلم بأن كل فرد من أفراد الكلية أولى أن يكون بديهيا، وإن كان نظريا، لزم الدور لتوقف النظري على نظري آخر وتوقف هذا الآخر على الأول، أو التسلسل لترتب كل فرد من الأفراد على غيره إلى ما لا نهاية. فإذا امتنع الثاني، لزم الأول، والأول كلي، والكلي لا يكون إلا ذهنيا، لا يدل على العلم بشيء في الخارج، فلا يكون ما اشترطوه في القياس عن كلية موجبة مفيدا للعلم بشيء في الخارج، فضلا عن ألا يكون طريق للعلم إلا به.
  4. أنه ما من أحد من بني آدم يريد أن يعلم شيئا فيستدل عليه بالنظر والاعتبار والقياس العقلي إلا وهو يصل إلى العلم الذي تجزم نفسه بصدق نتيجته، ويعلم من نفسه أنه يعلم، من غير استعمال للقياس الاصطلاحي المنطقي، فعلم بذلك منع انحصار سبل العلم العقلي بما خصوه من القياس.
  5. ما ذكروه في القياس في مبحث القضايا وأقسامها وأحكامها، مثل كذب النقيضين، وصدق العكس، وعكس النقيض، أو ما ذكروه في الاستدلال المباشر وغير المباشر، وأنواع كل منهما، وأشكال القياس الحملي، وضروب كل واحد منها، وشروط نتاجه: هذا كله إما أن يكون باطلا، وإما أن يكون حقا، وما كان منه حق فهو تطويل يتعب صاحبه، ويكل ذهنه، وتكلف يذم عليه، مع ما فيه من العي في البيان، والعجمة في الإفصاح، وما كان هذا شأنه لا يكون معتمدا في الوصول إلى علم، فكيف بحصر الوصول إلى علم فيه. لا شك في بطلان ذلك.
  6. لما كان من العلوم ما لا يحتاج إلى قياس، كالبديهيات، علم استغناء العلوم الكلية الذهنية عن القياس. فإذا كان هذا جائزا في علم كلي، كان جائزا في كلي آخر، لأنه لا يمكن التفريق بين ما هو بديهي وما ليس ببديهي بفارق منضبط؛ لأن هذا يرجع إلى صفاء العقل ونقائه، وكثرة إدراك الجزئيات له، فعلم بذلك كذب دعواهم حصر العلم في قياسهم.
  7. القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية، فإدراكنا لهذه النار أنها محرقة، لا يلزم منه أن كل نار محرقة، لأننا لم نحس أن كل نار محرقة، لكننا ندرك ذلك باستدلالنا على الغائب بالشاهد، وبإعطائنا الشيء حكم نظيره. وهذا عندهم قياس تمثيلي، والتمثيلي دلالته ظنية، فلا يكون برهانيا، وهو القياس الذي يكون حجة عندهم. فيقال: إن الكلية التي يكون إدراك أفرادها المعينة في الخارج، وكان سبيلها التمثيل، أولى بأن تكون نتائجها علمية يقينية من القياس البرهاني الذي تكون نتائجه كلية، والكلية لا تكون إلا ذهنية. فلما كان ما لا يفيد إلا الظن عندهم أدل في الواقع على النتيجة اليقينية العلمية من القياس الذي جعلوه دالا على اليقين؛ علم بذلك قلة منفعة هذه الطريقة في حصول العلم واليقين، فكيف يقال بانحصار العلم إلا بهذه الطريقة القياسية المنطقية[25].
  8. قولهم: إن قياس الشمول يفيد اليقين، وقياس التمثيل يفيد الظن، قول فاسد. والصواب أن يقال: كلا القياسين سواء، فإن الشمول مؤلف من الحد الأصغر والأوسط والأكبر، والأوسط في الشمول هو العلة أو المعنى أو المناط في التمثيل. فقولنا: العلم نافع، وكل نافع محمود، فالعلم محمود، فالنفع هو الأوسط في الشمول، وهو العلة والمناط والمعنى في التمثيل، فلا يفرق بين متماثلين، كما أنه لا يجمع بين مختلفين. والتفريق الصحيح يكون بمادة القياس؛ فإن كانت يقينية، فالقياس مفيد لليقين، وإن كانت ظنية، فالقياس مفيد للظن.
  9. حصرهم للاستدلال المباشر في الأنواع الثلاثة: القياس، والتمثيل، والاستقراء، هو حصر باطل؛ لأنه بقي أن يقال: الاستدلال بالكلي على الكلي الملازم له، وهو الذي يطابق مدلوله في العموم والخصوص، والاستدلال بالجزئي على الجزئي الملازم له، فلا يوجد أحدها إلا ويوجد الآخر. فالاستدلال بطلوع الشمس المعين على طلوع النهار المعين، هذا استدلال بمعين على معين لازم له، ثم الاستدلال بجنس طلوع الشمس، وهو كلي، على جنس طلوع النهار، وهو كلي، استدلال بكلي على كلي لازم له، وهذان النوعان من الاستدلال لم يجعلوهما ضمن القسمة التي حصروا بها الاستدلال المباشر، فكيف يقال: إن العلم منحصر فيما ذكروه؟!
