• ×

د. أحمد القاضي

شبهات الإباضية

د. أحمد القاضي

 0  0  170
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

فضيلة الشيخ الدكتور/ أحمد بن عبد الرحمن القاضي حفظه الله ورعاه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

جعلكم الله عوناً لنصرة الإسلام وحماية العقيدة من التحريف والزيف أئمة هدى تدعون بأمره وإذنه إلى صراط مستقيم, يخرج الله بكم العباد من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهدى ولعلكم لا ينقصكم العلم بوضعنا في عمان والعقيدة التي تعتقدها الفرقة, الإباضية, والشبهات التي تلقى بين الحين والآخر على أهل السنة ومن ذلك الكتاب المسمى بالحق الدامغ وإني أتوجه إليكم ببعض الشبهات التي حواها هذا الكتاب, في مسألة كلام الله تعالى وخلق القرآن طالبا منكم الرد عليها بأسرع وقت ممكن لحاجتي الماسة إليها هذه الأيام, وهذه الشبهات هي.

بسم الرحمن الرحيم

أخي الفاضل/ أبا الحارث   وفقه الله.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد:

فأرجو أن تكون وسائر الإخوة بخيرٍ وعافية. ونحن بحمد الله على خير حال.

وأعتذر عما جرى من تأخر عن إجابة أسئلتك, بسبب بعض الانشغالات وإليك الإجابة مختصرة, مرتبة حسب ترقيم الأسئلة:

  1. هل يوصف القرآن بأنه قديم أم لا؟
  • القرآن العظيم من كلام الله. وكلامه سبحانه قديم النوع, حادث الآحاد. فالكلام صفة ذاتية باعتبار أصل الصفة, وفعلية باعتبار تعلقها بمشيئته, فهو سبحانه يتكلم متى شاء, كيف شاء, بما شاء.

وهذا من كماله وليس في ذلك نقص بوجه من الوجوه. فقد كلم الأبوين في الجنة وكلم موسى تكليماً, وتكلم بالقرآن, وسيكلم عباده المؤمنين يوم القيامة وفي الجنة.

وعلى ذلك فكلامه بالقرآن حادث, وإن كان علمه أزلي, وجنس كلامه أزلي.

قال تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ } [الشعراء: 5].

قال إمام المفسرين, ابن جرير الطبري, رحمه الله: (وما يجيء هؤلاء المشركين الذين يكذّبونك ويجحدون ما أتيتهم به يا محمد من عند ربك من تذكير وتنبيه على مواضع حجج الله عليهم على صدقك، وحقيقة ما تدعوهم إليه مما يحدثه الله إليك ويوحيه إليك...).

ومما يدل على أنه سبحانه يتكلم متى شاء, قوله {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143].

فحصل التكليم بعد المجيء.

  1. يقول الخليلي في كتابه الحق الدامغ ص161 في التعليق على حديث (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)) قال: وجه الاستدلال – أي استدلال أهل السنة- أن كلماته لو كانت مخلوقه لما جازت الاستعاذة في حقيقتها هي بالله سبحانه لأنه رب الكلمات وإنما أدرجت الكلمات من البركة والخير وهذا من باب المجاز, إلى آخر كلامه هناك فما ردكم على ذلك؟.
  • ما ذكره في الرد على استدلال أهل السنة متهافت, يقوم على دعوى وجود حذف.

والأصل في الكلام عدم الحذف, وإلا لجاز أن يقول القائل: أعوذ بالشمس ثم يزعم أنه أراد رب الشمس لنفعها وبركاتها على العباد وامتنان الله بها على عبادة {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا } [النبأ: 13].. وغير ذلك من المخلوقات والمخلوقين المباركين, ودعوى المجاز بلا ضوابط, تقضي إلى العبث بالنصوص, هذا على القول بالمجاز.

  1. قوله: ص166،167 في قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3]. قال والاستدلال به على خلقه من وجهين:

أولهما:الإخبار عنه أنه مجعول والمجعول هو المصير من حال إلى حال وهذا لا يكون إلا في المخلوق.

