• ×

د. أحمد القاضي

(فردوه إلى الله والرسول)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     ما بين آونةٍ وأخرى تعصف بالمجتمع زوبعة من الخلاف، تتفاوت في حجمها، ونوعها، وآثارها. وتلك سنة إلهية، وطبيعة بشرية، كما قال تعالى : (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) [هود/118]. وليس المراد الاستسلام للخلاف، وتسويغه، وإقراره، فالخلاف شر. وفرق بين التفسير، والتبرير، بل الواجب دفع الخلاف عند توقعه، ورفعه بعد وقوعه، بالطرق الشرعية، الحكمية.
     ولا شك أن الله تعالى قد أكمل الدين، وأتم النعمة، ولا شك أن نبيه صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ المبين، وأدى رسالات ربه، وترك أمته على البيضاء؛ ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. لكن يبقى في عقول بعض الناس مساحة للخلاف، إما بسبب قصورٍ في العلم، أو انحراف في النية، تثير تلك الزوابع. ولمَّا علم الله من عباده هذا المنحى في التفكير، رسم لهم طريق الخروج من دوامة الخلاف، فقال في آية محكمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء/59]. فحين يختلف أهل الإسلام، فعليهم الرد إلى الله ورسوله، فذلك خير لهم من التمادي في الخلاف، وأحسن عاقبةً، ومآلاً.
     وقد جرى في غضون الأسبوع الماضي لغط، وشغب من بعض الصحفيين، تجاه أحد العلماء الفضلاء، حين قال كلاماً عدلاً، ناصحاً، باراً، حيال قضية الاختلاط، فشنعوا عليه، وأجلبوا بخيلهم، ورجلهم، بطريقة تخلوا من اللباقة، والأدب الذي ينبغي أن يعامل به العلماء، واستعملوا أساليب من الاستعداء، والتهويل، تلحق صنيعهم بمسلك (الفجور في الخصومة) مما لو جرى عشر معشاره من بعض المتدينين لأوسعوه بألقاب السوء، وكالوا له التهم جزافاً.
     وإذا أردنا أن نمتثل أمر ربنا عند التنازع، فلنرد القضية إلى الله ورسوله! والرد إليهما، هو الرد إلى الكتاب العزيز، والسنة المطهرة. إن الذي خلق الذكر والأنثى، أعلم بمن خلق، وإن نصوص الوحيين تنزع إلى فصل الجنسين من غير المحارم، وتقليل أسباب الاحتكاك المفضي إلى الافتتان الناشئ عن الغريزة. وشواهد ذلك كثيرة، وسأكتفي بنص قرآني، وآخر نبوي يكشفان بصورة جلية، عن أن من أعظم مقاصد الشريعة، من الناحية الاجتماعية، التحفظ التام في العلاقة بين الجنسين من غير المحارم، وتوقي الاختلاط :
- قال تعالى لأمهات المؤمنين، وهن أتقى نساء الأمة : ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب/32، 33]، فنهاهن عن الترقق في الكلام، وأمرهن بالقرار في البيوت، ونهاهن عن التبرج في الملبس، والمشية، وما شابه ذلك من شأن الجاهلية. فكيف بمن دونهن ؟!
- عن أَبِي أُسَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ، وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ: ( اسْتَأْخِرْنَ! فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ. عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ. فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَلْتَصِقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ مِنْ لُصُوقِهَا بِهِ) سنن أبي داود 14 / 16. فإذا كان هذا التوجيه النبوي يساق لنساء خير القرون، وإثر فريضة من فرائض الله، وفي أكناف ثاني مساجد الإسلام ، وفي طرقات مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما الحال بأخلاط من البشر ينتمون إلى ثقافات مغايرة، ويصطبغون بغير صبغة الله، وفي مواضع قد تتبارى فيها الفتيات، في إظهار مفاتنهن، والتبرج بتبرج الجاهلية الأخيرة ؟!
     إننا نفترض في كل مسلم يؤمن بالله ورسوله، وهؤلاء الصحفيون من جملتهم، أن يردوا الأمر عند التنازع إلى الله ورسوله، لأن ذلك مقتضى الإيمان، ومقتضى أمانة الكلمة التي حملوها. فاتقوا الله في إخوانكم، وعلمائكم، ومجتمعكم، ولا تكونوا رجع الصدى، وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ، من الغربيين، والشرقيين، قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ .


التعليقات ( 0 )