  10. خير من حصرهم طرق الاستدلال في أقسام معينة أن يقال: الدليل ما كان مستلزما للمدلول، فكل شيء لزم عنه غيره فهو دليل عليه، والمدلول يكون دليلا على لازمه؛ لأنه يكون ملزوما لمدلوله، ثم إن كان اللزوم قطعيا، كان الدليل قطعيا، وإن كان اللزوم ظنيا، كان الدليل ظنيا. ويستوي في ذلك الملزوم إذا كان المستدل به في الإثبات أو في النفي، فيستدل بثبوت الشيء على انتفاء نقيضه وضده، وبانتفاء نقيضه على ثبوته، وبثبوت الملزوم على ثبوت اللازم، وبانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم. ففي هذا انعتاق العقل في الاستدلال من حصره في أقسام ثلاثة لم يدل عليها دليل، بل في الطريقة الاستدلالية المذكورة ما يشمل ما ذكروه وما لم يذكروه، فالدليل ما أرشد إلى المطلوب، أو ما اقتضى صحيح النظر فيه الوصول إلى علم، أو اعتقاد راجح، أو ظن.[26]
  11. لما كان القياس البرهاني الذي يستعملونه لا يدل إلا على كليات، والكليات لا تكون إلا ذهنيات، علم بذلك أنه لا يستفاد به علم جزئيات، لأن الجزئيات لا تكون إلا خارجيات، بل ما يستفاد به هو علم كلي مقدر في الذهن، وهذا لا يدل على موجود متحقق في الخارج. ولذلك فإن قياسهم لا يعلم به أشرف الموجودات وهو "واجب الوجود"، ووجوده معين ليس كليا، إذ تصوره يمنع من وقوع الشركة فيه، فإذا كان قياسهم لا يدل إلا على الكليات، لم يعلم به أعظم الموجودات، فكيف يحصر العلم فيما لا يعلم به أعظم الموجودات؟!
  12. أن القياس الذي يستعملونه لا يوصل إلى علم بواجب ولا ممكن. وجهه أن الممكن لا يبقى على حال واحدة، بل لا يزال قابلا للتغير والاستحالة، ثم على تقديرهم، فإن الممكن لازم لموصوفه، فيكون نفس الموصوف غير واجب البقاء، فإذا كان الممكن لا ينفك عن كونه غير واجب البقاء، فلا يكون العلم به علما بموجود واجب الوجود، فلا يعلم بطريقهم القياسي الكلي أمور كلية في الممكنات، ولا أمورا معينة يختص بها واجب الوجود، فلم يصلوا إلى علم ممكن ولا إلى علم واجب، فإذا لم يكن علم بطريقهم أصلا فحصر العلم به باطل[27].
  13. حصر الاستدلال بمقدمتين حصر باطل؛ لأن احتياج المستدل للمقدمات مما يختلف فيه حال الناس، فقد يحتاج إلى مقدمتين أو مقدمة، وقد يحتاج إلى أكثر، وقد لا يحتاج إلى مقدمة لعلمه ضرورة بالمستدل له، ويزيد في هذا وضوحا أن القياس عندهم قول مؤلف من أقوال إذا سلمت لزم عنه لذاته قول آخر، فالنتيجة تكون قضية وهي قول، فالمقدمات والنتيجة أقوال، فإذا كانوا قد جعلوا القياس مؤلفا من أقوال، فلا وجه لحصره في قولين؛ لأنهم إن أرادوا جنس العدد فيكون من اثنين فأكثر، فيمكن أن يكون ثلاثا أو أربعا أو أكثر، وإن أرادوا الجمع الحقيقي، وهو ما لم يكن مؤلفا إلا من ثلاث فأكثر، لم يصح على اصطلاحهم، فتعين أن يكون المراد جنس العدد، وهو شامل لاثنين فصاعدا، ثم يكون اصطلاحهم بحصره في الاثنين تحكم محض لا دليل عليه[28].
  14. لما كان الدليل هو ما استلزم حكمه المطلوب من الدليل عليه، وكان الحد الأول مستلزما للأوسط، والأوسط مستلزما الثالث؛ لزم منه ثبوت أن الأول مستلزم للثالث؛ لأن ملزوم الملزوم ملزوم، ولازم اللازم لازم، إذ الحكم لازم من لوازم الدليل، بيد أن لزومه لم يعرف إلا بواسطة الحد الأوسط، وهو الذي يقرن بقولك: لأنه. فعلم بذلك الاكتفاء بمقدمة واحدة، وبطل حصرهم. [29]
