• ×

أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والزكاة

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده : أما بعد :

     فقد لازم مصطلح (الزكاة) و (التزكية) دين الإسلام، من حين ظهوره، لكونه وظيفة العمر، ولب الإيمان. فالقرآن المكي يعلي شأن الزكاة، ويشيد بأهلها، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) [الأعلى/14]، وقال: (قد أفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا.وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس/9، 10]، وحض عليها، ورغَّب، فقال: (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ) [فاطر/18]، ووعد، وأغرى أهلها، فقال: (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى) [طه/76]، وذم تاركيها من المشركين، فقال : (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ.الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) [فصلت/6، 7].
     تلك هي الزكاة، بالمعنى الأعم، الأوسع، الذي يدل على الطهارة، والنماء، وتنقية النفس من شوائب الشرك، والبدعة، والأهواء، والأخلاق الرذيلة، حتى إن الله جعلها ثالثة التوحيد، والصلاة، فقال : (ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة/5].
     وأما الزكاة بالمعنى الأخص، فهي من أمهات العبادات، وأصول الشرائع الموجودة في كل ملة، وشرعة، أنزلها الله، وهي قرينة (الصلاة) في كتاب الله، لا تكاد تنفك عنها، في شرعنا، وشرع من قبلنا؛ فقد قال تعالى آمراً بني إسرائيل، في أكثر من موضع : (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ) [البقرة/43، 83]، وأمر بذلك المؤمنين من هذه الأمة، في عدة مواضع: [البقرة/110]، [النساء/77]، [الحج/78]، [النور/56]، [المجادلة/13]، [المزمل/20]، وجعلها مع التوبة، والصلاة، شرط الأخوة الإيمانية، وعصمة الدم والمال ، فقال: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التوبة/5]، (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [التوبة/11]، وأثنى على أهلها الثناء العطر، ووعدهم الخلف الفاضل، والثواب الجزيل. قال تعالى: (وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[المزمل/20].
     وإيتاء الزكاة، الذي جعله الله، ورسوله، من أركان الإسلام، هو التعبد لله تعالى ببذل القدر الواجب شرعاً في أموال مخصوصة؛ وهي : النقدان، وبهيمة الأنعام السائمة، والخارج من الإرض من الزروع، والثمار، وعروض التجارة، لأصناف ثمانية مخصوصة. قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)  [التوبة/60] . وتفاصيل ذلك مبسوطة في كتب الفقه.
     وأما صلة (الزكاة) بـ (العقيدة) فمن حيث كونها مظهر التعبد لله تعالى المتعلق بالمال. فللمال في حياة الآدميين تأثير كبير، ولنفوسهم به تعلق عظيم. فكما أن الله تعالى استنبط عبوديته من أعمال القلوب؛ بتوحيد المحبة، والخوف، والرجاء، واستنبط عبوديته من أعمال اللسان؛ بالذكر، والاستغاثة، والدعاء، واستنبط عبوديته من أعمال الجوارح، بالصلاة، والحج، والجهاد، كذلك استنبط عبوديته من الأموال، بالزكاة الواجبة، والصدقة المستحبة، والبر، والصلة المحمودة. وبذلك تكتمل حلقات العبودية لله رب العالمين . ومما يدل على عوثيق صلة الزكاة بالعقيدة، وإقامة الدين، ما رواه البخاري، رحمه الله، عن أَبَي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ. وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَوَاللَّهِ، مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ .
     وهذا البذل التعبدي لمحبوبات النفس من الأموال، يورث القلب تجرداً من العلائق الصارفة، والقيود المثقلة، عن إسلام الوجه لله تعالى، ويطهر النفس من خلق رذيل؛ هو (البخل)، ويهذب الطبع الأصيل (الشح)، قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [التوبة/103]. كما إنه يسد حاجة المسلمين، وينشر التراحم، والتعاطف، والتكافل بينهم. فما أجمل شرائع الإسلام، وما أشد ترابطها، وتكاملها، وما أعظم إصلاحها للنفوس، والمجتمعات.


التعليقات ( 0 )