ثانيهما: تعليل جعله عربيا بقصد عقل المخاطبين. فما ردكم على ذلك؟

  • استدلاله بآيات الجعل أنها تعني الخلق استدلال ظاهر الفساد.

فإن "جعل" قد تتعدى إلى مفعولٍ واحد, وقد تتعدى إلى مفعولين:

  • فإن تعدت إلى مفعولٍ واحد, صارت بمعنى الخلق, مثل : {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } [الأنعام: 1].
  • وإن تعدت إلى مفعولين لم تكن بمعنى الخلق, مثل {وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } [النحل: 91] ومن هذا الباب:  {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3].

وحيث أن الكاتب لم يفرق بين الاستعمالين, وجعلهما من بابٍ واحد بمعنى الخلق لم يستطع أن يوجِّه كونه عربياً, بناءً على أصله الفاسد؛ أن الجعل هاهنا الخلق و التصيير من حالٍ إلى حال, حيث قال: (وجعل القرآن عربياً هو الجعل التكويني, لأنه إحداث لمعنىً قائم بالقرآن, وهو عربيته, ولا يخلو ذلك إما أن يكون تحويلاً له من وصف إلى آخر, وذلك ب‘ن يكون أولاُ غير عربي ثم أحدث الله فيه هذه الصفة, وإما أن يكون إنشاءً له على هذه الصفة من أول الأمر...الخ)ص170.

ونقول لا حاجة إلى هذا التكلف. فالله تكلم بالقرآن عربياً على هذه الصفة من أول الأمر, قال تعالى:  {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192 - 195] وتعليل ذلك ليعقله المخاطبون فما رامه الكاتب بـ"ثانياً" مبني على أصله المنازع فيه في "أولاً" ولا يسلم له.

  1. تفصيله في ص169-170 في الجعل المسند إلى الله تعالى في القرآن إلى تكويني وتشريعي..وفي كل منهما إنشاء لما لم يكن ثم تصنيفه للقرآن تحت الجعل التكويني, وما قاله في ذلك ص 171 فما الرد على ذلك؟

- تفصيلة الجعل المسند إلى الله إلى تكويني وتشريعي, ومحاولة للتخلص من مأزق أن " الجعل" لا يأتي إلا بمعنى الخلق, وإحداث شيءٍ لم يكن, فإن كان بذاته فتكويني, وإن كان يحكمه فتشريعي.

والحق أن مادة "جعل" أوسع من ذلك لغةً وشرعاً, ولها استعمالات شتى فقد ذكر الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن في مادة جعل ما يلي: (جَعَلَ: لفظ عام في الأفعال كلها، وهو أعمّ من فعل وصنع وسائر أخواتها، ويتصرّف على خمسة أوجه:

الأول: يجري مجرى صار وطفق فلا يتعدّى، نجو جعل زيد يقول كذا...

الثاني: يجري مجرى أوجد، فيتعدّى إلى مفعول واحد نحو قوله عزّ وجل: { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام: 1]، {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ } [النحل: 78] .

والثالث: في إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه، نحو: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [النحل: 72]، {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81]، {وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا} [الزخرف: 10].

والرابع: في تصيير الشيء على حالة دون حالة، نحو: { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا } [البقرة: 22]، وقوله: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا} [النحل: 81]، {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: 16]، وقوله تعالى: { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الزخرف: 3].

والخامس: الحكم بالشيء على الشيء، حقا كان أو باطلا، فأمّا الحقّ فنحو قوله تعالى: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]، وأمّا الباطل فنحو قوله عزّ وجل: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} [الأنعام: 136]، {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ } [النحل: 57]، {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ } [الحجر: 91]).

فقوله تعالى { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } [الزخرف: 3] ليس داخلاً في قسمة الكاتب أصلاً, فليس جعلاً تكوينياً, ولا جعلاً تشريعياً, حسب تعريفه.