  15. تقسيمهم القياس إلى اقتراني واستثنائي، تقسيم غير حاصر، بل كل اقتراني يمكن تصويره بالاستثنائي، وكل استثنائي يمكن تصويره بالاقتراني، فيعود الأمر إلى مادة الدليل، لا إلى صورته، ومادته لا تعلم من الصورة، فإذا عرف المادة، وهو أن هذا مستلزم لهذا، علم أن هذا دليل لهذا، سواء صورت بصورة القياس الذي اصطلحوه، أو بصورة أخرى، أو لم يصور بصورة أصلا. فمضمون الاقتراني هو لزوم هذا لهذا، وهذا لهذا، وهو نفسه الاستثنائي. فمضمون الشرطي المتصل استدلال باللزوم، بحيث يكون ثبوت الملزوم الذي هو المقدم، وهو الشرط، مستلزما لثبوت اللازم وهو التالي، وفي النفي، يكون انتفاء اللازم الذي هو التالي، مستلزما لانتفاء الملزوم الذي هو المقدم. ومضمون الشرطي المنفصل هو الاستدلال بثبوت أحد النقيضين على انتفاء الآخر، وبانتفائه على ثبوته. "وبالجملة، ما من شيء إلا وله لازم لا يوجد بدونه، وله مناف مضاد لوجوده، فيستدل عليه بثبوته ملزومه، وعلى انتفائه بانتفاء لازمه، ويستدل على انتفائه بوجود منافيه، ويستدل بانتفاء منافيه على وجوده"[30].
  • المقام الثاني:
  1. لا بد في القياس من قضية كلية موجبة، ولا بد لمادته أن تكون علمية يقينية، وهي البديهيات، والحسيات، والوجدانيات، والتجريبيات، والمتواترات، والنظريات، وهذه جميعها سوى البديهيات، لا تكون إلا أمورا معينة جزئية، لا كلية عامة، فلم يتبق إلا البديهيات، وهذه لا تفيد معرفة شيء في الخارج، فإن معرفتك أن الواحد نصف الاثنين، لا يدل على معرفتك بمعين، بل هو أمر كلي لا بد له من حس ليتحقق في الخارج، والحس لا يكون إلا جزئيا معينا. فإذا كانت اليقينيات سوى البديهيات لا يدرك بها إلا معينات، وهي جزئية، أو بديهيات، وهي لا يدرك بها معينات، لأنها كلية؛ امتنع أن يكون في صورة قياسهم ومادته حصول علم يقيني.
  2. الحقائق الخارجية، لا تكون إلا معينة جزئية، فيكون علمها بالحس والتجربة والوجدان، وبقياس تمثيلي يعطي الشيء حكم نظيره لما بينهما من الاشتراك في الصفة والمعنى والعلة، بل تعلم بالقياس الذي لا تكون فيه قضية كلية شمولية، فتكون الحدود الثلاثة فيه معينة جزئية، والنتيجة معينة جزئية، ومعلوم أن علم هذه الحقائق الخارجية بهذه الطرق المعينة أكمل وأوضح من علم معان كلية ذهنية مشتركة، لا يعلم تحققها في الخارج، فصار قياسهم لا يوصل إلى علم كلي؛ لأنه لا يكون إلا في البديهيات، وهي ما يجزم العقل بمجرد تصور طرفيها، فلم تحتج إلى قياس، ولا إلى علم معين؛ لأنه لا ينال إلا بالجزئيات، وهي لا تكون مادة من مواد قياسهم.
  3. الإمكان الذهني إما أن يكون لما يعلم الذهن عدم امتناعه، لا لعلمه بإمكانه في الخارج؛ لأنه قد يكون ممتنعا في الخارج. وإما أن يعلم الذهن إمكان الشيء في الخارج، لعلمه بوجوده أو وجود نظيره، أو وجود ما هو أبعد عن الوجود منه، فما هو أبعد في الوجود إذا وجد كان ما هو دونه ألو بالوجود منه. ولما كانت مادة القياس لا تكون إلا كلية، والكليات ذهنية، والذهنيات مقدرات، ومعلوم أنه ليس كل ما قدره الذهن أمكن وجوده في الخارج، صارت الطريق الحسية التي يكون فيها الإمكان الخارجي معروفا بالوجود، أكمل من طريق يعرف بها الإمكان بمجرد عدم العلم بالامتناع، فالعلم بالكليات إذا كان لها وجود في الخارج أعظم من العلم بكليات لا يعلم لها وجود في الخارج، بل بمجرد عدم الامتناع.
  4. المناطقة يسلمون أن ثبوت الأحكام لبعض الأفراد في قياس الشمول يكون بديهيا، لأن النتيجة لو افتقرت لمقدمتين لزم أن تنتهيا إلى مقدمتين تعلمان بغير مقدمتين، حتى لا يلزم الدور أو التسلسل، فإذا كان طريق العلم بالمقدمتين سبيله واحدا، لم يحتج إلى القياس؛ لأنه لما كان طريق العلم بالمقدمتين واحدا؛ فلا حاجة إلى تبيين كل مقدمة، فإن كان طريق العلم بهما مختلفا، فلا يكون تبيين إحداهما محتاجا إلى تبيين إلا إذا لم يعلمها، وتكون الأخرى غير محتاج إلى بيانها لأنه علمها. فعلم بذلك أن قياسهم لم يوصل إلى علم لم يكن معلوما، بل يكون قياسهم مضيعا للزمان، ومكثرا للهذيان، ومتعبا للأذهان من غير طائل.

