• ×

أ.د. أحمد القاضي

الشيخ عبد الرحمن السعدي، ومحنة فلسطين

أ.د. أحمد القاضي

 0  0  1.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :

فإن العالم الرباني، الفقيه، المفسر، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله، قد عاش نحو ثلاثة أرباع القرن الرابع عشر الهجري (01307-1376)،وعاصر مساعي اليهود للعودة من الشتات إلى أرض فلسطين، وإقامة مملكة لليهود:

  • فحين انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في «بال» في سويسرا، سنة 1897م، كان ابن عشر سنين.
  • وحين صدر «وعد بلفور» بمنح اليهود وطناً قومياً في فلسطين، سنة 1917م، كان ابن ثلاثين سنة.
  • وحين صدر قرار الأمم المتحدة بتدويل القدس، وتقسيم فلسطين، سنة 1947م، كان قد بلغ ستين سنة.

وخلال هذه المحطات التاريخية، شهد تدفق اليهود من أصقاع الأرض تحت حماية النصارى، وخاصة أمريكا وبريطانيا، وتشريد المسلمين وإخراجهم من ديارهم. ثم تُوِّج ذلك بإعلان قيام دولة إسرائيل سنة 1368هـ/1948م، قبل وفاة الشيخ بثمان سنين.

وقد صنف الشيخ رسالة تتعلق بفتنة المسيح الدجال، قبل وفاته بست سنين، وخطها بيمينه، صغيرة الحجم، عظيمة النفع، لا سيما في هذا الوقت الذي ازداد فيه أذى اليهود للمسلمين، في فلسطين، وأعملوا فيهم القتل والتشريد، وهدم البيوت، وساموهم سوء العذاب، حتى تسلل اليأس والقنوط إلى بعض النفوس الضعيفة. ففيها برد اليقين، وبشارة المؤمنين، بنصر الله، وقريب روحه وفرجه.

لقد كانت هذه النازلة، ولا تزال، فتنة عظيمة، وداهية جسيمة، لتكون بدورها توطئة للفتنة الكبرى المنتظرة، التي يتزعمها المسيح الأعور الدجال، ويكون اليهود لحمة سداها، وعامة أتباعها، حتى يكشفها الله بنزول المسيح الصادق عيسى ابن مريم، فيهتك ستره، ويبين عواره ودجله، ويقتله.

 

وقد أبصر الشيخ، رحمه الله، المشهد الدولي، بنور العقيدة،وربط بين زوال دولة إسرائيل، وظهور المسيح الدجال، الذي يقضي عليه المسيح عيسى ابن مري، عليه السلام، والمؤمنون. واعتبر الأمم الداعمة لإسرائيل جزءاً من فتنة الدجال. وسنورد أدناه قراءةً واعية لمحنة فلسطين، سطرها الشيخ عبد الرحمن السعدي، رحمه الله، قبل ستين سنة . فقال :

(الأمم الذين وراء فارس، والروم، من الأمم الفرنجية، وتوابعهم، وكونهم السبب الوحيد، الذي مهد لليهود ملك فلسطين، وساعدوهم بالقوة المادية والسياسية، كما هو معروفٌ لا يخفى على أحد. ولولا ذلك لم يطمع اليهود بتملك شبرٍ من بلاد العرب، تصديقاً لقوله تعالى: "إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ". فهؤلاء الناس هم الذين مهدوا لهم الملك، وتداعوا من كل قطرٍ إلى بلاد العرب، من فلسطين كما في الحديث الصحيح: " أن الدجال يتبعه من يهود أصبهان سبعون ألفاً". وهذا معناه أنهم يستدعون إلى فلسطين من أقطار الأرض بسبب دعوة الدجال لهم.

ومن عرف كيف عملت اليهود مع الإنكليز، وتأكد بينهم الوعد المسمى بوعد بلفور، وكيف حاولوا المحاولات العظيمة، وسخروا الأمم القوية لتمهيد مصالحهم لم يستبعد أن هذه فتنة الدجال الخاصة، التي هي أكبر فتن الأرض، كما ورد في الحديث: "ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال".

وهل أعظم من فتنة جرف تيارها جمهور الناشئة الحديثة بإلحاده، وصير من يرجى منهم نصرة الإسلام بالقول، والفعل، من أكبر الأعوان على هدمه، وزواله؟! وهم يسعون استجابةً لفتنة الدجال على القضاء عليه. ونرجوا الله أن يلطف، ويدفع عن المؤمنين بحوله وقوته ورحمته، فإنهم لا سبب لهم مادي، ولا قوة حسية، تدافع بها القوات المحتشدة المصممة على القضاء عليه، ولكن سيأتي من لطف الله ما لا يخطر بالبال.

وهل أعظم من فتنة اجتمع العرب وحكوماتهم على مقاومتها، ومدافعتها عن بلادهم، فقاومتهم السياسات، ولعبت بهم الفتن، حتى فرقتهم، وشتتهم، ومكنت عدوهم من جوف بلادهم، وذهب أهلها مشردين في كل قطرٍ منهم طائفة. وهي في سعيها، وجدها، الآن لا تزداد إلا قوة، ولا يزداد العرب إلا وهناً وضعفاً مادياً ومعنوياً، دينياً ودنيوياً؟!

ولا بد أن تتوسع سيطرة اليهود، ولا بد لهم من التضييق على جيرانهم من الحكومات العربية، ولا بد أن يتبين من الشخص منهم الذي هو المسيح الدجال المعيَّن بذاته، وتجري بقية ما ذكره الرسول صلّى الله عليه وسلّم على يده، حتى ينزل عيسى ابن مريم، ويعين الله المسلمين، فيقاتلونهم فيقتلون اليهود، ويقتل عيسى صلّى الله عليه وسلّم مسيحهم الدجال...

والواقع الآن يشهد بما ذكرنا، وهذه الفتنة الصهيونية، لها توابع كثيرة، إلى الآن لم تتم، وهم يسعون فيها. فمن قارن بين هذه الفتنة العظيمة، وتوسعها، وضررها، وبين غيرها من الفتن التي جرت على المسلمين، علم أنها أكبر قارعة حلت، وأعظم مصيبة أصابتهم، وأن فتنتها السابقة واللاحقة أعظم الفتن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ منه إلا إليه...

وسنرجئ بقية الكلام إلى أن يتبين لنا، ولغيرنا، في المستقبل، من هذه الفتنة، بقية ما ذكره الرسول صلّى الله عليه وسلّم. فإنه أمرٌ واقع، ما له من دافع، وأصوله ومقدماته قد وضحت وبانت لكل أحد له بصيرة. 7 شعبان 1370هـ.)

انظر رسالة (أحاديث الدجال)، بتحقيقي . طبعة ابن الجوزي .

 



التعليقات ( 0 )