بل المراد أن الله تعالى لما تكلم بالقرآن جعله بكلام عربي, كما أنه سبحانه لما كلم موسى كلمه باللسان العبري وكذا سائر أنبيائه. فإذا كان الله يرسل الرسول بلسان قومه ليبين لهم, فلا ريب أنه سبحانه يجعل كلامه لهم فيما يفهمون عنه مراده.

وإلزامات المعتزلة إنما تلزم الأشاعرة ونحوهم الذين يجعلون كلامه سبحانه هو المعنى القديم القائم بنفسه, ولا تلزم أهل السنة الذين يجعلون جنس الكلام قديماً, وآحاد حادثة, فتنه!.

  1. ما الرد على الشبة القائلة:أن حروف القرآن هي نفسها الحروف التي يتكلم بها البشر, فكيف يتكلم الله بحروف هي نفسها التي يتكلم بها البشر والله تعالى منزه في صفاته عن مشاكلة المخلوقين؟
  2. رد الخليلي ص165 على ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله بأن الفرق بين حروف القرآن وسائر كلام الله تعالى وبين حروف البشر بأنها وإن اتحدت فالوحدة بينها جنسية وليست عينية..بقوله: فجابه أن قولهما مردود من وجهين: أولهما أنا لا نسلم أن هذه الوحدة ليست عينية إذ لو كان كذلك للزم تعدد الحرف.

الواحد بتعدد الناطقين به أو كاتبيه وأن تتغاير الأحكام فيه بحسب هذا التعدد.

ثانيهما: أن الجنسية لا تجمع الحادث والقديم فبم يرد عليه؟

  • القول في مسألة الكلام كالقول في سائر الصفات التي تتفق مسمياتها في حق الخالق والمخلوق, وتفترق في الحقيقة والكيفية, كالسمع والبصر.

فجنس السمع هو إدراك الأصوات, وجنس البصر إدراك المرئيات, ولكن بين الخالق والمخلوق في ذلك ما لا يحيط به عقل.

فكذلك الحال في الكلام, فالوحدة في جنس الكلام لا في عينه. بل إن المخلوقات نفسها تتباين في الاتصاف بنفس الصفة, فلا يتساوى الناس في درجة إبصارهم وسماعهم. بل إن الحرف الواحد يؤديه كل ناطق بنبرة تميزه عن الآخر, وهذا أمر مشاهد معروف عكس ما زعم الكاتب, فإذا كان هذا التفاوت بين المخلوقين, فما بين الخالق والمخلوق من باب أولى.

على أن المعتزلة أصلاً لا يثبتون سمعاً وبصراُ, ولكن هذا الإلزام يلزمهم في الصفات التي لا يملكون إنكارها كصفة الحياة.

فلا ريب أنهم يقولون إن الله حي, فيثبتون له الحياة, أو موجود, فيثبتون له الوجود. فحينئذٍ يقال المخلوق أيضاً حي وموجود شرعاً وعقلاً وحساً, فثم إذاً وحدة جنسية لا يلزم منها وحدة عينية. وهذه الوحدة قد جمعت بين الحادث والقديم, فأين تذهبون!.

وهذه الوحدة هي ما يسميها شيخ الإسلام " القدر المشترك", ولا توجب تمثيلاً ولهذا قال الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى: 11] لينبه على هذا المعنى.

  1. قوله ص176,177 في قوله تعالى { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } [العنكبوت: 49]ووجه الاستدلال به –أي على خلق القرآن- أن صدور العلماء, حادثة والحادث لا يكون وعاء للقديم فلا يكون أحد من خلق الله محلا لحياة الله أو قدرته أو علمه أو موجوده أو سمعه أو بصره أو أي صفة من صفاته وإنما تكون المخلوقات أوعية لمعلومات الله ومقدوراته ومرئياته لأنها مخلوقات مثلها فإذا كانت صفات الله لا تحل بالمخلوقين فكيف يحل القرآن بالمخلوقين وهو صفة...الله؟
  2. قوله في ص 177وفي قوله تعالى {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)} [البروج: 21، 22] والاستدل به – أي على خلق القرآن- من وجهين.