كتبة

أ. حمد بن عبدالرحمن السريح

 

 


[1]معيار العلم في فن المنطق، محمد الغزالي الطوسي، دار المعارف، مصر، 1961، ت: د. سليمان دنيا، ص60.

[2] الإدراك عند المناطقة إما أن يكون جازما أو غير جازم؛ فإن كان جازما وهو مطابق للواقع فهو العلم، وإن كان غير مطابق للواقع فهو الجهل. أما إن كان الإدراك غير جازم؛ فإن كان مع احتمال ضدٍ راجح فهو الظن، وإن كان مع احتمال ضدٍ مرجوح فهو الوهم، وإن كان مع استواء الطرفين فهو الشك.

ثم يجعلون الإدراكات العلمية اليقينية محصورة في ستة إدراكات: أحدها: الأوليات أو البديهيات: وهي ما يجزم العقل بها بمجرد تصور طرفها، كالعلم بأن الكل أعظم من الجزء.

الثاني: المحسوسات: وهي ما يحصل بالحس الظاهر بواسطة إحدى الحواس الخمس. وهذه عندهم لا تقوم بها الحجة على غير الحاس.

الثالث: المشاهدات الباطنة أو الوجدانيات: وهي محسوسات لكنها باطنة لا يشارك الفرد فيها غيره، كجوعه وشبعه وغمه وفرحه وحزنه، ولهذا لا تقوم بها حجة على غيره.

الرابع: التجريبيات: وهي ما تحصل متكررة في العادة بأن يتكرر فيها الترتيب من غير علاقة عقلية، كالبرق والرعد يتبعه المطر.

الخامس: المتواترات: وهي التي يحكم العقل فيها بواسطة السماع، ويشترط فيها الاستناد إلى الحس، كالعلم بوجود مكة وبغداد لمن لم يرهما.

السادس: النظريات: وهي القضايا المجهولة المكتسبة من المعلومات بطريق النظر، مثل نظرية نيوتن في الحركة.

أما الإدراكات الظنية فهي محصورة في أربعة: أحدها: المشهورات: وهي القضايا التي تشتهر بين الناس، مثلما لو أخبرك رجل عدل بوجود حريق في بيت.

الثاني: المقبولات: وهي القضايا المأخوذة ممن يعتقد فيه، كالعالم الذي يعظ الناس.

الثالث: المسلمات: وهي القضايا التي تسلم من الخصم، كتسليم الفقهاء بمسائل أصول الفقه.

الرابع: المخيلات: وهي القضايا التي تؤثر في النفس بسبب ما تثيره من خيال، كأحلام اليقظة.

[3] ومراد ابن تيمية في هذا أن تقسيم القياس ينبغي أن يكون باعتبار مدلوله، لا باعتبار دلالته، بمعنى أن قطعية الدليل أو ظنيته هي بما يقع بمدلوله، فإن كان مدلوله قطعيا فهو قطعي، سواء كان خطابيا أم جدليا أم برهانيا، وإن كان مدلوله ظنيا فهو ظني. ولهذا فإن المدلول مستلزم لدليله، فيستدل بالملزوم على اللازم، فإذا استلزم شيء شيئا آخر فهو الدليل عليه، فإن كان الملزوم قطعيا فاللازم قطعي، وإن كان الملزوم ظنيا، فاللازم ظني، بل إن الملزوم هو دليل للازم، لأنه مستلزم له.

