• ×

أ.د. أحمد القاضي

دروس وعبر

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  405
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

(دروس وعبر)

أعادت نازلة كورونا الضمائر الحية إلى أعتاب العبودية؛ لما ضخته من دلائل الربوبية، وشواهد القدرة الإلهية، وعجز البشرية؛ (۞ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ[فاطر:15-17].

 

كما كشفت هذه النازلة عن جوانب من حكمة الله تعالى في الابتلاء، ومن أظهرها وأجلاها الموعظة بالتخويف: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا[الإسراء:59]، وفي الحديث: (إنَّ الشَّمْسَ والْقَمَرَ آيَتانِ مِن آياتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بهِما عِبادَهُ)[1]؛ فيهدي الله بذلك من شاء من عباده.

وأثبتت أن لدى الإنسان قوى مذخورة، يمكن أن يحمل بها نفسه على الجد والاستقامة، بل والصرامة، إن هو شاء، وتهاوت كثير من المعاذير، وأساليب الرخاوة: (بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ[القيامة:14-15].

 

وأكدت على أهمية (الجماعة)، (والسمع والطاعة) لولاة الأمر في تحقيق المصالح العامة، ودرء المفاسد العامة، وتوثيق العقد الاجتماعي للأمة، واطراح الخلاف والمصالح الخاصة.

كما أبرزت نازلة كورونا، وإجراءات الحجر الصحي، دور المسجد في حياة المسلمين، وأثر الجمع والجماعات في تحقيق السكينة، والمودة، وتعزيز الرابطة الاجتماعية بين الناس، بل وتنظيم حياتهم اليومية، وحسن تقسيمها.

 

وأيقظت هذه النازلة الوعي المستدام، والاستعداد التام للحياة والموت على حد سواء! فمن عوفي منها، فليس بمنأى عما سواها: (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ[الشعراء:205-207]؛ فاعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لأخراك كأنك تموت غدًا.

 

وأسفرت عن وجوه مسفرة، من أصحاب المروءات والنجدات، والعاملين في القطاع الصحي، والأمني، وأرباب المبادرات، كما فضحت وجوهًا عليها غبرة، من المستغلين الأنانيين، تجار الأزمات، والمستهترين والمستهترات؛ جزى الله الشدائد كل خير.

 

وأظهرت نازلة كورونا وإجراءات الحجر الصحي الخلل الجاري في نظام الأسرة، وتباعد أفرادها، وانهماكهم في مشاغل الحياة المادية، والحاجة الماسة إلى تمتين الرابطة الأسرية، والعلاقات الزوجية والمجتمعية، وإعادة ترتيبها.

 

ونبهت هذه النازلة، وإجراءات الحجر الصحي، والشعور  بالفراغ على ضرورة التدريب على إدارة الوقت، واكتساب المهارات الشخصية والعادات الحميدة؛ كالقراءة، والحوار، والبحث العلمي، التي تشغل الأوقات، وتعمر الأعمار، بما يمتع ويفيد.

 

وبينت نازلة كورونا أن الطمأنينة الحقيقية هي الناشئة عن الإيمان، والتوكل على الرحمن مع الأخذ بأسباب دفع البلاء، لا التي تقوم على: (سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ[هود:43]، فالأمن قرين الإيمان: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ[الأنعام:82].

كتبه

أ.د. أحمد بن عبدالرحمن القاضي

6 شعبان 1441 هـ

 

[1] أخرجه البخاري: (1046)، ومسلم: (901)، وأبو داود: (1177) واللفظ له، والترمذي: (561)، والنسائي: (1470)، وابن ماجه: (1263)، وأحمد: (24571).



التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:31 مساءً الجمعة 9 جمادي الثاني 1442 / 22 يناير 2021.