• ×

أ.د. أحمد القاضي

حديث: « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان»

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  6.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

السؤال: حديث: « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» وبعض الأحاديث التي جاء فيها أنه لم يعمل خيرا قط، على أي شيء تحمل هذه الأحاديث؟

بسم الله الرحمن الرحيم
     الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
     فقد دل كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على أن الإيمان قول وعمل، قول القلب، واللسان، وعمل القلب، واللسان، والجوارح. وعلى ذلك أجمع السلف الصالح. فالأعمال داخلة في مسمى الإيمان؛ قال تعالى : "وما كان الله ليضيع إيمانكم" ، قال القرطبي رحمه الله (2/157) : ( اتفق العلماء أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس ). وقال عليه الصلاة والسلام، في حديث وفد عبد القيس ( أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا من الغنائم الخمس ). وما ذكر أصل أصيل، وأمر محكم لا يجوز العدول عنه ، فإذا أتانا نص فيه اشتباه، أو ما ظاهره معارضة هذا الأصل، كما في حديث الشفاعة الذي ذكره السائل، وجب علينا رد المتشابه إلى المحكم، والجمع بين النصوص. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في الإيمان الكبير (107-108) : ( فليس تخصيص عموم هذه الألفاظ، بأعظم من إخراج لفظ الإيمان عما دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف، فإن النصوص التي تنفي الإيمان عمن لا يحب الله ورسوله، ولا يخاف الله ولا يتقيه، ولا يعمل شيئاً من الواجب، ولا يترك شيئأً من المحرم، كثيرة، صريحة، فإذا قدر أنها عارضها آية، كان تخصيص اللفظ القليل، العام، أولى من رد النصوص الكثيرة الصريحة ).
   ولذلك فإن العلماء حملوا حديث الشفاعة وما شابهه من الأحاديث على عدة محامل:
الاحتمال الأول: أن هذه الأحاديث عامة، فتخصص بالأدلة الأخرى، الدالة على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان .
الثاني: أن حديث الشفاعة جاء بعدة روايات، يفسر بعضها بعضاً؛ ومنها ما أخرجه البخاري، ومسلم، من حديث أبي هريرة – وقد جاء هو، وحديث أبي سعيد الخدري، رضي الله عنهما، بإسناد واحد؛ الزهري، عن عطاء بن يزيد، عنهما – ففي حديث أبي هريرة : ( حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً، ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يقول لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار؛ يعرفونهم بأثر السجود ، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود. حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود. فيخرجون من النار وقد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل ...)، وكذلك حديث جابر عند مسلم : ( إن قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم، حتى يدخلون الجنة )، ودارات الوجه هو مواضع السجود. فهذه الروايات تدل أنهم كانوا يعملون.
     وأما نفي العمل عنهم، فوجهه ما قاله الإمامان: أبو عبيد القاسم بن سلام، وابن خزيمة، رحمهما الله، قال أبو عبيد، في كتاب الإيمان ( 41) : (كلام العرب المستفيض عندنا، غير المستنكر، في إزالة العمل عن عامله، إذا عمله على غير حقيقة، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئأً، ولا عملت عملاً. وإنما وقع معناه هاهنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها. فهو عندهم عامل بالاسم، وغير عامل في الإتقان، حتى به فيما هو أكثر من هذا ... وقد وجدنا مع هذا شواهد لقولنا من التنزيل والسنة ).
     وقال ابن خزيمة في كتاب التوحيد (2/732) : ( لم يعملوا خيرا قط : من الجنس الذي تقوله العرب، ينفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال، والتمام ، فمعنى هذه اللفظة –على هذا الأصل- : لم يعملوا خيراً قط على التمام، والكمال، لا على ما أُوجب عليه، وأمر به. وقد بينت هذا المعنى في مواضع من كتبي ).
     ويؤيد ما قاله هذان الإمامان ما أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك مرفوعاً : ( يؤتى بأنعم أهل الدنيا، من أهل النار، يوم القيامة، فيصبغ في النار صبغة ثم يقال له : يا ابن آدم: هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول : لا والله، يا رب ! ويؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا، من أهل الجنة، فيصبغ صبغة في الجنة، فيقال له : يا ابن آدم: هل رأيت بؤساً قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول : لا والله، يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط ).
الاحتمال الثالث : أن يقال (لم يعمل خيراً قط) زائداً على التوحيد والإيمان. ويشهد له ما جاء في بعض ألفاظ حديث الرجل من بني إسرائيل، الذي أوصى بنيه إذا مات، أن يحرقوه، وأصله في الصحيحين، قال صلى الله عليه وسلم : ( كان رجل ممن كان قبلكم، لم يعمل خيراً قط، إلا التوحيد) الحديث. رواه أحمد بسند صحيح : (15/8027). فسمى التوحيد عملاً .
الاحتمال الرابع : أن تحمل هذه الأحاديث على من لم تبلغه الدعوة في زمن الجهل، ودروس الإسلام. ويشهد لذلك ما أخرجه ابن ماجة، من حديث حذيفة، رضي الله عنه، مرفوعاً : ( يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليُسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية. وتبقى طوائف من الناس، الشيخ الكبير، والعجوز، يقولون : أدركنا آباءنا على هذه الكلمة، لا إله إلا الله، فنحن نقولها ) فقال له صلة : ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة ؟  فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثاً، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: ( يا صلة تنجيهم من النار ) ثلاثاً .
الاحتمال الخامس : أن تحمل الأحاديث على من أدركه الأجل، قبل التمكن من العمل، فيكون تاركاً له، لعذر شرعي، حتى مات .
الاحتمال السادس : أن تحمل الأحاديث على الأمم الأخرى، ويشهد له ما جاء في حديث الشفاعة، وهو قوله : ( شفعت الملائكة، وشفع النبيون ).
فهذه بعض الوجوه في الجمع بين النصوص المشكلة، التي ذكرها السائل ، وأما إلغاء الأمر المحكم، البين، والتعلق بالمتشابه من النصوص، فليس من سبيل الراسخين في العلم، بل هو طريقة الزائغين، الفتَّانين، المتَّبعين للمتشابه.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل
 


التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:42 صباحًا الأربعاء 21 ذو القعدة 1440 / 24 يوليو 2019.