• ×

أ.د. أحمد القاضي

العقيدة والسياسة

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

     فإن المدرك لحقيقة (العقيدة الإسلامية) ، لا يرتاب في شموليتها، وتناولها لمختلف جوانب الحياة. ومن ذلك ما اصطلح الناس، في الأزمنة الأخيرة، على تسميته (سياسة) ويقصد بها جملة الأسس والمفاهيم التي تبنى عليها المواقف في العلاقات الدولية.

     وبعض الناس، لا يرى علاقةً بين (الدين) و (السياسة)، نتيجةً للفهم القاصر لدور الدين في الحياة، وحسبانه (ممارسة شخصية) أو بصورة أوسع (منظومةً اجتماعية)، لكن يستبعدون أن يقوم الدين بتوجيه دفة الدولة، في علاقاتها الدولية، ومواقفها العامة. وربما تحذلق بعضهم فقال : الدين رمز القداسة والنزاهة، والسياسة دجل ووساخة، فلا يصلح أن يدخل هذا في هذا! وهو كلام لا يحتاج إلى تعليق، فغنما جاء الدين ليصلح الدنيا، لا ليتفرج عليها، ويستنكف عنها.

     إن الإسلام دين ودولة، يجتمع فيه القرآن والسلطان، فيتفيؤ الناس ظلال العدل والرحمة معاً، فيصلح الدين والدنيا معاً. والمثال الباهر، والتطبيق العملي الدقيق لهذه القضية، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبناؤه للدولة الإسلامية الأولى. ويأتي في الدرجة الثانية عهد الخلافة الراشدة، ثم ما أعقبها من أدوار الخلافة الإسلامية المتعاقبة، التي تتفاوت قرباً، وبعداً من خلافة النبوة.

     وللسياسة في الدين متعلقان :

أحدهما : باب الثوابت العقدية : وهي جملة القضايا الإيمانية التي تحدد علاقة المسلمين بغيرهم من المعاهدين، والمستأمنين، والذميين، والحربيين، من الناحية العقدية، وما تستتبع من الولاء، والبراء، والحب، والبغضاء. وهذا الباب لا يجوز لأحد تجاوزه، والمساس بثوابته، تحت أي دعوى.

الثاني : باب المصالح والمفاسد ، أو ما يسمى (السياسة الشرعية) : ويقصد بها المواجهة الآنية، أو المحلية، لموقف معين؛ من حيث الصلح، والهدنة، أو الحرب، والجزية، وسائر المفاوضات، والاتفاقات المعيشية، التي لا تمس جناب العقيدة، وثقافة الأمة، وآدابها، وصبغتها التي صبغها الله بها، وإنما تفرضها طبيعة الاحتكاك، والتعايش بين بني البشر. وهذا الباب، بخلاف سابقه، تتنوع فيه الاجتهادات، بتنوع الأحوال، وواقع الأمة قوةً، وضعفاً. ويقدر المصلحة والمفسدة في هذا الباب أولو الأمر، وأهل الحل والعقد، من النخب المؤهلة المصطفاة من الأمة.

     وكلا النوعين جريا في عهد النبوة، والخلافة الراشدة، والممالك الإسلامية اللاحقة. فالولاء للمؤمنين، والبراء من الكافرين قضية عقدية محسومة بالنصوص القطعية، لا تتغير بتغير الزمان والمكان. والقتال، والصلح، يخضعان لحال الأمة في وضع معين ؛ ففي حين يقال للمؤمنين : (كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ) [النساء/77]، وفي حين آخر يقال لهم : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) [التوبة/5]، وفي حال ثالثة، يعرض النبي صلى الله عليه وسلم على المؤمنين أن يبذلوا للأحزاب نصف ثمرة المدينة، ليرجعوا عنهم ! دون أن يكون هذا الأسلوب في المواجهة قادحاً في الثوابت العقدية. فتأمل!

     وهذان النوعان لا يلتبسان، ولا يتعارضان . فعلى سبيل المثال : البراءة من الكافرين، وعداوتهم، وبغضهم، متعلقة بباب الثوابت العقدية، كما قال تعالى : (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)[الممتحنة/4]، لكن الموقف الإجرائي، العملي، متعلق بباب السياسة الشرعية، واختلاف الأحوال؛ فبعد هذه الآية السابقة الحاسمة، بآيتين، تأتي آيتان تعالجان وضعين مختلفين، بما يليق بهما : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الممتحنة/8، 9]

     وهكذا تتمكن الأمة المسلمة من شق طريقها بين الأمم، محافظةً على ثوابتها، ومعتقداتها، دون أن تتعارض (العقيدة) و (السياسة) ، بل تتواءمان.



التعليقات ( 0 )