• ×

أ.د. أحمد القاضي

الرد على تفسير (وَاضْرِبُوهُنَّ ) بالمفارقة والمباعدة والانفصال والتجاهل!

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  316
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين وصلى وسلم على عبده ونبيه معلم الناس الخير محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

   فقد سألني غير واحد عن مقالة لا أعلم قائلها جرى تداولها في الوسائط الإلكترونية بعنوان (تفسير عجيب لمعنى: (وَاضْرِبُوهُنَّ ) [النساء : 34]

   وهو فعلًا تفسير عجيب! وسر العجب منه مخالفته لإجماع المفسرين وقواعد اللغة ومحاولة تحريف كلام الله عن مراده بدعوى أن ذلك إيذاء وإهانة ! ولا يخفى ما في هذا من استدراك على كلام الله المحكم المنزل بلسان عربي مبين ناشئ من روح انهزامية أمام ضغط التيار الليبرالي الذي يجتاح المجتمعات الإسلامية ويسعى لتغريبها وتأنيس المفاهيم الوافدة. والله المستعان.

    وتشير المقالة إلى ما تصفه بالمعنى الرائع لكلمة (وَاضْرِبُوهُنَّ) كما فهمها (المفسر) المعاصر وغاب عن عشرات المفسرين من مختلف المذاهب وعلى مر القرون، فينفي أن يكون المراد منها ظاهرها المتبادر الذي هو حقيقة الوضع في اللغة كما قال الراغب الأصفهاني: (الضرب إيقاع شيء على شيء) وذكر الراغب لذلك أمثلة وشواهد متعددة من القرآن العظيم على إرادة الحقيقة كضرب الشيء باليد والعصا والسيف ونحوها.

    وقد جاءت السنة بما جاء به القرآن في معنى الآية ففي صحيح مسلم من حديث جابر: (فاتقوا اللهَ في النِّساءِ. فإنكم أخذتموهن بأمانِ اللهِ. واستحللتُم فروجهنَّ بكلمةِ اللهِ. ولكم عليهنَّ أن لا يُوطئنَ فُرُشَكم أحدًا تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ. ولهنَّ عليكم رزقُهن وكسوتُهنَّ بالمعروفِ) [ رواه مسلم (1218)].

  وذهب المفسر المجهول إلى أن المقصود بضربهن: المفارقة والمباعدة والانفصال والتجاهل! وهو قول لم يسبق إليه، ويقتضي تجهيل سلف الأمة على مر القرون. وطفق في تكلف المعاني لمادة ضرب! وأنه إذا كان بالعصا استخدم لفظ جلد! وغاب عنه قوله تعالى (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ) [الشعراء:63] وأنه إذا كان على الوجه استخدم لفظ لطم! وغاب عنه قوله تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) [محمد:27]. وغالب الأمثلة التي ساقها يأتي الفعل متعديًا بحرف جر كالباء و في بينما جاء في آية النساء متعديًا بنفسه
   وبالجملة فإن الضرب عقوبة معتبرة شرعًا وتأديب مؤثر في هذا وغيره لكسر فوعة الكبر ومطامنة الترفع. وفي الحديث: (وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ) [رواه أبو داود (495)، وأحمد (6650)، وصححه الألباني في "الإرواء" (247(]. وليس الأمر كما أوهم الناقل أنها موجهة للأم والأخت والزوجة بوصفهن المجرد! وإنما هي مرحلة أخيرة من مراحل التأديب للزوجة الناشز المترفعة عن طاعة زوجها بالمعروف ليس إلا. كما أنها مشروطة بأن تكون غير مبرحة أي لا تترك أثرًا. وأما الصالحات القانتات الحافظات للغيب بما حفظ الله فبمنأى عن ذلك والحمد لله


كتبه: د. أحمد القاضي
في : ٢١/ ٨/ ١٤٣٩هـ



التعليقات ( 0 )