[4] يزعم المناطقة أن فائدة المنطق هي في الوصول إلى مجهول تصوري أو مجهول تصديقي. والموصل إلى المجهول التصديقي هو الحجة والبرهان، والموصل إلى المجهول التصوري هو الكليات الخمس: الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام، وتسمى القول الشارح.

[5] وفي ذلك كذلك دحض لفلسفة "إيمانويل كانت" في كتابه "نقد العقل المحض"، حيث يجعل العالم انعكاسا للعقل، لا العكس.

[6] وهو الاستدلال بالجزئي على الجزئي.

[7] وهو الاستدلال بالكلي على الجزئي.

[8] المقدمة في القياس هي: كل قضية تتألف منها صورة القياس. والمقدمات تسمى أيضاً: مواد القياس. والقضية هي الجملة الخبرية التي يجوز عليها الصدق والكذب بغض النظر عن قائلها.

[9] وها هنا قياس ثالث عندهم، وهو الاستقراء: وهو الاستدلال بالجزئي على الكلي، فإن كان تاما أفاد اليقين وإن كان ناقصا أفاد الظن.

[10] ولهذا لما نقض "فرانسيس بيكون" المنطق الأرسطي التجريدي أحدث نقلة هائلة في الفكر الأوروبي، ونقله من التجريد والتنظير إلى الملاحظة والتجربة. وقد سمى كتابه "الأرجانون الجديد"، تمييزا له عن "الأرجانون القديم" الذي كانت تسير عليه أوروبا.

[11] ووجهه أن المقدمات المنطقية محصورة المورد والعدد، فكلما أراد المتمنطق طرد قياسه المنطقي الصناعي مع كونه محصور المورد والعدد؛ أوجب له كثرة الخلط: فإما أن يلتزم قواعد الأقيسة المنطقية مع ما يلزم من خطئها، وإما أن يطرحها، وهذا موجب لنقضها لعدم اطرادها، وفي كلا الحالين لا بد من حصول الفساد منها وبها.

[12] الماهية (Quiddity) هي الأمر المتعقل، من حيث إنه مقول في جواب ما هو، بقطع النظر عن الأمر الخارجي، وثبوته في الخارج يسمى حقيقة، وكونه محلا للحوادث يسمى جوهرا، وكونه متميزا عن الأغيار يسمى هُوية.

          والمناطقة يفرقون بين الماهية والوجود، وعلى هذا نشأ الخلاف هل الماهية سابقة للوجود، أو الوجود سابق للماهية، فالأول هو اختيار ديكارت وغيره، والثاني هو اختيار بول سارتر وعامة الوجوديين، وكلا القولين خطأ؛ لأنهم بنوه على أن الماهية لها حقيقة في الخارج تخالف وجودها؛ فديكارت لما رأى أن تفكيره سابق لوجوده، فهو قد علم بوجوده بعد علمه بالذات المفكرة (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، قال: إن الماهية سابقة للوجود. وسارتر لما رأى أن الإنسان يولد عريا عن الماهية، فهو بعد أن يولد يكون رساما، أو محاميا، أو جنديا، أو عالما، أو مؤمنا، أو كافرا؛ قال: إن الوجود يكون سابقا للماهية، فهو مكتسب للماهية بعد الوجود.

          وهذا باطل، يقول ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (9/98): "وأصل ضلالهم أنهم رأوا الشيء قبل وجوده يعلم ويراد، ويميز بين المقدور عليه والمعجوز عنه، ونحو ذلك، فقالوا: لو لم يكن ثابتا لما كان كذلك. كما أنا نتكلم في حقائق الأشياء التي هي ماهيتها مع قطع النظر عن وجودها في الخارج، فتخيل الغالط أن هذه الحقائق والماهيات أمور ثابتة في الخارج.

والتحقيق أن ذلك كله أمر ثابت في الذهن. والمقدر في الأذهان أوسع من الموجود في الأعيان، وهو موجود وثابت في الذهن، وليس هو في نفس الأمر لا موجودا، ولا ثابتا، فالتفريق بين الوجود والثبوت، وكذلك بين الوجود والماهية- مع دعوى أن كليهما في الخارج-غلط عظيم... وحقيقة الفرق الصحيح أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء، والوجود ما يكون في الخارج منه، وهذا فرق صحيح؛ فإن الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه، وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود، فهو باطل".

