• ×

د. أحمد القاضي

الرد على الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود في إبطال النهي عن الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي

د. أحمد القاضي

 0  0  52
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
حكم حلق الشعر وقلم الأظافر لمن أراد أن يضحِّي
 
بقلم فضيلة العلامة: عبد الله بن زيد آل محمود " رحمه الله تعالى ".
 
لقد أكثر الناس من السؤال عن حلق الشعر وقلم الأظافر في عشر ذي الحجة، وذلك لمن أراد أن يضحي، فما الشيء الذي يجب اجتنابه في حقِّ من يضحي ؟ 
 
إن الأصل في ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أم سلمه ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان له ذبح يذبحه فإذا  أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي " 
 
والواقع أنَّ هذا الحديث ورد من طريق أم سلمه وحدها ، ولم يروه أحد من الصحابة غيرها ، وقد أنكرت عائشة ـ رضي الله عنها ـ على أم سلمة هذا الحديث مبينة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا في حق من أحرموا بالحج ، وذلك لكون أهل المدينة يهلون بالحج عند طلوع هلال ذي الحجة ، قالت : ولقد فتلت قلائد هدى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يمتنع من شيء كان مباحاً أي لامن الطيب ولا من النساء ، ولا غير ذلك من شعره وأظفاره ـ قاله في المغني ـ ولقد مكث ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المدينة عشر سنين وهو يضحي عنه وعن أهل بيته ، ولم يثبت عنهم هذا النهي ، ومن المعلوم أن السيدة عائشة هي أعلم بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرف من أم سلمة بحديثه ، ولو كان هناك نهي للمضحي عن أخذ الشعر وقلم الظفر لما خفي عليها أبداً ، ولكان من لوازم هذا النهي أن يشتهر بين الصحابة، ولم نعلم أن  أحداً قال به ما عدا انفراد أم سلمة بحديثه . وقد عللوا هذا النهي بأنه تشبه بالمحرم ـ قاله في المغني ـ.وقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ هو المعقول المطابق للحكمة ، إذ لا يمكن أن ينهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم عن أخذ الشعر وقلم الظفر ويبيح ملامسة النساء والطيب ، ولو كان هذا التشبه صحيحاً لوجب الكف عن الطيب والنساء ، ولم يقل بذلك أحد 
 
• وقد اختلف الأئمة في هذه المسألة ، 
1- فقال أبو حنيفة : بجواز أخذ الشعر وقلم الظفر للمضحي بلا كراهة ، 
2- وذهب الإمام مالك والشافعي : إلى أنه مكروه كراهة تنزيهية ، 
3- وذهب الإمام أحمد في الرواية الراجحة في مذهبه : إلى أنه حرام ، 
اعتماداًمنه على حديث أم سلمة ، 
فالقول بالتحريم هو من مفردات الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى ـ التي خالف بها سائر الأئمة ، كما قال ناظمها : في عشر ذي الحجة أخذ الظفر  على المضحي حرموا والشعر 
وقال في الإنصاف 4/109 : الراجح الكراهة لا التحريم ، اختاره القاضي وجماعة .وعلى كلا القولين فإن الرجل والمرأة لو أخذ كل منهما من شعره أو قلم أظفاره وأراد أن يضحي فإن أضحيته صحيحة بلا خلاف، قاله في المغني بإجماع أهل العلم
 
• وقول الأئمة بكراهة أخذ الشعر هو تمشياًً منهم مع حديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ 
• وقد جرى من عادة الفقهاء أن ينقل بعضهم عن بعض فتتابعوا على القول بالكراهة ما عدا أبا حنيفة فقد قال : لا كراهة ولا تحريم في ذلك بمقتضى  الترجيح يتبين أن قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ هو أصح وأصرح ، حيث بيَّنت السبب المقتضي للنهي ، وكون أخذ الشعر وقلم الظفر هما من محظورات الإحرام ، والأدلة إذا تعارضت يقدم منها ما هو أقوى وأصح .
ونظير ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : تزوج رسول الله ـصلى الله عليه وسلم ـ بميمونة وهو محرم ، فهذا الحديث مع كونه في البخاري ومسلم فقد عدَّه العلماء من أوهام ابن عباسـ  رضي الله عنه ـ ورجَّحوا عليه ما رواه مسلم عن ميمونة نفسها أنها قالت : " تزوجني رسول الله ونحن حلالان " .وقد قاله أيضاً أبو رافع ـ وهو البريد بين ميمونة ورسول الله ـ إذ قال : إنما تزوج رسول الله ميمونة وهو حلال وبنى بها بسرف ، وهو المكان الذي توفيت فيه ـ رضي الله عنها ـ 
 
