• ×

د. أحمد القاضي

(العقيدة والصلاة)

د. أحمد القاضي

 0  0  1.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فإن (الصلاة) أشرف العبادات، وأعظم مباني الإسلام بعد الشهادتين. فرضها الله في العهد المكي، قبل بقية شرائع الإسلام. وهي العبادة الوحيدة التي التي جرى إقرارها فوق السماوات العلى، عند سدرة المنتهى، ليلة الإسراء والمعراج، في حال سمع فيه النبي صلى الله عليه وسلم صريف الأقلام، وكلمه ربه من وراء حجاب، فافترضها عليه خمسين صلاةً في اليوم والليلة، حتى مرَّ، هابطاً، بموسى عليه السلام، وأمره بمراجعة ربه في التخفيف، فلم يزل يحط عنه عشراً،عشراً، حتى استقرت على خمس صلوات في اليوم والليلة، ونادى منادٍ من السماء : (إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي، وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًاً) رواه البخاري.

     ولم تزل الصلاة منذ ذلك الحين، قرة عيون الموحدين، وشعار الصالحين، ومفزع الخائفين، ومستراح الراجين، وروضة المحبين . ولم يزل معلم الناس الخير، صلى الله عليه وسلم، يعظم شأنها، ويعلي أمرها، قولاً، وفعلاً؛ يقيمها مستوفيةً شروطها، وأركانها، وواجباتها، وسننها،في أوقاتها، جماعةً مع المسلمين، في مسجده الشريف. ويجعل لبيته حظاً وافراً من التطوع، نافلةً؛ من الرواتب، وقيام الليل.

وكان يقول : (حبب إلي من دنياكم : النساء و الطيب و جعلت قرة عيني في الصلاة) رواه أحمد، والنسائي، وصححه الألباني .

(وكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى) رواه أحمد، وأبو داود.

ولما شارطه بعض العرب على أن يسلموا، ولا يصلوا! قال : (لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا رُكُوعَ فِيهِ) رواه أحمد. وقال ابن إسحاق، في سياق قصة وفد ثقيف : وسألوه أيضا أن يضع عنهم الصلاة، فقال لهم : لا خير في دين بلا صلاة ) .

وكَانَ مِنْ آخِرِ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) حَتَّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَجْلِجُهَا فِي صَدْرِهِ، وَمَا يَفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ) رواه أحمد

     فما السر يا ترى في هذه الشعيرة العظيمة، التي كانت أول الأمر، وآخره، وأمكنه مكاناً، وأعمه زماناً؛ بحيث تستوعب المكان : (وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًاً) رواه البخاري، وتستغرق الزمان ، قال تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا . وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًاً) [الإسراء/78، 79] ؟!

     إن المتأمل في حقيقة الصلاة، وصورتها، يدرك أن هذه الشعيرة صلة حميمة بين العبد وربه، يفتتح بها العبد الفقير، الضعيف، الذليل، باب مناجاة مع الإله، الغني، القوي، العزيز، يكبره، ويسبحه، ويحمده، ويوحده، ويدعوه. وتلك حقيقة العبودية. وحين يصف قدميه في محرابه، ويصوِّب بصره إلى موضع سجوده، ويحني قامته راكعاً، ويخر ساجداً، ليضع أشرف ما فيه؛ جبهته، وأنفه، على الأرض، تواضعاً لمولاه، واطِّراحاً بين يديه. وتلك حقيقة العبودية.

     فالصلاة إذاً من أجلى مظاهر العبودية، وصلتها بالعقيدة صلة الغذاء بالبدن؛ به قوامه، ونشاطه، وصحته. فإذا أُدِّيت على الوجه الأمل استحالت طاقةً جبارة، ووقوداً هائلاً، يمد صاحبه بالأمن، والصبر، واليقين، والفرقان، والضياء، وسائر ثمرات الإيمان. قال صلى الله عليه وسلم : (وَالصَّلَاةُ نُورٌ) رواه مسلم.

     إن حاجة المؤمن إلى الصلاة، أعظم من حاجته إلى الطعام، والشراب، والنَّفَس. إن الصلاة، بمختلف مظاهرها، تجدد العقيدة، وتذكي جذوة الإيمان، وتطهر القلب من الران، والغان، والأوشاب، والأخلاط الرديئة، التي تحول دون أدائه وظيفته على الوجه الأكمل . ولأجل ذا نشرها الله تعالى في ساعات اليوم والليلة، لتجديد الإيمان، وتنقية القلب من الشوائب . قال صلى الله عليه وسلم : (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا) متفق عليه.

     فلا غرو أن يأمر الله بها أنبياءه، حين يتصدون للمهام العظام، كما قال لموسى عليه السلام، حين كلَّمه: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى . إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه/13، 14]

     إن الذكر الذي تنشئه الصلاة توثيق للعهد، وجلاء للقلب، يضع صاحبه على الجادة، والصراط المستقيم. وشرط ذلك أن يصلي صلاةً خاشعة، يستجمع فيها قلبه، وهمه، فيقوم مقام العبودية التامة، ليجني ثمراتها التامة.

     ولمَّ كانت الصلاة على هذه الدرجة الرفيعة، والصلة الوثيقة بالإيمان، والعقيدة، صار تاركها كافراً كفراً مخرجاً عن الملة، على الصحيح من أقوال أهل العلم . قال تعالى : (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)  [التوبة/5]، وقال : ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)  [التوبة/11]. وقال صلى الله عليه وسلم : (الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ) رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة. وقال : (إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ ) رواه مسلم .

     ألا ما أحوجنا إلى الصلاة الخاشعة، المطمئنة، المخبتة، لنحيي بها موات قلوبنا، ونجلو صدأها، ونعمر خرابها، فيعود القلب بيتاً للرب في العبد، كما الكعبة بيت للرب في الأرض. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

 



التعليقات ( 0 )