• ×

د. أحمد القاضي

عيد بأية حال عدت يا عيد

د. أحمد القاضي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فقد مضى شهر رمضان، بما أودعه العباد؛ من خيرٍ، أ وشر، فكل الناس يغدوا؛ فبائع نفسه، فمعتقها، أو موبقها. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فسطروا صحائف من ضياء الإيمان، ورونق العمل الصالح؛ صيام، وقيام، وصدقة، واعتمار، ودعاء، واستغفار. ثم ودعوا الشهر ، وهم يتمثلون قول الله تعالى : (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة/185]. فيخرجون صبيحة العيد في احتفالية، إيمانية رائعة، يعربون عن تكبيرهم، وشكرهم لربهم، على ما هداهم. وأما الغافلون، البطالون، متبعو الشهوات، فقد أفنوا شهرهم في الغفلات، ومتابعة الترهات، وتضييع الأوقات في النوم في ساعات الصوم الفاضلات، والسهر على ما حرم الله، في ساعات الليل المشهودات. ولله في خلقه شؤون.
     ذاك على مستوى الأفراد، أما على مستوى الأمة الإسلامية، فيتمثل بعض الناس، ببيت أبي الطيب المتنبي، المشهور :
عيد بأية حال عد                 ت ياعيدبما مضى أم لأمر فيك تجديد
ليعبر عن أساه بما آل إليه حال الأمة؛ من تفكك، وضعف، وهوان، ويتباكى على مجد أثيل، وتاريخ مجيد. وحق له أن يأسى ! فإن مسحة شاملة للرقعة الجغرافية للأمة الإسلامية، التي تتربع على قلب العالم القديم، وامتداداته في آسيا، وأفريقيا، وأوربا، والجيوب المنتشرة في أستراليا، والأمريكتين، تسجل قائمة طويلة من المآسي، والنكبات، على رأسها :
1-            مظاهر الشرك بنوعيه؛ الأكبر، والأصغر، المتفشية في المجتمعات.
2-            الجهل الواسع بأحكام الشرع، وهجر تطبيق الشريعة.
3-            فشو الشهوات، ومحاكاة اليهود،والنصارى،والذين لا يعلمون، في العادات.
4-            بروز مظاهر الغلو والتطرف، كرد فعلٍ للانحراف عن الدين.
5-            التشرذم السياسي، والتفرق، والولاءات المتباينة.
6-            الاحتراب الداخلي، بين أبناء الدولة الواحدة؛كما في الصومال، والسودان.
7-    الاحتلال الأجنبي، الذي أحال عديداً من بلاد المسلمين جراحاً راعفة؛ كما في فلسطين، والعراق، وأفغانستان.
إلى آخر هذه القائمة السوداء، من البلايا، والرزايا، التي استحقتها الأمة بتخليها عن بعض ما أنزل الله، وعدم الاعتصام بدينه.
     ومع ذلك ! تبقى الأمة الإسلامية خير الأمم؛ بعقيدتها، وأخلاقها، وسلوكها! إن المذخور الإيماني الذي تغذيه العقيدة، وإن شابها، بعض الشوائب، يحفظ لهذه الأمة تفوقاً نوعياً، وعزةً إيمانية، واستعلاءً حقيقياً، على سائر الأمم البهيمية، الضالة، وإن فاقتها في التقنية الحديثة، والمخترعات، والتنظيمات المدنية.قال تعالى : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران/110] ، وقال : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة/3]
     أقول هذا بثقة، ويقين، معتقداً أننا خير الأمم، وإن قصرنا عما يجب، وعما ينبغي، لكن الفارق المعنوي الذي يفصلنا عن بقية الثقافات، والحضارات، فارق هائل، وذلك لامتلاكنا ناصية العقيدة الحقة، المحفوظة في كتاب ربنا، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، في حين أن القوم على اختلاف أعراقهم، ومللهم، وأديانهم، ما بين : مغضوب عليهم، وضالين، وجاهلين.ولا أدل على هذا التفوق النوعي من كون المجتمعات الإسلامية، من أشد المجتمعات البشرية استعصاء على حملات (العولمة) و (التغريب)، بينما تتساقط مجتمعات ذات تاريخ عريق تحت سنابكها، وتغرق في لججها.
     ونحن لا نسوق هذا الكلام، لنبيع الوهم، أو نسلي أنفسنا، ونربت على أكتاف بعضنا في مشهد عزاء، وتأبين ، كلا والله ! إنها الحقيقة. الحقيقة التي تمثل الركيزة الراسخة، لانطلاقة صحيحة، ومراجعة صادقة، لتصحيح المسار، لردم الهوة المادية بيننا وبين مختلف الفرقاء، مع محافظتنا على التفوق النوعي في الاعتقاد، والسلوك، وتنقيته، وتصفيته، وتنميته.
     إنه لمن دواعي الأسف أن نجد بعض بني جلدتنا يضرب المثل الأعلى باليابانيين، والصينيين، والغرب، وربما اليهود، في جوانب مادية، أو مدنية، أعجبته، وينعى على الأمة المحمدية تخلفها، ويصمها بألقاب السوء، ناسياً أن أولئك الأقوام إنما فاقونا في أمورٍ أصلحوا بها دنياهم، فقط، ولا دين لهم ! وغاية ما يصدق وصفهم به : (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم/6، 7].
     إن هذه اللغة، غير المنصفة، ولا المتوازنة، يمكن أن تؤسس لانسلاخ عن دين الله الذي ميزنا به، وامتن به علينا، وأنقذنا به من الجاهلية الأولى، والالتفات إلى مناهج من الجاهلية الثانية.
     علينا في هذا العيد، أن تطلع نحو التجديد، ونتخفف من عبارات التقريع، وجلد الذات، وأن نشيع لغة التفاؤل، والاستعانة بالله، ووضع الأمور في نصابها، والاغتباط بنعمة الله، والسعي في مشروع الإصلاح، والاستقامة. تقبل الله منا ومنكم.


التعليقات ( 0 )