أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والنفس (2)

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.9K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

قواعد في معاملة النفس

     الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فتأسيساً على ما تقدم من توصيف النفس الإنسانية، من خلال نصوص الكتاب والسنة، فثمَّ بعض النصوص الدالة، التي يمكن اعتبارها قواعد عامة في سياسة النفس، ومعاملتها. منها :

أولاً : تزكية النفس مشروع الحياة : قال تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى)  [الأعلى/14]، وقال : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس/9، 10]. لابد للمرء في رحلة الحياة أن يدرك أنه في حالة مكابدة، وكدح، ومجاهدة، للرقي بنفسه إلى مراقي الكمال. والتزكية ليست حلقة نقاش، ولا دورة مكثفة، يجتازها المرء في مدة محددة، ثم يتخرج منها بامتياز، محصناً من كل آفة، كلا! بل هي مشروع مستمر، وعمل دؤوب، يرمق جانب البناء والارتقاء، ويلحظ جانب الصيانة والإصلاح. وثمرتها الهداية، في الدنيا، والآخرة. قال تعالى : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت/69]. وقد تلاعب الشيطان ببعض المتصوفة، حين أوحى إليهم أن ثمَّ حداً يبلغونه في الحياة، يسمى مقام (اليقين)، تسقط عنهم، ببلوغه، الواجبات، وتحل لهم المحرمات، أخذاً، زعموا، من قوله تعالى : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر/99] ! وإنما (اليقين) الموت، فلا يزال المؤمن مشتغلاً بعبادة ربه، وتزكية نفسه حتى يدركه الموت، وهو على ذلك .

ثانياً : زكاة النفس بتوفيق الرب، وكسب العبد : قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) [النساء/49]. إن معالجة النفس، وتهذيبها، وحملها على مراقي الكمال، لا يحصل بمجرد الأماني العذاب : (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) [النساء/123]، ولا يتحقق بالاعتماد على الذات، والاعتداد بالمواهب والقدرات، بل لا بد فيه من ركنين :

أحدهما : الاستعانة بالله، وسؤاله زكاة النفس. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا) رواه مسلم، وقال في تعليمه للحصين بن معبد الخزاعي : (قُلْ: اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي) رواه الترمذي.

الثاني : المجاهدة، وبذل الوسع، واستفراغ الجهد : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت/69]. وتلك من سنن الله الكونية؛ فإن الله ربط الأسباب بمسبباتها، وعلق التغيير بالمجهود البشري، فقال : (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد/11]

ثالثاً : لكل نفسٍ وسع، فلا تتكلف : قال تعالى : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) [البقرة/286]، وقال : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا) [الطلاق/7]، وقال : (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) [ص/86]. إن لكل نفس وسعاً، وطاقة، تتفاوت من شخص لآخر. بل إن النفس الواحدة تتفاوت في وسعها، وطاقتها حيال الأمور المختلفة، فهاهو النبي صلى الله عليه وسلم يقيِّم أبا ذر ، رضي الله عنه في موقف معين، حين قال له: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: (يَا أَبَا ذَرّ! إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ، وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا) رواه مسلم، لكنه صلى الله عليه وسلم يسجل له شهادة قوة، وتميز، في مقام آخر، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ وَلَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ مِنْ رَجُلٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ) رواه أحمد، وابن ماجة.

     واجتماع الكمالات عزيز، والله تعالى يقسم الأخلاق، كما يقسم الأرزاق، ويؤتي فضله من يشاء. فعلى المرء أن يرضى بما أوتي، وأن يقنع بما قسم له، وألا يتشبع بما لم يعط. قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) متفق عليه.

والتكلف غير التحمل. الأول حمل للنفس على ما ليس في طوقها، والثاني استنفار لطاقتها القصوى. فالأول مذموم، والثاني محمود. وبينهما خيط رفيع، يبصر بالتجارب، والتقويم المنصف، لا وكس، ولا شطط.

رابعاً : النفس تعتل كما يعتل البدن، وتداوى كما يداوى البدن : فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً) رواه البخاري. فكما أن العين يصيبها الرمد، والأذن يلحقها الصمم، واليد تكل، وتشل، والرأس يصيبه الصداع، فالنفس كذلك، يعتريها اضطراب. وكثير من الناس، حين تعتل نفوسهم يفزعون إلى الأسباب الغيبية؛ من عين، وسحر، وما أشبه، والعين حق، والسحر حق، لكن لا يستقيم أن تعلل بهما جميع الظاهرات البشرية، فكلما أمكن تفسير الأشياء تفسيراً ظاهرياً، مدركاً، لزم المصير إليه، ولم يسغ التعلق بأوهام وظنون، (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)  [يونس/36].

     والعلل النفسية تداوى بأضدادها؛ فالحزن والاكتئاب، بإدخال الفرح والسرور، ولو تكلفاً، واليأس والإحباط، بالفأل، والأمل، والكبر، والعجب، بالتواضع والإخبات. وهكذا. ولهذا نجد في القرآن الكريم هذه المناهي التربوية : (لَا تَحْزَنْ) [التوبة/40]، (فَلَا تَبْتَئِسْ) [يوسف/69]، (لَا تَكُ فِي ضَيْقٍ) [النحل/127]، (وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ) [يوسف/87]

     تلك نظرات تأملية في التعامل مع النفس الإنسانية. وعالم النفس أوسع من أن تحيط به عبارات، لكنها إشارات إلى ما وراءها من فقه النفس على ضوء الوحيين.



التعليقات ( 0 )