• ×

د. أحمد القاضي

(فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد :

     فقد جاءت هذه الحالة الاجتماعية، نتيجة طبيعية، وسنة كونية، لوقع العقيدة في مجتمع وُوجه كفاحاً بدعوة الأنبياء، فشقته نصفين، وأحالته إلى فريقين : (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ) [النمل : 45].

     ولا عجب، فالحق ثقيل، وفارق، وفيصل. فما من نبي بعثه الله إلا وشرح له صدور من سبقت لهم من الله الحسنى، فآمنوا به، واتبعوه، وضيَّق صدور طائفةٍ أخرى، فكذبوه، وعادوه. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) [الصف: 14]، وقال تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) [الفرقان : 31]

     وامتدت هذه الحالة إلى أتباع الأنبياء، بدرجات متفاوتة، فتارة ينبري لهم ملاحدة أصليون، وكفرة مستعلنون، يرومون هدم الدين، ونسفه من اصوله. وتارة يتدسس بينهم، زنادقة باطنيون، يلقون بذور الشك، والريبة، ويتظاهرون بالصلاح، ويقولون: (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) [النساء : 62]، وثالثةً يشغب عليهم أصحاب شبهات، وشهوات، وحملة لوثات، من أهل البدع، والعلمنة، الذين لم يخرجوا من دائرة الإسلام، لكن تجارت بهم الأهواء، وخطفت أبصارهم الفتن البراقة في الأفق الشرقي، والغربي، فصاروا يدعون قومهم : هلموا معنا !

     ولم يزل أهل الإسلام، وحراس العقيدة، وحفاظ الشريعة، يواجهون هذه الفئات، بما تقتضيه الثوابت العقدية، من جهة، والسياسة الشرعية، من جهة أخرى. وقد جرت منازلات حامية الوطيس بين الفريقين، بعد انحلال نظام الخلافة العثمانية، في القرن المنصرم، واكتسح العلمانيون كثيراً من مواقع التوجيه في العالم الإسلامي، مدعومين بدبابات الغرب، والشرق، وغزوهم الفكري، والعسكري، فمارسوا صنوف الإرهاب الفكري، والسلطوي، تجاه العلماء، والدعاة الراسخين، مستغلين جهل الناس، وعصا السلطة. ولما فاء الناس إلى دين الله في العقود الثلاثة الأخيرة، وانحسر ظل التغريب، نسبياً، وتنبهوا للمسخ الذي يمارس ضدهم، انقمع دعاة التغريب،وأغمضوا على قذى.

     وظلت بلاد الحرمين (المملكة العربية السعودية) حرسها الله، بمنأى عن هذه التحولات السلبية، والمنحدرات الفكرية، بفضل تمسكها بالإسلام، وحراستها للتوحيد، والفضيلة، وحضانتها للحرمين، وتلاحم ولاتها، وعلمائها.

     حتى إذا ما ارتكبت حماقة الحادي عشر من سبتمبر، وأطبق العالم على حرب (الإرهاب) ركب القابعون من أهل العلمنة الموجة، ليفوِّقوا سهامهم إلى كل داعية، ومصلح، وعالم، دون تمييز، ويصفُّوا حساباتهم مع خصومهم. ورافق ذلك رحيل علماء راسخين،كانوا سداً منيعاً،كالجبال الراسيات ضد تيارات الشبهات، ورياح الشهوات.  

     وتمخض المشهد عن معنى قوله تعالى: (فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ) :

  1. فريق يمسِّك بالكتاب، ويحفظ للأمة أصالتها، وتميزها، ويشجعها على كل ما فيه صلاح لها؛ في دينها، ودنياها، ويأبى الانجرار إلى مشابهة الكفار.
  2. وفريق يدعو إلى التحرر(الليبرالية)، والتحلحل من ضوابط الشريعة، وينادي بـ (الدنيوية) في الاقتصاد، والاجتماع، والإعلام، ومماهاة العالم، والتنصل من الثوابت العقدية، والخصائص الإسلامية المجتمعية، بدرجات متفاوتة.

وكان من آخر حملات هذا الفريق الأخير، الخاسرة، تطاولهم على مقام أحد العلماء الأثبات، فضيلة الشيخ : عبد الرحمن بن ناصر البراك، حفظه الله، المطبق على إمامته في العلم، والدين، والدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، في قراءة عوراء، لفتوى محررة لفضيلته في مسألة (الاختلاط).

     وسنة الله باقية، وعِدته بنصر أوليائه وافية، ليميز الله الخبيث من الطيب، ويبلو بعضهم ببعض، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.



التعليقات ( 0 )