• ×

د. أحمد القاضي

دعاء الأنبياء

د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فإن للدعاء منزلةً عند الله، وكرامة؛ فـ (الدعاء هو العبادة) رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وصححه الألباني، و (لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الدُّعَاءِ) رواه الترمذي، وابن ماجة، وحسنه الألباني. فالدعاء عنوان العبودية، ومظهر الافتقار للغني الحميد. وللدعاء في رمضان مزية خاصة، فإن الله تعالى لما كتب الصيام، وذكر بعض أحكامه، في سورة البقرة، أتبع ذلك بقوله : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة/186]، فالصوم يصاحبه انكسار، وضعف، وزوال غفلة، وفوعة، تعتري المفطر، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ) الحديث، رواه أحمد، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان. كما أن ليالي رمضان العامرة بالتراويح والقيام، تتيح لأهل الإيمان لذة المناجاة، ورفع الدعوات، في القنوت، والسجدات، ما لا يقع لهم في غيره، غالباً.
     ويتفنن بعض الناس في تدبيج الأدعية المسجوعة، والمتكلفة، مما يخرج هذه العبادة العظيمة عن جلالتها، إلى نوع من الزخرفة اللفظية، والإهاجة العاطفية، السطحية، التي لا تتذوق طعم العبودية العميق، وإن استدرت المدامع أحياناً.
     والمتأمل في دعوات الأنبياء الكرام، المبثوثة في كتاب الله، يجد أنها تجمع أوصافاً :
أحدها : كمال الصدق والإخلاص.
الثاني : كمال الأدب مع الله، وحسن التعبير.
الثالث : القصد، والإيجاز، في موضعه، والبسط والترسل في موضعه.
ومن شواهد ذلك، في الدعوات العامة :
دعاء نوح، عليه السلام : (رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) [المؤمنون/26]، وقوله : (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ)  [القمر/10]
دعاء إبراهيم، عليه السلام : (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ) [البقرة/126]، وقوله : (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) [إبراهيم/35]
ودعاء موسى، عليه السلام : (رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)  [المائدة/25]
ومن شواهد ذلك في الدعوات الخاصة :
دعاء نوح، عليه السلام : (رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) [المؤمنون/29]، وقوله : (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) [نوح/28]
دعاء إبراهيم، عليه السلام : (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ. رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَاب) [إبراهيم/40، 41]، وقوله : (رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ. وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ.وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ.وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ.يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء/83-89]، وقوله : (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) [الصافات/100]
ودعاء موسى، عليه السلام: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي.وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي.وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي.يَفْقَهُوا قَوْلِي.وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي.اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي.كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا.إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا)[طه/25-3]، وقوله: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [الأعراف/151]، وقوله : (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [القصص/16]، وقوله : (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ[القصص/24]
ودعاء زكريا، عليه السلام : (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) [آل عمران/38]، وقوله : (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا . وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا[مريم/4-6]، وقوله : (رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ )[الأنبياء/89]
ودعاء يوسف، عليه السلام : ( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [يوسف/33]
ودعاء سليمان، عليه السلام : (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) [النمل/19]
     إن هذه الجمل النورانية، والابتهالات الإيمانية، الصادرة من أصدق الخلق عبودية، وهم أنبياء الله، خير البرية، حرية بالتأمل، والتدبر، وأن ينسج الداعي على منوالها، وأن يتأمل في آثارها على من دعى بها.
     ولنبينا، محمد، صلى الله عليه وسلم، من ذلك الحظ الأوفر، والقِدح المعلى؛ فقد أوتي جوامع الكلم، ومحاسن الدعاء؛ فقد أمره الله بالاقتداء بمن سبقه من الذين أنعم الله عليهم من النبيين، فقال : (أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ.أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) [الأنعام/89، 90]
     فما أحرانا في هذا الشهر الكريم، أن نتمثل عبودية الدعاء، ونقفوا آثار الأنبياء، عسى الله أن يلحقنا معهم في الرفيق الأعلى، (مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) [النساء/69، 70]. نسأل الله من فضله العظيم.


التعليقات ( 0 )