• ×

أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والسلوك

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :  

     فإن (السلوك) مصطلح ولد، وترعرع في أحضان العبَّاد، والزهاد، وأرباب الطرق الصوفية، على تفاوت كبير في دلالته، وتطبيقه عندهم، كتفاوتهم في القرب من السنة المحضة، أو البعد منها. وليس مصطلحاً شرعياً خاصاً. ودلالته لا تتجاوز الدلالة اللغوية، التي بمعنى السير على طريقة معينة، كما يسير السالك في الدرب المعين، كقول النبي صلى الله عليه وسلم : (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ) رواه أبو داود، الترمذي، وابن ماجة.  

     والسلوك الشخصي، عبادةً، ومعاملةً، هو الترجمان الصادق لعقيدة المرء، والأثر العملي الناتج عن المخزون العلمي الإيماني. وقد اختطف الصوفية هذا الجانب المنظور من حياة الأفراد، فرتبوا له المقامات، ووصَّفوا الأحوال، وزخرفوا العبارات، ورسموا الطرق، وصاغوا الأوراد، وتوَّجوا ذلك بالبيعة والانتماء لصاحب الطريقة، فآلت العامة إلى شيعٍ، وأحزاب، وانخرط الأفراد في اتباع رسوم بدعية، ذات نفس أعجمي، وتأثير سلبي، منسحب من الحياة، غارقٍ في التهويمات، والإشارات.

     والسلوك الشرعي؛ القرآني، النبوي، السلفي، هو الاستشعار الدائم للعبودية لرب العالمين : (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) متفق عليه، واستصحاب معيته سبحانه، في جميع التقلبات : (إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت) رواه الطبراني، والبهقي، وأبو نعيم. هذا من الناحية العلمية الوجدانية، وأما من الناحية العملية التطبيقية، فهو اتباع هدي خاتم النبيين؛ في الأقوال والأعمال، والأخلاق، والأحوال : (فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) رواه مسلم.

     اقتبس المقريزي، رحمه الله، في كتابه (تجريد التوحيد المفيد) تصنيفاً لأهل مقام (إياك نعبد) من (مدارج السالكين، لابن القيم، رحمه الله، جعلهم أربعة أصناف :

(الصنف الأول : عندهم أنفع العبادات، وأفضلها : أشقها على النفوس، وأصعبها...

الصنف الثاني : قالوا: أفضل العبادات، وأنفعها : التجرد، والتزهد في الدنيا، والتقلل منها غاية الإمكان، واطراح الاهتمام بها، وعدم الاكتراث لما هو منها ...

الصنف الثالث :رأوا أن أفضل العبادات ما كان فيه نفع متعد، فرأوه أفضل من النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء، والاشتغال بمصالح الناس، وقضاء حوائجهم، ومساعدتهم بالجاه، والمال، والنفع، أفضل ...

الصنف الرابع : قالوا : أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب، سبحانه، وإشغال كل وقت بما هو من مقتضى ذلك الوقت، ووظيفته :

  • فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد ...
  • والأفضل في وقت حضور الضيف : القيام بحقه، والاشتغال به .
  • والأفضل في أوقات السحر: الاشتغال بالصلاة والقرآن، والذكر، والدعاء.
  • والأفضل في وقت الأذان: ترك ما هو فيه من الأوراد، والاشتغال بإجابة المؤذن
  • والأفضل في أوقات الصلوات الخمس: الجد، والاجتهاد في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أول الوقت، والخروج إلى المسجد، وإن بعد.
  • والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج: المبادرة إلى مساعدته بالجاه، والمال، والبدن
  • والأفضل في السفر : مساعدة المحتاج، وإعانة الرفقة، وإيثار ذلك على الأوراد، والخلوة.
  • والأفضل في وقت قراءة القرآن : جمعية القلب، والهمة على تدبره، والعزم على تنفيذ أوامره، أعظم من جمعية من جاءه كتاب من السلطان على ذلك.
  • والأفضل في وقت الوقوف بعرفة : الاجتهاد في التضرع، والدعاء والذكر .
  • والأفضل في أيام عشر ذي الحجة: الإكثار من التعبد، لا سيما التكبير، والتهليل، والتحميد، وهو أفضل من الجهاد غير المتعين.
  • والأفضل في العشر الأواخر من رمضان : لزوم المساجد، والخلوة فيها، مع الاعتكاف، والإعراض عن مخالطة الناس، والاشتغال بهم حتى أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم، وإقرائهم القرآن...
  • والأفضل في وقت مرض أخيك المسلم أو موته: عيادته، وحضور جنازته، وتشييعه، وتقديم ذلك على خلوتك، وجمعيتك.
  • والأفضل في وقت نزول النوازل، وأذى الناس لك: أداء واجب الصبر، مع خلطتك لهم ..

     وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق. والأصناف التي قبلهم أهل التعبد المقيد، فمتى خرج أحدهم عن الفرع الذي تعلق به من العبادة، وفارقه، يرى نفسه كأنه قد نقص، ونزل عن عبادته، فهو يعبد الله على وجه واحد، وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه مرضات الله تعالى. إن رأيت العلماء، رأيته معهم، وكذلك الذاكرين، والمتصدقين، وأرباب الجمعية، وعكوف القلب على الله. فهذا هو الغذاء الجامع للسائر إلى الله في كل طريق، والوافد عليه مع كل فريق) تجريد التوحيد المفيد : 92-100 . دار عالم الفوائد

     وبعد : فهذا هو السلوك الحق الذي تمليه العقيدة الحقة؛ أن يعيش الإنسان لحظته الراهنة، مستيقناً، مستحضراً، العبودية التامة لله رب العالمين، متمثلاً، متأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، في كل ما يأتي، وما يذر، مطَّرحاً الأحوال الشيطانية، والرسوم البدعية، مستغرقاً في جميع مناحي الحياة؛ أباً، وزوجاً، راعياً، ومرعياً، في العبادات، والمعاملات، في الأخلاق، والآداب، وفي سائر شؤون الحياة.

 



التعليقات ( 0 )