والماهية عند المناطقة مركبة من الصفات الذاتية، وهي التي يمتنع تصور الموصوف إلا بها، فالذات متوقفة عليها في الوجود العيني والوجود الذهني، وما ليس صفة ذاتية فهو عرضي. ثم الصفات العرضية إما أن تكون عرضية عارضة، أو عرضية مفارقة، أو عرضية لازمة. والعرضية المفارقة إما أن تكون مفارقة بطيئة الزوال أو مفارقة سريعة الزوال. والعرضية اللازمة إما لازمة للماهية ،وإما لازمة لوجودها دون ماهيتها. وفرقوا بين الصفات الذاتية والصفات العرضية اللازمة للماهية بأن الذاتية يسبق تصورها تصور الماهية، فلا تفهم الذات بدونها، وهذا بخلاف العرضية اللازمة للماهية، فقد تتصور الذات بدونها.

ثم الصفات الذاتية والعرضية إما أن يشتركا في الجنس، فهذا هو الجنس والعرض العام، وإما أن ينفرد بأحدهما نوع فهذا هو الفصل والخاصة، وإما أن يجتمعا فيما اشتركا فيها وانفرد أحدهما به فهذا النوع. وهذه هي الكليات الخمس: الجنس، والعرض العام، والفصل، والخاصة، والنوع.

[13] هو لفظ كلي مقول على كثيرين مختلفين في الحقائق، في جواب (ما هو)، فهو باحث في ذات المعرَّف وما هيته. وهو نوعان إما أن يكون قريبا أو بعيدا. فالقريب: ما يدركه السامع، كما لو قيل: ما هو الحصان؟ فقلت: هو حيوان. فهو قريب؛ لأنه يشمل كل ما فيه حياة، فيكون بإدراك السامع قريب. والبعيد: ما تكون نسبته للمحدود بعيدة، كما لو قيل في تعريف الحصان: إنه جسم. فالجسم جنس بعيد النسبة للحصان؛ لأنه يشمل ما فيه حياة وما لا حياة فيه من الجمادات، فيكون إدراكه للسامع بعيدا.

[14] هو لفظ كلي ، في جواب (أي شيء هو)، فهو باحث في صفات الذات الأصلية (الصفات الذاتية). وهو نوعان: قريب وبعيد؛ فالقريب: هو ما كان صفة ظاهرة في المحدود فلا يشركه فيها أحد. مثل لو قلت في الحصان: صاهل. فلا صاهل إلا الحصان. والبعيد: ما دل على صفة لا تكون مختصة بالمحدود، كقولنا في الحصان: حساس.

[15] وهي لفظ كلي مقول على شيء خارج عن الذات، فهي تبحث في الأمور العرضية الخارجة عن الذات، كلفظ كاتب في الإنسان، فهي وصف خارج عن الذات.

[16] وهو ما تركب من الجنس القريب والفصل القريب.

[17] وهو ما تركب من الجنس البعيد والفصل القريب، أو بالفصل وحده.

[18] فالتام ما تركب من الجنس القريب والخاصة، والناقص ما تركب من الخاصة فقط.

[19] قال الجرجاني في "التعريفات"، ص695: "الدور: توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويسمى: الدور المصرح، كما يتوقف (أ) على (ب)، وبالعكس، أو بمراتب، ويسمى: الدور المضمر، كما يتوقف (أ) على (ب)، و(ب) على (ج)، و(ج) على (أ). والفرق بين الدور وتعريف الشيء بنفسه هو أنه في الدور يلزم تقدمه عليها بمرتبتين، إن كان صريحا، وفي تعريف الشيء بنفسه يلزم تقدمه على نفسه بمرتبة واحدة".

[20] قال الجرجاني في "التعريفات"، ص364: "التسلسل: هو ترتيب أمور غير متناهية، وأقسامه أربعة؛ لأنه لا يخفى إما أن يكون في الآحاد المجتمعة في الوجود، أو لم يكن فيها، كالتسلسل في الحوادث، والأول إما أن يكون فيها ترتيب أو لا، والثاني كالتسلسل في النفوس الناطقة، والأول إما أن يكون ذلك الترتيب طبيعيا، كالتسلسل في العلل والمعلولات، والصفات والموصوفات، أو وضعيا، كالتسلسل في الأجسام، والمستحيل عند الحكم الأخير دون الأولين".

[21] عند المناطقة التعريف بالتمثيل داخل في التعريف بالرسم التام، كقولنا في تعريف الإنسان: مثل محمد وخالد وعبد الله. والتعريف بالتشبيه داخل في التعريف بالرسم الناقص، كقولنا: الكليان المتباينان كالخطين المتوازيين.

ومعلوم أن الرسم التام والناقص ليس حدا حقيقيا عندهم، والكلام إنما هو في الحد الحقيقي الذي يزعمون أن تصور الحقائق متوقف عليه.

