• ×

أ.د. أحمد القاضي

الحدث الكوني والسبب الشرعي

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فإن الله تبارك اسمه، وتعالى جَدُّه، لم يزل خلاقاً، فعالاً لما يريد، يخلق ما يشاء، ويحكم ما يريد. يرفع القسط، ويخفضه، كل يومٍ هو في شأن. قال تعالى : (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران/26، 27].

     وحين تقع الحوادث الكونية الكبرى، من زلازل، وبراكين، وفيضانات، وأوبئة، وكسوف، وخسوف، ينهمك الناس في تتبع الأخبار، ورصد الإحصاءات، ويستغرق المختصون في تقديم التفسيرات المادية؛ جيولوجية، أو فلكية، أو بيولوجية، ويغفل الجميع إلا من رحم الله، عن التفسير الإيماني، العقدي، لهذه الأحداث، إما بسبب :

  1. لوثةٍ إلحاديةٍ، عَلمانية، تفصل الدين عن الدنيا، قال تعالى : (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ)[يونس/101]. ومن ثم يُقدَّم كل تفسير لشرح هذه الظاهرة، أو تلك، مهما كان مُغرباً، مستنكراً، إلا أن يكون التفسير الإيماني.
  2. غفلة مطبقة، وذهول عن سنن الله المطردة. قال تعالى : (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف/146].فيظلون في سكرتهم يعمهون

     وعلى كلا الحالين، تمر الآيات تلو الآيات، فلا يرفعون بها رأساً، ولا يستنبطون منها درساً، ولا يرعوون. قال تعالى : (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) [التوبة/126]

     أما المؤمن الذي ينظر بنور الله، ويبصر ما وراء الأحداث الظاهرة، فإنه يقرأ المشهد بعينين ثاقبتين :

إحداهما : عين القدر : فيعلم أن الله تعالى حكيم في قدره، كما هو حكيم في شرعه؛ فلا يكون في ملكه ما لا يريد، ولا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن، إلا بمشيئته النافذة، وفق حكمته البالغة. فلا مكان لـ (خبط عشواء) ولا (ضربة لازب) ، بل: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ.سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ. لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ. هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ.وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) [الرعد/8-13]

الثانية : عين الشرع : فيدرك أنه ما نزلت بليةٌ إلا بذنب، ولا رفعت إلا بتوبة. لقد استقر في حس المؤمن الارتباط الوثيق بين الفساد في الدين، والفساد في الدنيا، قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم/41]. وقال: (مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)  [الشورى/30]. فالله تعالى، بسابق علمه، قد علم ما يكون من العباد من كفرٍ، وفسوقٍ، وعصيان، فأجرى قدره السابق في إيقاع المثُلات بهم، في أوقات معلومة، مقترنة بأسبابها الشرعية، عقوبةً لهم، ولعلهم يرجعون. أو يجريها تحذيراً، وتنبيهاً، لتوقي شر انعقدت أسبابه، كما في الكسوف، والخسوف. قال صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ) رواه البخاري. وحينئذ، ينتفع المؤمن بالقدر،والشرع ، فيقابل القدر بالرضا، والتسليم، والتماس الحكمة. ويقوم لله بما ينبغي من التوبة. قال تعالى : (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) [يونس/98].



التعليقات ( 0 )