أولهما: أن اللوح مخلوق والمخلوق لا يكون وعاء لغير المخلوق.

ثانيهما: أن هاتين الآيتين سيقتا للتنوية بالقرآن وبيان عظم شأنه وعلو قدره ولا يشك شاك أن ذلك يكون أكثر وضوحا وأقوى حجه لو أخبر أنه قائم بذاته تعالى فما الرد على ذلك؟

قال شارح الطحاوية, رحمه الله: (حقيقة كلام الله الخارجية: هي ما يسمع منه, أو من المبلغ عنه. فإذا سمعه السامع علمه وحفظه, فكلام الله مسموع له, معلومٌ محفوظ, فإذا قرأه فهو مقروء له متلو, فإن كتبه فهو مكتوب له مرسوم. وهو حقيقة في الوجوه كلها, لا يصح نفيه, والجاز يصح نفيه. فلا يجوز أن يقال: ليس في المصحف كلام الله, ولا ما قرأ القارئ كلام الله, وقد قال تعالى { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] وهو لا يسمع كلام من الله وإنما يسمعه من مبلغه عن الله.)([3]) .

وشبهة الكاتب لإثبات أن القرآن مخلوق أن الصدور تعيه, واللوح المحفوظ ظرف له ولا يكون الحادث وعاءً وظرفاً إلا لحادث, شبهة داحضة, فهي ظرفية علمية لا عينية,

فالقرآن مسموع بالآذان   { حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ}, متلو بالألسنة {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ} [فاطر: 29] محفوظ في الصدور { بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } [العنكبوت: 49], مكتوب في المصاحف مسجل في الأشرطة...إلى غير ذلك من أنواع التصرفات التي لا تزيل عنه, وصف كونه كلام الله إذا الحقائق – كما قال شارح الطحاوية أيضاً- لها وجود عيني, وذهني, ولفظي, ورسمي.

وذلك وجود حقيقي في كل شيءٍ بحسبه؛ فللقرآن وجود علمي ذهني في صدور الذين أوتوا العلم, ووجود لفظي على ألسنة القراء (زينوا القرآن بأصواتكم), ووجود رسمي خطي في المصاحف. وليس من مقتضى ذلك أن تكون الصدور والآذان والألسنة والورق غير مخلوقة, بل هي مخلوقة لكن المحفوظ,والمسموع, والمتلو, والمكتوب, كلام الله غير مخلوق, فإن الكلام إنما يضاف وينسب إلى من قاله مبتدئاً, لا إلى من قاله مبلغاً مؤدياً. كما يحفظ المرء معلقة امرئ القيس أو خطبة قس بن ساعدة أو يسمعها أو يكتبها أو يتلوها, ولكن مع كل هذه التصرفات تظل منسوبة إلى قائلها الأول.

9- قوله في ص177 في قوله تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } [المائدة: 48] قال ووجه الاستدلال به –أي على خلق القرآن- أنه أثبت كونه مسبوقا بغيره والمسبوق لا يكون إلا حادثا, وأنه مهيمن على سابقه والهيمنة دليل على أن المهيمن عليه حادث وإذا كان ما قبله حادث فهو أحرى بصفة الحدوث. فما الرد على ذلك؟

ما ذكره الكاتب غير ملزمٍ لأهل السنة, لأنهم يقولون عن كلام الله إنه قديم النوع حادث الآحاد, أي أنهم يلتزمون ذلك دون إلزام من الخصم, وإنما يلزم الأشاعرة والماتريدية والسالمية وأشباههم القائلين إن القرآن معنىً قديم قائم بنفسه, دون الحروف والألفاظ.

