• ×

أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والنفس

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.6K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فإن (النفس) هي التعبير القرآني، والنبوي، واللغوي، والعرفي، عن الكينونة الإنسانية لشخص ما. فالنفس مرادفة للذات، وللإنسان. وبالتعبير الحديث هي (الوحدة)  للآدميين.

     فأصل الخليقة (نفس) واحدة، تناسلت منها بقية النفوس. قال تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً )[النساء/1].

     و(النفس) البكر، مفطورة على الاستعداد لتقبل الخير والشر، مهيئةٌ للمفاضلة بينهما، وركوب أحدهما. قال تعالى : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)  [الشمس/7-10]

     ونظراً لهذه القابلية، وتلك القدرة، فإن (النفس) تتمظهر بأحوال ثلاث :

فتارةً تكون مطمئنة بالإيمان : (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ) [الفجر/27، 28]

وتارةً تكون أمارةً بالسوء : (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) [يوسف/53]

وتارةً تكون لوامة : (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) [القيامة/2]

وهي تتراوح بين المراتب الثلاث، حتى تؤول محصلتها إلى ما غلب عليها، ووافت به .

     ولـ(النفس) عيوبٌ، وآفات، ولها وسائل، وأدوات :

فهي ميالةٌ إلى (الهوى)، تحتاج إلى زجر : (وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) [النازعات/40]

وهي مضمار للوسوسة الذاتية:(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ)[ق/16]

كما أن لها أدواتها التسويغية للوصول إلى مرادها : (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) [يوسف/18]، (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) [طه/96]

     تلك خطوط عامة، وأصول رئيسة، في حقيقة النفس، تحتها تفاصيل واسعة. ولذا انصبت عناية العلماء الربانيين، المحققين، المدققين، على فقه النفس، ومعرفة طبيعتها، وتقلباتها، والتواءاتها، ومجاهدتها، وتزكيتها. كما أن غير المسلمين؛ من الفلاسفة، والمفكرين، عنوا عنايةً كبيرة بالجوانب النفسية، حتى تكوَّن من تلك التراكمات، علم كبير، يسمى (علم النفس) .

     وفرق ما بين الفريقين؛ العلماء الربانيين، والعلماء النفسيين، أن الفريق الأول يستنير بنور الله، ويعتصم بأصول الوحيين، فيصيب كبد الحقيقة، ويختصر المسافات للوصول إلى النتائج الصائبة. في حين أن الفريق الذي يعتمد على التجارب الإنسانية، والتراكمات المعرفية، يصيب جزءاً من الحقيقة، ويخفق في أجزاء لا غنى للناظر فيها، عن الاستنارة بنور الله، فتأتي نتائجه قاصرة، منقوصة. ونحن لا نغمط الناس حقهم، ولا نتنكر للجهود الإنسانية القائمة على الرصد، والتحليل، والاستنتاج، لكننا نجزم أن هذا اللون من العلوم الإنسانية، ذو صلة حميمة بأصل الخلق والتكوين الإلهي للإنسان، ولا يمكن التعاطي معه بمعزل عن الثوابت العقدية، والقضايا الغيبية.

     إن الأصول العقدية الثابتة، ضرورية لفهم النفس الإنسانية، كما أنها ضرورية أيضاً لتقويمها، وتسديدها، وعلاجها. قال تعالى : (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)  [الملك/14] .

     لقد أفلح الغرب في صياغة (علم نفس) على أصول منهجية مادية، تستبعد عنصر (الإيمان) و (الغيب)، وحاول أن يفهم (النفس) وأن يستصلحها، فنجح في جانب، وأخفق في جوانب. وكتب أهل الإسلام ، كشيخ الإسلام، وابن القيم، وابن الجوزي، والغزالي، وغيرهم، رحمهم الله، في فقه النفس، كتابات نيرة، تستدعي من الباحثين الذين يجمعون بين المنهجية الحديثة، والحس الشرعي العقدي، أن يعيدوا إخراجها، وتطويرها. ولن يكون كافياً أن يعمد بعض المصنفين المسلمين إلى النتاج الغربي للعلوم النفسية، فيزعم أنها قام بأسلمتها، لمجرد أنه أقحم نصاً قرآنياً، أو حديثاً نبوياً، أو شاهداً شرعياً، أو ذيل تعريفات القوم بعبارة : (في حدود الشريعة الإسلامية) ! هذا ضرب من العبث، والتشويه. لا بد من تأصيل لعلم نفس إسلامي ينقذ النفوس البشرية المنهكة المريضة، لتتعافى بصدق، وتستطِبَّ بحق، بدواء القرآن، وتتغذى بغذاء الإيمان .



التعليقات ( 0 )