[22] هذا الوجه فيه نقض للبنية التي يقوم عليها الحد، وهو من أهم الأوجه في نقض نظرية الحد.

[23] مجموع الفتاوى، (9/102،101).

[24] والقياس عندهم هو: قول مؤلف من قضايا متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر.  والقضايا جمع قضية، وهي عندهم: مركبة تامة خبرية محتملة للصدق والكذب لذاتها. والقضايا قسمان: قضية حملية، وهي ما حكم فيها بثبوت شيء لشيء أو نفيه عنه. وللجملة الحملية ثلاثة أركان: موضوع، والمحمول، والنسبة بينهما. وقضية شرطية، وهي ما حكم فيها بوجود نسبة بين قضية وأخرى، أو عدم وجود نسبة بين قضية وأخرى. وللقضية الشرطية ثلاثة أركان: المقدم، والتالي، وأداة. فالقضية الحملية تنحل عن مفردين، أو مركبين ناقصين، أو مركب ومفرد. والقضية الشرطية تنحل عن حمليتين. والقضية الحملية إما أن تكون حملية موجبة، أو حملية سالبة.

وتنقسم الحملية باعتبار الموضوع إلى جزئية حقيقية ومنها الحملية الشخصية، وإلى كلية ومنها الحملية الطبيعية، والحملية المهملة، والحملية المسورة (محصورة). وفي المنطق يسمون السلب والإيجاب بكيف القضية (الكيفية)، والعدد هو كم القضية (كمية). والسالبة تصدق ولو بانتفاء الموضوع، والموجبة لا تصدق إلا بوجود الموضوع. وأنواع القضايا باعتبار وجود الموضوع ثلاث: ذهنية، وخارجية، وحقيقية.

والقضية الشرطية إما أن تكون متصلة أو منفصلة. فالمتصلة هي ما أوجبت تلازما (اتصالا) بين الطرفين (المقدم والتالي)، مثالها: إذا طلعت الشمس؛ فالنهار موجود. ونوع الاتصال هنا لازم (حقيقي)؛ لأن العلاقة علية، فيلزم من صدق العلة (المقدم) صدق المعلول (المؤخر)، ومن صدق المعلول صدق العلة، وقد يكون نوع الاتصال اتفاقيا (صدفة)، كقولنا: كلما أقيمت الصلاة أطفئت الإضاءة. والشرطية المنفصلة هي ما أوجبت تنافرا بين الطرفين، مثالها: العدد الصحيح إما زوج وإما فرد، وهذه قد يكون التنافر فيها حقيقيا (عناديا)، كما في المثال المذكور، وإما أن يكون اتفاقيا، كقولنا: كلما دخل الأستاذ الفصل فعدد الطلاب إما عشرة وإما تسعة.

ثم القياس إما أن يكون مباشرا أو غير مباشر. فالمباشر أقسامه ثلاثة: القياس، وهو الاستدلال بالكلي على الجزئي، والاستقراء، وهو الاستدلال بالجزئي على الكلي، والتمثيلي، وهو الاستدلال بالجزئي على الجزئي. ثم هذا القياس باعتبار التصريح بالنتيجة ونقيضها أو عدم ذلك؛ ينقسم إلى قسمين: الأول: اقتراني: وهو ما كانت النتيجة أو نقيضها مذكورة فيه بالقوة. وسمي اقترانيا لأن حدوده متقارنة، والاقتراني إما أن يكون حمليا أو شرطيا؛ فالحملي هو ما ألف من قضايا حملية، مثل قولنا: العلم نافع، وكل نافع ممدوح، فالعلم ممدوح، والشرطي هو ما كانت إحدى قضاياه شرطية على الأقل، مثل قولنا: الاسم كلمة، والكلمة إما معربة وإما مبنية، فالاسم إما معرب أو مبني. الثاني: الاستثنائي، وهو ما كانت النتيجة أو نقيضها مذكورة فيه بالفعل. وسمي استثنائيا لوجود أداة الاستثناء (الاستدراك) فيه، ولأن حدوده غير مقترنة. والاستثنائي هو ما ألف من قضايا شرطية، متصلة كانت أو منفصلة.