10- ذكر ص177-178-179 بعض الأحاديث التي تبين أن القرآن يتفاضل بعضه على بعض ... ثم أورد شبهة مضمونها إذا كان القرآن صفة لله فإن صفات الله لا تتبعض أو تتجزأ وهذا جائز على القرآن أنه لا يقال عن صفات الله أن بعضها أفضل من بعض لأن ذلك يدل على أن بعضها صفات لله أدنى من بعض, فكيف يجوز أن يقال ذلك عل صفة واحدة؟ فما الرد على ذلك؟

ما مراد الكاتب بقوله صفات الله لا تتبعض ولا تتجزأ؟! إن أراد أن القرآن معنىً واحد كما قال الماتريدي, فهذا غير مسلم عند أهل السنة. ففرق بين الأمر والنهي والخبر والاستفهام والوعد والوعيد. وليست آية الكرسي كآية الدين, ولا سورة الإخلاص كسورة تبت.

والصحيح الذي دلت عليه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية, وعليه جماهير السلف أن القرآن يتفاضل, وبعض سورة, كالفاتحة والإخلاص, أفضل من بعض.

وهو أي القرآن أفضل من التوراة والإنجيل. وليس في ذلك نقص بوجه من الوجوه, إذا المفاضلة ليست بين متكلمين, بل في كلام متكلم واحد, أثبت بنفسه لبعض كلامه مزيد فضل, ولا يستلزم ذلك عدم الفضل في بقيته.

وبرفقه مصورات في هذه  المسألة من كتاب: جواب أهل العلم والإيمان لشيخ الإسلام, وهو تفسير سورة الإخلاص, ومجود في الفتاوى ج17.

وأخيراً ألفت انتباهك إلى ما ذكره شارح الطحاوية في هذا المقام:

(وبالجملة : فكل ما تحتج به المعتزلة مما يدل على أنه كلام متعلق بمشيئته وقدرته وأنه يتكلم إذا شاء وأنه يتكلم شيئا بعد شيء فهو حق يجب قبوله وما يقوله من يقول : إن كلام الله قائم بذاته وأنه صفة له والصفة لا تقوم الا بالموصوف - : فهو حق يجب قبوله والقول به فيجب الأخذ بما في قول كل من الطائفتين من الصواب والعدول عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما)([4]).

هذا واسأل الله أن يسددك , وأن يلهمك رشدك, وان يجري الحق على لسانك والخير على يدك, وأن يهدي ضال المسلمين. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أبو عبد الرحمن

3/2/1422هـ

 

 

 

