• ×

د. أحمد القاضي

فتنة الحوثيين

د. أحمد القاضي

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فإن تاريخ الرافضة، كما تقدم، نفثات مصدور، وتشنجات مقهور، لا ينطلق من أصول راسخة، أو يستمد من موارد صافية، تهدف إلى البناء،وتواصل دعوة الأنبياء، إنما هو ردة فعل، ومأوى لكل حدثٍ، ومحدثٍ في دين الله.

     وقد جاءت فتنة (الحوثيين) المنتسبين إلى الزيدية في اليمن، ضمن هذا السياق العقدي، والتاريخي . فبالرغم من أن (الزيدية) يعدون أقرب طوائف الشيعة إلى أهل السنة والجماعة، لقولهم بإمامة المفضول مع وجود الفاضل، وإقرارهم بخلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضوان الله تعالى عليهم، إلا إن من فرقهم الغالية، من يشابه طوائف (الإثني عشرية) ، وهم (الجارودية) . ولعل نَفَساً نتِناً امتد منهم إلى هؤلاء الحوثية، أذكاه وقود النفط الإيراني، ليشعل حريق فتنةً في أرض اليمن، ويمد ألسنة لهبه إلى ما جاورها من بلاد الحرمين الساكنة الآمنة.

     ويحاول بعض المحللين أن يحيل سبب الفتنة إلى أوضاع اجتماعية، واقتصادية، وحزبية، تختص بهؤلاء القوم، ليفسر تمردهم الأخير. والحقيقة أن كل ما قالوه يمكن أن يكون احتمالاً لأي تمرد واقعٍ، أو متوقع في بلاد اليمن الذي كان سعيداً، بسبب الظروف الاقتصادية الحرجة، والاكتظاظ السكاني، والتحزب القبلي، والمناطقي، الذي تعيشه اليمن حالياً. لكن ، ثَمَّ سبب لم يتفطن له الكثيرون، وهو في نظري، سبب أصيل في حدوث هذه الفتنة !

     لقد كان اليمن، عبر قرونٍ من الزمن، يتقاسمه الزيدية في الشمال، والشافعية السنة في الجنوب. وكان هناك قدر كبير من الاستقرار، والاندماج، والتعايش بين الطائفتين، بسبب قرب الشقة، وحسن السياسة، إلى حدٍّ ما. إلا إنه جرى في العقود الأخيرة، وبصفة هادئة، لطيفة، سريان (التسنن) في قرى، وبلدات الشطر الشمالي، وانتشرت دعوة سلفية، نشطة، من مختلف ألوان الطيف السني، على المستوى الشعبي، والنخبوي، قادت كثيراً من الزيدية بالوراثة، إلى التسنن الطوعي بالاقتناع. والعجب أن (أهل الحديث) ممثلين، بالحركة العلمية للشيخ مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله، تصاعدت من صعدة، معقل الزيدية الحوثية، وانخرط الناس في المد الدعوي، السلفي، السني، بانسيابية عجيبة، ترجع إلى طبيعة العنصر اليمني:(الإيمان يمان، والحكمة يمانية). ولعل من أبرز الشواهد على هذا الانقلاب الحميد، والتحول البديع، أن خلت مآذن مدن زيدية عريقة؛ كصنعاء، وذمار، من النداء البدعي في الأذان : (حي على خير العمل) ، سوى مساجد معدودة، ذات صفة رمزية.

     ونتيجة لسحب البساط الرفيق، من تحت عروش أئمة الزيدية، في أجواء تتمتع بحد كبير من الديموقراطية، يمنحهم، كما يمنح غيرهم الحق في تكوين الأحزاب، والمشاركة البرلمانية، ونظام لا يعير المذهبية، والطائفية محاصصة في الحكم، وجد غلاة الرفض في قلوبهم غيظاً من هذا التحول الراشد الذي لا يستطيعون كبح جماحه بالحجة، والبرهان، ووقفوا عاجزين، مكتوفي الأيدي، معقولي الألسنة، أمام علماء السنة، ودعاتهم، الذين امتازوا بطرح متوازن، متعقل، مقنع. وأدركوا ألا سبيل للحفاظ على ما تبقى، واستنقاذ ما يمكن استنقاذه، إلا افتعال فتنة طائفية تثير الحمية القبلية، والانتماء الأعمى حين يُستنشق دخان البارود، وتجري دماء أبناء القبيلة الواحدة. وهذا مسلك خبيث له شواهد، ونظائر، في تاريخ القوم.

     ثم لم يكتفوا بهذا الاحتراب الداخلي، فزينت لهم جهات خارجية، تدويل القضية، والتحرش بالجارة الكبرى (المملكة العربية السعودية) ، والتسلل إلى أراضيها الآمنة، والدفع بمرتزقة (حزب اللات) الحاقدين، ويلوحوا بمد ألسنة اللهب إلى الأقليات الشيعية المطمئنة، ليغروا سفهاءها باللعب بالنار، وجرِّ مواطنيهم إلى الشغب، والاحتراق في المفاعل الإيراني، ليقطف الثمرة أعاجم الروافض. إن على الأمة، أن تقف صفاً واحداً، في اليمن، والمملكة، سنةً، وزيديةً، خلف قياداتها السياسية، والعلمية، لإبطال المخطط الإيراني، الباطني، وقطع الطريق على أطماعهم في إثارة البلابل والفتن، وصرف الرأي العام العالمي، عن ممارساتهم الإرهابية على شعوبهم، وخاصة أهل السنة منهم. والله غالب على أمره.



التعليقات ( 0 )