• والحاصل :  أنَّ هذا الحديث عن أم سلمة قد انقلب عليها ، حيث إن أهل المدينة يحرمون بالحج عند مستهل ذي الحجة ، فسمعت أم سلمة من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه نهى عن حلق الشعر ، وقلم الظفر حتى ينحر أضحيته ، لكون دم  النسك يسمى " أضحية " ، كمافي البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضحى عن نسائه بالبقر ، يعني بذلك دماء النسك، فانقلب هذا الحديث على أم سلمة كما فهمته عائشة 
 
 والصحيح  : أنه لا تحريم ولا كراهة في حلق الشعر وقلم الظفر لمن أراد أن يضحي ، كما لا تحريم في ملابسة النساء وفي الطيب .
 
وقد قالوا : إنَّ النهي محمول على الكراهة ، فإن هذه الكراهة تزول بأدنى حاجة ، إذ هي كراهة تنزيه يثاب الإنسان على تركهاولا يعاقب على فعلها عكس المستحب الذي يثاب الإنسان على فعله ولا يعاقب على تركه، *وأبعد الأقوال عن الصواب قول من يدَّعي التحريم* .
 
*فما شاع في بعض البلدان* على ألسنة العامة من قولهم: أن من أراد أن يضحي، وَجَب عليه أن يحرم *فهذا مما لا صحة له إطلاقاً* إذ لا إحرام إلا لمن أراد الحج أو العمرة، وليس على أحد في غيرها إحرام
 
 • لهذا يجوز في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي أن يفعل سائر المباحات من الطيب ، وإن احتاج إلى حلق شعره أو قلم ظفره فعل ذلك ولا فدية عليه ولا كراهة فيه ، وكذلك المرأة إذا احتاجت إلى نقض شعرها فتساقط منه شيء فإنه لا كراهة في ذلك وأضحيتها صحيحة .
 
• هذا وإن الذي جعل الناس يتورعون عن أخذ شعرهم وقلم أظفارهم ويرونه أمراًَ كبيراً في أنفسهم هو كون الخطباء يخطبون الناس في عشر ذي الحجة بالتحريم ، ولم يجدوا من يبين  لهم طريق التيسير وكون الأمر سهلاً وليس عسيراً ـ وغاية الأمر أنه مكروه كراهية تنزيه ، والكراهة تزول بأدنى حاجة . 
 
والله أعلم .

الجواب :
 
بسم الله الرحمن الرحيم
ما ذهب إليه الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود رحمه الله في إبطال النهي عن الأخذ من الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي غير صحيح. وقد رد عليه جمع من العلماء ردودا مفصلة. والصحيح أن أقل أحوالها الكراهة. والقول بالتحريم ليس ببعيد جريا على القاعدة الأصولية (الأصل في النهي التحريم). وأما انفراد أم سلمة بالحديث إن ثبت فلا يقدح في الحكم فإن قبول خبر الواحد ثابت في مسائل الاعتقاد فضلا عن مسائل الأحكام. وأما قوله أن الحديث انقلب عليها فليس صوابا فالحديث صحيح محفوظ وقد فهمته رضي الله عنها على وجهه وإنما انقلب فهمه عليه رحمه الله فالمحرم بالحج لا يلزمه الإمساك عن شعره وظفره وسائر محظورات الإحرام إلا بعد الإحرام من الميقات لا من بلده. والنبي ﷺ وأصحابه أحرموا من ذي الحليفة لخمس أو أربع بقين من ذي القعدة كما في صحيح مسلم لا من مطلع ذي الحجة كما ذكر في فتياه. وأما حديث عائشة فلا يتعلق بالأضاحي بل بهدي كان يبعث به النبي ﷺ تعظيما للبيت في غير نسك فلم يلزمه بسببه إمساك. وأما وصف الفقهاء بأنه ينقل بعضهم من بعض فلا يليق بأئمة الدين كمالك والشافعي وأحمد. ثم إن أبا حنيفة سابق لهؤلاء جميعا وقد خالفوه.  فتراوحت أقوالهم بين الكراهة والتحريم. ومع ذلك فلو أخذ المضحي من شعره وظفره فإن أضحيته لا تبطل لكنه أساء بمخالفة نهيه ﷺ. وأما تعليل العلماء للحكم بالتشبه بالمحرم في بعض أخواله لا كلها فهو التماس للحكمة والأصل في ذلك النص الصحيح الصريح. 
والله تعالى أعلم. 
كتبه جوابًا : د. أحمد القاضي
٢٧/ ١١/ ١٤٣٨ هـ
 

التعليقات ( 0 )