كلام شيخ الإسلام رحمه الله من مجموع الفتاوى (فَصْلٌ وَأَمَّا السُّؤَالُ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْمُعَادَلَةِ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي كَوْنِ الْجَمِيعِ كَلَامُ اللَّهِ فَهَذَا السُّؤَالُ يَتَضَمَّنُ شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ هَلْ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ أَمْ لَا ؟ وَالثَّانِي : مَا مَعْنَى كَوْنِ ( { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ ؟ وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ ؟ فَنَقُولُ : أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ " مَسْأَلَةٌ كَبِيرَةٌ " وَالنَّاسُ مُتَنَازِعُونَ فِيهَا نِزَاعًا مُنْتَشِرًا فَطَوَائِفُ يَقُولُونَ : بَعْضُ كَلَامِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ : حَيْثُ أَخْبَرَ عَنْ ( الْفَاتِحَةِ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ فِي الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ مِثْلُهَا . وَأَخْبَرَ عَنْ سُورَةِ ( الْإِخْلَاصِ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَعَدْلُهَا لِثُلُثِهِ يَمْنَعُ مُسَاوَاتَهَا لِمِقْدَارِهَا فِي الْحُرُوفِ . وَجَعَلَ ( آيَةَ الْكُرْسِيِّ أَعْظَمَ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا وَكَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأبي بْنِ كَعْبٍ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَعَك أَعْظَمُ ؟ قَالَ : قُلْت : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ ؟ قَالَ : فَقُلْت : { اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } قَالَ : فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ : ليهنك الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ } . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ وَزَادَ فِيهِ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ لِهَذِهِ الْآيَةِ لِسَانًا وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ الْمَلِكَ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ } . وَرُوِيَ أَنَّهَا { سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ . } وَقَالَ فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ : { لَمْ يُرَ مَثَلُهُنَّ قَطُّ } وَقَدْ قَالَ تَعَالَى { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا . وَهَذَا بَيَانٌ مِنْ اللَّهِ لِكَوْنِ تِلْكَ الْآيَةِ قَدْ يَأْتِي بِمَثَلِهَا تَارَةً أَوْ خَيْرٍ مِنْهَا أُخْرَى فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ تَتَمَاثَلُ تَارَةً وَتَتَفَاضَلُ أُخْرَى . وَأَيْضًا فَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْقُرْآنُ جَمِيعُهَا كَلَامُ اللَّهِ مَعَ عِلْمِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ . قَالَ تَعَالَى : { وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } . وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } وَقَالَ تَعَالَى : { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ سَائِرِ الْأَحَادِيثِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَغَيْرِ الْمُنَزَّلَةِ . وَقَالَ تَعَالَى { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ } . وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْفَاتِحَةَ أَوْ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِهَذَا الْوَصْفِ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ . وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ مَجِيدًا وَكَرِيمًا وَعَزِيزًا . وَقَدْ تَحَدَّى الْخَلْقَ بِأَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِمِثْلِ عَشْرِ سُورٍ مِنْهُ أَوْ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنْهُ فَقَالَ : { فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ } . وَقَالَ { فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } . وَقَالَ : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } وَخَصَّهُ بِأَنَّهُ لَا يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا هُوَ فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِ وَلَا بِدُونِ قِرَاءَتِهِ وَلَا يُصَلِّي بِلَا قُرْآنٍ فَلَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ لَا يَقُومُ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ مَقَامَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ الْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ السُّنَّةُ . وَتَفْضِيلُ أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ بِأَحْكَامِ تُوجِبُ تَشْرِيفَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَرْجِيحًا لِأَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُرَجَّحٍ وَهَذَا خِلَافُ مَا عُلِمَ مِنْ سُنَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى فِي شَرْعِهِ بَلْ وَفِي خَلْقِهِ وَخِلَافُ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ الْعَقْلِيَّةُ مَعَ الشَّرْعِيَّةِ . وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَبَشِّرْ عِبَادِي } { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا } . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِيمَا أُنْزِلَ حَسَنٌ وَأَحْسَنُ سَوَاءٌ كَانَ الْأَحْسَنُ هُوَ وَالنَّاسِخُ الَّذِي يَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ دُونَ الْمَنْسُوخِ إذْ كَانَ لَا يَنْسَخُ آيَةً إلَّا يَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَوْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ . وَالْقَوْلُ بِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ هُوَ الْقَوْلُ الْمَأْثُورُ عَنْ السَّلَفِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَكَلَامُ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مُنْتَشِرٌ فِي كُتُبٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ مَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : ثُلُثٌ مِنْهُ أَحْكَامٌ وَثُلُثٌ مِنْهُ وَعْدٌ وَوَعِيدٌ وَثُلُثٌ مِنْهُ الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ . وَهَذِهِ السُّورَةُ جَمَعَتْ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ).مجموع الفتاوى (17/9).

