• ×

أ.د. أحمد القاضي

العلماء الربانيون

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فقد شهد يوم الاثنين من الأسبوع المنصرم، وفاة علمٍ من أعلام العلماء، الذين أطبقت الأمة على إمامتهم،وجلالتهم، وهو الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، رحمه الله رحمةً واسعة، وأحلَّه دار الكرامة من فضله، ورفع درجته في المهديين، وألحقه بالرفيق الأعلى؛ من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
     وقد كان، رحمه الله، ثالث ثلاثة، من أهل العلم الذين اشتهروا في العقود الأخيرة، بالعلم، والفتوى، والدعوة إلى الله على بصيرة. وصاحباه اللذان مضيا قبله، هما :
-      سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله، المتوفى عام 1419
-      فضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، المتوفى عام 1421
وتلك سنة الله في أنبيائه، ورسله، فضلاً عمن دونهم من سائر خلقه : (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) الأنبياء:
    وقد جرت الأقلام، ووسائل الإعلام، والمنابر، والمحافل، بالحديث عن الفقيد، رحمه الله، وبيان أن أن موت العالم ثلم في الدين، ورزية في الأمة، ولا ريب.
     ومع ذلك، فلا يزال في الأمة بقية من العلماء الربانيين، ولا يزال الله يغرس لهذه الأمة غرساً، ويهيئ لها من يحمل هذا الدين، من طلائع الشباب المقبلين على العلم، الناشئين في أحضان الورع، والتقى، من يسد بهم هذه الثلمة، وتلك، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم. وكم شهد تاريخ الإسلام من مصائب، ورزايا، وردة، وانتكاسات، خاصةٍ، وعامةٍ،ثم ينتصب الإسلام شامخاً من جديد. فلنحذر من الإحباط، والتباكي، والإغراق في المراثي، ولنتمثل قول الصحابي، لما قيل له يوم أحد: مات رسول الله! : (قوموا فموتوا على ما مات عليه) ، وقول الشاعر :
إذا مات منا سيد قام سيد          قؤول لما قال الكرام فعول
     والمتأمل في سير هؤلاء العلماء الربانيين، والأئمة المهديين، يلحظ اجتماع أوصافٍ شريفة، في ذواتهم، أهَّلتهم للإمامة في الدين. أهمها :
أولاً : قوة اليقين، والإخلاص لرب العامين، والبعد عن حظوظ النفس، وقصد الشهرة،والحظوة،وطلب الدنيا بالدين، وصحة الاعتقاد، والسلامة من الشرك بأنواعه.
ثانياً : العلم المتين، المؤصل بالدليل، السالم من تكلف المتكلمين، ومناهج المبتدعين، المتسم بالموسوعية، والشمول لجميع فنون العلم الشرعي، وأدواته.
ثالثاً : العمل الصالح المستديم، فلهم مع ربهم خلوات، ودعوات، وصلوات، ومناجاة، وصيام، وصدقة، ونسك، لم تشغلهم عنها كثرة الواجبات، والارتباطات، بل هي غذاؤهم، وعدتهم.
رابعاً: الدعوة إلى الله، واستفراغ الوسع في بيان الحق، وإفشاء العلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ كتابةً، وخطابةً، وتدريساً، ومحاضرةً، ومناظرةً، وغير ذلك.
خامساً : الاهتمام بالشأن العام للأمة، فهم علماء ملة، لا فقهاء مذهب، يعيشون همها الأكبر، وينافحون عن قضاياها بما يسعهم، ويمكنهم، ولا يعفون أنفسهم من الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم، تحت دعاوى باردة، وعلل واهية.
سادساً : الإحسان إلى الخلق، ومعاشرتهم بالمعروف، وحسن الخلق ؛ من الكرم، والسخاء، والصبر، والرفق، واحتمال الأذى. فهم علماء عامة، يخالطون الناس، ويمشون في الأسواق، ويرحمون الضعيف، والمسكين، والأرملة، واليتيم.
     تلك بعض سمات القادة الربانيين، ومقومات الإمامة في الدين، فعلى من نور الله قلبه، وقوى عزمه، من طلائع طلبة العلم أن يترسموها، ويحذوا حذوها، ليصلوا إلى ما وصل إليه الموفقون، الماضون. فمن كان مقتدياً، فليقتد بمن مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، واجبرنا في مصيبتنا، واخلف لنا خيراً منها، واغفر لشيخنا ابن جبرين، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه، ونور له في قبره، وافسح له فيه. وإنا لله وإنا إليه راجعون.


التعليقات ( 0 )