• ×

د. أحمد القاضي

استقبال رمضان

د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

     الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     عجباً لأمر هذا الدين، وشرائعه، ومقاصده، وأحكامه ! خيرٌ كله، عدلٌ كله، رفقٌ كله ! (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء/82]. ما أن تهب نسائم رمضان، حتى تهفوا القلوب لمقدمه، وتشرئب الأعناق لرؤية هلاله، وتستعد النفوس، والأبدان لصيامه، وقيامه. إن ذلك لمن أصرح الأدلة على أنه دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها. فهذه العبادات العظيمة؛ من الصيام، والقيام، والزكاة، والعمرة، والتلاوة، والذكر، التي يعمر بها العمر، ويختص باجتماعها هذا الشهر الكريم، ليست (تكاليف)، كما يسميها الفقهاء، والأصوليون، بل هي حاجة فطرية، ومطلب ضروري لاستقامة النفس الإنسانية، واعتدالها. وإنما جرى تسمية الشرائع (تكاليف)، وتسمية العباد (مكلفين) في أزمنة متأخرة، فأحدث ذلك شعوراً بالثقل، والإلزام القهري.

     يجد المؤمنون في مواسم الطاعات مستراحاً لقلوبهم، وأنساً، وانشراحاً في صدورهم، وقرباً من خالقهم؛ يبثونه شكواهم، ويطَّرحون بين يديه، ويناجونه، ويسألونه حاجاتهم. فللصائم دعوةٌ لا ترد، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وفي السحر يناديهم : (من يدعوني، فأستجيب له، من يسألني، فأعطيه، من يستغفرني، فأغفر له). ويجدون في هذه العبادات المتنوعة ساحاً فساحاً للتعبير عن عبوديتهم لربهم.

     وينبغي لأهل الإيمان، بين يدي هذا الشهر الكريم، أن يتهيئوا نفسياً، وعملياً، لاستقباله، بنصب أهداف واضحة، ورسم خطط تفصيلية، لاغتنام أيامه، ولياليه.

     فمن ذلك :

1- تحقيق التقوى بصيامه، كما علل الله تعالى فرضيته، بقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة/183]

2- تحقيق السمت الحسن، والأدب الرفيع، كما نبّه إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله : (الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.وَإِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلٌ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ) رواه الترمذي، وقوله: (مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ) رواه البخاري.

3- الحرص على القيام الشرعي، لا الصوري، بأن يصرف وقتاً مجزئاً يقنت فيه لرب العالمين، يترنم بكلامه، ويطمئن في قيامه، وركوعه، وسجوده، إيماناً، واحتساباً. ولا يغتر بصلاة النقَّارين، التي لا يحصل بها المقصود الأعظم، وهو الخشوع.

4- تلاوة القرآن العظيم، والاستكثار من الختمات، فهذا الشهر هو شهر القرآن، كما قال تعالى : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة/185].

5- تدبر القرآن، ومدارسته، بالرجوع إلى كتب التفسير المعتمدة، والتنقيب عما خفي عليه من خطاب الله لعباده، وإعمال الفكر في معانيه. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ. فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) متفق عليه.

6- البذل والنفقة : لما تقدم. فيطهر ماله، كما يطهر قلبه.

7- العمرة، وتعاهد البيت الحرام : فعن ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَجَّتِهِ، قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ: (مَا مَنَعَكِ مِنْ الْحَجِّ؟) قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ، تَعْنِي زَوْجَهَا، كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا. قَالَ: (فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي) رواه البخاري.

8- الدعاء : فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الدُّعَاءِ) رواه الترمذي. وما أشد حاجتنا الخاصة، والعامة، إلى الدعاء، لإصلاح قلوبنا، وأزواجنا، وأولادنا، ومجتمعاتنا، وأمتنا الإسلامية، التي أضحت مثخنة بالجراح؛ في فلسطين، والعراق، واليمن، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وغيرها. محنٌ متتالية، لا مخرج منها إلا بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

     نسأل الله تعالى أن يبارك لنا في شهرنا، وأن يعيننا على صيامه، وقيامه، وأن يتم علينا نعمته بقبوله، إنه ولي ذلك والقادر عليه.



التعليقات ( 0 )