• ×

د. أحمد القاضي

العزيمة على الرشد والإجازة

د. أحمد القاضي

 0  0  1.2K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     (العزيمة على الرشد) توأم (الثبات في الأمر) في حديث شداد بن أوس، رضي الله عنه، مرفوعاً : (إِذَا كَنَزَ النَّاسُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَاكْنِزُوا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ ..) الحديث، رواه أحمد، وأهل السنن. كما أن العزم، والرأي قرينان، عند أهل العقل والتجربة، قال الشاعر :
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة         
                      فإن فساد الرأي أن تترددا
والقوى نوعان : قوة علمية، وقوة عملية :
1- فمن الناس من يؤتى قوةً علمية؛ فيكون ثاقب النظر، حاد الذهن، سيما إذا لقحته التجارب والتحصيل، ولكنه ذو فتور بدني، وهمةٍ باردة، وتسويف، وتعلل.
2- ومن الناس من يؤتى قوةً عملية، ونشاطاً، وخفةً، كانما يعيش حالة استنفار دائمة، إلا إنه قاصر النظر، كليل الذهن، تحيره المسائل، وتدهشه الأغلوطات.
3- ومن الناس من يكون بليد الذهن، واهن البدن. فذاك بأحط المراتب .
4- ومن الناس من يجمع الحسنيين، فيؤتى القوتين : الرأي الثابت، والعزيمة الماضية، فذاك بأعلى المراتب، وبه تنال السيادة، والقيادة، والريادة، والسعادة.
 
    وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) رواه مسلم. فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صفات القوة المؤثرة، النافعة، المنتجة :
1-            القوة العلمية : المتمثلة في الإيمان، وخصاله؛ من الاستعانة، والرضا بالقدر.
2-            القوة العملية : المتمثلة في الحرص، واطراح العجز، وترك التلوم .
     ومضمار الحياة مليء بالشواهد على تفاوت البشر في تحقيق المقاصد، بسبب تفاوتهم في التحقق من الوصفين السابقين ؛ صواب الرأي، والعزيمة. وبين يدي افجازة الصيفية تنكشف هذه المفارقات :
1- فمن الناس من تدحرجه الأيام، وتطوحه الأحلام؛ يأكل، ويشرب، وينام، ويستيقظ، فلا يدري إلا وقد طُوي بساط الإجازة، دون تحقيق إفادة.
2- ومنهم من يشحذ ذهنه، ويقدح زناد فكره، ويمتشق قلمه، ويخط خطوطاً، ويفقِّط أهدافاً، ويرسم مشاريع تناسب المرحلة، فيجني الثمار الحلوة.
     فحري بالمؤمن الحصيف، أن يختار خيري التصنيف، ويربأ بنفسه عن حال أهل البطالة، والكسل والملالة. وأخص بالذكر، الشباب الصاعد، الواعد، فعليهم، بعد الله، تعقد الآمال، في إيقاظ همتهم، وإصلاح أمتهم. فدونكم ، يا رعاكم الله :
1-   الدورات العلمية الشرعية، التي تفقهكم في دين الله .
2-   الجولات الدعوية التي تنشر الخير والفضيلة والذكرى.
3-   المشاريع الاجتماعية المتنوعة التي تنفع البلاد والعباد.
     وقد قال الله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء/114] . قال السعدي رحمه الله: (أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه. ثم استثنى تعالى فقال: {إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} من مال، أو علم، أو أي نفع كان، بل لعله يدخل فيه العبادات القاصرة؛ كالتسبيح، والتحميد، ونحوه،...{أَوْ مَعْرُوفٍ} وهو الإحسان، والطاعة، وكل ما عرف في الشرع والعقل حسنه، ...{أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} والإصلاح لا يكون إلا بين متنازعين متخاصمين، والنزاع، والخصام، والتغاضب، يوجب من الشر، والفرقة، ما لا يمكن حصره...ولكن كمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص، ولهذا قال:{وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى، ويخلص العمل لله في كل وقت، وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل) تفسير السعدي.
     تلك هي مراقي الكمال، فأين الصاعدون، وتلك مغانم الحياة، فأين المتسابقون.


التعليقات ( 0 )