وقال أيضا: (مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ كالجهمية وَالْمُعْتَزِلَةِ - بَلْ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ : إنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَوْ تُتُبِّعَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ لَكَثَرُوا فَإِنَّ هَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْبِدْعَةِ أَمَا السَّلَفُ - كَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ - فَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ تَنَازُعٌ بَلْ الْآثَارُ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْهُمْ بِهِ . وَاشْتَهَرَ الْقَوْلُ بِإِنْكَارِ تَفَاضُلِهِ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ لَمَّا أَظْهَرَتْ الجهمية الْقَوْلَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ . وَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَجَمَاهِيرُ الْأُمَّةِ عَلَى إنْكَارِ ذَلِكَ وَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ . وَظَنَّتْ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ - مِثْلَ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ وَمَنْ وَافَقَهُ - أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ إلَّا إذَا قِيلَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَلَا كَلَّمَ مُوسَى حِينَ أَتَاهُ وَلَا قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَهُ وَلَا يَغْضَبُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ أَنْ يَكْفُرَ بِهِ وَلَا يَرْضَى عَنْهُ بَعْدَ أَنْ يُطِيعَهُ وَلَا يُحِبَّهُ بَعْدَ أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ وَلَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامِ بَعْدَ كَلَامٍ فَتَكُونُ كَلِمَاتُهُ لَا نِهَايَةَ لَهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ظَنُّوا انْتِفَاءَهُ عَنْ اللَّهِ . وَقَالُوا إنَّمَا يُمْكِنُ مُخَالَفَةُ هَؤُلَاءِ إذَا قِيلَ بِأَنَّ الْقُرْآنَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ لَازِمٌ لِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يَتَكَلَّمُ بِكُلِّ كَلَامٍ لَهُ كَقَوْلِهِ : يَا آدَمَ يَا نُوحُ . وَصَارُوا طَائِفَتَيْنِ : طَائِفَةٌ تَقُولُ إنَّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ وَطَائِفَةٌ تَقُولُ إنَّهُ حُرُوفٌ أَوْ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ مُقْتَرِنٌ بَعْضُهَا بِبَعْضِ

أَزَلًا وَأَبَدًا وَإِنْ كَانَتْ مُتَرَتِّبَةً فِي ذَاتِهَا تَرَتُّبًا ذَاتِيًّا لَا تَرَتُّبًا وُجُودِيًّا كَمَا قَدْ بَيَّنَ مَقَالَاتِ النَّاسِ فِي كَلَامِ اللَّهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَالْأَوَّلُونَ عِنْدَهُمْ كَلَامُ اللَّهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا بَعْضٌ لَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ . وَالْآخَرُونَ يَقُولُونَ : هُوَ قَدِيمٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ وَالْقَدِيمُ لَا يَتَفَاضَلُ . وَرُبَّمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا } أَنَّهُ قَالَ : خَيْرًا لَكُمْ مِنْهَا أَوْ أَنْفَعَ لَكُمْ . فَيَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَائِلَ مُوَافِقٌ لِهَؤُلَاءِ . وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَقْصُودُهُ بَيَانُ وَجْهِ كَوْنِهِ خَيْرًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَنْفَعَ لِلْعِبَادِ فَإِنَّ مَا كَانَ أَكْثَرُ مِنْ الْكَلَامِ نَفْعًا لِلْعِبَادِ كَانَ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ كَمَا بَيَّنَ فِي مَوْضِعِهِ . وَصَارَ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكَ الكلابية مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَفَاضُلِ كَلَامِ اللَّهِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ إنَّمَا يُمْكِنُ عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّهُ مَخْلُوقٌ فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ يَرَوْنَ فَضْلَ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ فَضْلَ مَخْلُوقٍ عَلَى مَخْلُوقِ وَتَفْضِيلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ . فَإِذَا ظَنَّ أُولَئِكَ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى بَعْضٍ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ مَخْلُوقًا فَرُّوا مِنْ ذَلِكَ وَأَنْكَرُوا الْقَوْلَ بِهِ لِأَجْلِ مَا ظَنُّوهُ مِنْ التَّلَازُمِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنُّوهُ بَلْ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَجُمْهُورُهَا يَقُولُونَ : إنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَكَذَلِكَ سَائِرُ كَلَامِ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ . وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ : إنَّ كَلَامَ اللَّهِ بَعْضُهُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَآثَارُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ)مجموع الفتاوى (17-52).

 

 

 

 

 

([1]) تفسير الطبري (19/335) مؤسسة الرسالة.

([2]) المفردات في غريب القرآن (1/197) دار القلم.

([3])الطحاوية (1/194) الرسالة.

([4]) (1/187).

 

 



التعليقات ( 0 )