والقياس الاقتراني ينقسم إلى أربعة أشكال، وذلك باعتبار موضع الحد الأوسط: فإن كان الأوسط في محمول الصغرى، وموضوع الكبرى، فهذا هو الشكل الأول، وهو أقوى الأشكال؛ لأنه بدهي، وهو منتج للمحصورات الأربعة، وهي الكلية الموجبة، والكلية السالبة، والجزئية الموجبة، والجزئية السالبة، وهو المستعمل في عامة العلوم، وبقية الأشكال ترجع إليه في البرهنة عليها، وليست بقية الأشكال برهانا عليه. وقد أثبته ابن تيمية، وأنكر بقية الأشكال. الشكل الثاني: أن يكون الأوسط محمولا في المقدمتين. الشكل الثالث: أن يكون الأوسط موضوعا فيهما. الشكل الرابع: أن موضوعا في الصغرى، ومحمولا في الكبرى.

أما القياس غير المباشر؛ فهو قسمان: الاستدلال بالتكافؤ، والاستدلال بالتقابل. والاستدلال بالتقابل ينقسم إلى أربعة أنواع: التضاد، والتداخل تحت التضاد، والتداخل، والتناقض، وهذه الأربعة مجموعة في المربع المعروف بمربع أرسطو، والقاعدة أن النتيجة في القياس تتبع الأخس، فإذا اجتمعت موجبة وسالبة، فالنتيجة سالبة، وإذا اجتمعت جزئية وكلية فالنتيجة جزئية.

 

[25] يقول ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، (9/143،142): "والعلم بكون هذا مستلزما لهذا هو جهة الدليل، فكل دليل في الوجود لا بد أن يكون مستلزما للمدلول، والعلم باستلزام المعين للمعين أقرب إلى الفطرة من العلم بأن كل معين من معينات القضية الكلية يستلزم النتيجة".

[26] في هذا الوجه إيجاد منطق بديل عن المنطق اليوناني، فابن تيمية في نقده ناقض في المقام الأول، وهو بان في المقام الثاني.

[27] وهذا بخلاف الاستدلال باللازم على الملزوم، والملزوم على اللازم، وهو الاستدلال بآية الله عليه، "فآياته تستلزم عينه التي يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها، وكل ما سواه دليل على عينه وآية له، فإنه ملزوم لعينه، وكل ملزوم فإنه دليل على ملزوم، ويمتنع تحقق شيء من الممكنات إلا مع تحقق عينه، فكلها لا زمة لنفسه، دليل عليه، آية له، ودلالتها بطريق قياسهم على أمر المطلق الكلي الذي لا يتحقق إلا في الذهن، فلم يعلموا ببرهانهم ما يختص بالرب تعالى" انظر: مجموع الفتاوى، (9/145،144).

[28] يقول ابن تيمية "مجموع الفتاوي" (9/170،169): "إذا كان المقصود قد يحصل بلفظ مفرد، وقد لا يحصل إلا بلفظين، وقد لا يحصل إلا بثلاثة أو أربعة وأكثر، فجعل الجاعل اللفظين هما الأصل الواجب دون ما زاد وما نقص، وأن الزائد إن كان في المطلوب جعل مطالب متعددة، وإن كان في الدليل تذكر مقدمات، جعل ذلك في تقدير أقيسة متعددة تحكم محض، ليس هو بأولى من أن يقال: بل الأصل في المطلوب أن يكون واحدا ودليله جزءا واحدا، فإذا زاد المطلوب على ذلك جعل مطلوبين، أو ثلاثة أو أربعة بحسب دلالته، وهذا إذا قيل، فهو أحسن من قولهم؛ لأن اسم الدليل مفرد فيجعل معناه مفردا، والقياس هو الدليل. ولفظ القياس يقتضي التقدير، كما يقال: قست هذا بهذا، والتقدير يحصل بواحد؛ وإذا قدر باثنين وثلاثة يكون تقديرين وثلاثة لا تقديرا واحدا، فتكون تلك التقديرات أقيسة لا قياسا واحدا، فجعلهم ما زاد على الاثنين من المقدمات في معنى أقيسة متعددة، وما نقص عن الاثنين نصف قياس، اصطلاح محض لا يرجع إلى معنى معقول، كما فرقوا بين الصفات الذاتية والعرضية اللازمة للماهية بمثل هذا التحكم".

[29] يقول ابن تيمية "مجموع الفتاوى" (9/179): "إذا كانت اللوازم منها ما لزومه للملزوم بين بنفسه لا يحتاج إلى دليل يتوسط بينهما، فهذا نفس تصوره وتصور الملزوم يكفي في العلم بثبوته له، وإن كان بينهما وسط ثان. وإن كان أحد الملزومين غير بين بنفسه، احتاج إلى وسط، وإن لم يكن واحد منهما بينا، احتاج إلى وسطين، وهذا الوسط هو حد يكفي في مقدمة واحدة".

[30] مجموع الفتاوى (9/193).



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:26 صباحًا الإثنين 20 ذو الحجة 1441 / 10 أغسطس 2020.