رابعاً : أن البلاء والمرض سبب لدخول المؤمن الجنة :
عن عطاء بن رباح، رحمه الله، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأةً من أهل الجنة؟ قلت : بلى، قال : هذه المرأة السوداء، أتت النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. قال: ( إن شئت صبرت، ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك) فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها ) متفق عليه .
خامساً : أن البلاء علامة على محبة الله للعبد :
عن محمود بن لبيد، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن حرِج فله الحرَج) رواه أحمد. قال المنذري في الترغيب، والهيثمي في المجمع: رواته ثقات. وفي رواية عن أنس : ( وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ) رواه الترمذي، وابن ماجه، والبزار، وحسنه الألباني.
سادساً : أن المرض لا يمنع جريان العمل الصالح الذي كان يعمله صاحبه :
عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا مرِض العبد أو سافر، كتب له مثلُ ما كان يعملن مقيماً صحيحاً) رواه البخاري.
وعن عبدالله بن عمرو، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أحد من المسلمين، يصاب ببلاء في جسده، إلا أمر الله الحفظة الذين يحفظونه، فيقول: اكتبوا لعبدي كل يومٍ وليلة مثل ما كان يعمل من الخير، ما دام محبوساً في وثاقي ) قال الضياء المقدسي : رجاله على شرط الصحيحين. وكذا قال الحاكم ، ووافقه الذهبي .
سابعاً : أن الله ما أنزل داءً إلا أنزل له دواءً، إلا الهَرَم :
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أنزل الله من داء، إلا أنزل له شفاء) رواه البخاري .
وعن جابرٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لكل داءٍ دواء، فإذا أصيبَ دواءُ الداء برأ بإذن الله تعالى ) رواه مسلم .
وعن عبدالله بن مسعود، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل شفاءًً، علمه من علمه، وجهله من جهله)رواه أحمد وابن ماجه.
قال ابن القيم :( في قوله صلى الله عليه وسلم " لكل داء دواء" تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء، والتفتيش عليه )زاد المعاد:4/ 17
وعن أسامة بن شريك، رضي الله عنه، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلمن وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله! أنتداوى؟ فقال: نعم، يا عباد الله، تداووا؛ فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً غير داءٍ واحد) قالوا: وما هو؟ قال : (الهرم) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه .
قال ابن القيم، رحمه الله : ( وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحر، والبرد، بأضدادها. بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها، قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلُها أن تركها أقوى من التوكل؛ فإن تركها عجزٌ ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً، ولا توكله عجزاً ) زاد المعاد: 4/15
ثامناً : لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً :
الرقى: جمع رُقية ، وهي ما يقرأ على المصاب بآفة، كالحمى، والصرع، ونحو ذلك. فعن عوف بن مالك، رضي الله عنه، قال: كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ فقال: ( اعرضوا علي رقاكم. لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) رواه مسلم . قال السيوطي : ( وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط : أن تكون بكلام الله، أو بأسماء الله وصفاته، وأن تكون باللسان العربي، وما يعرف معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى )
وأما ما تضمن شركاً؛ من الاستعانة بغير الله، والاستغاثة والاستعاذة به، والهتاف بأسماء الجن والملائكة والأولياء، فهو محرم ، مخرج من الملة .
تاسعاً : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) :
بهذا أمر الله عباده المؤمنين، وبمثله أمرهم نبيه صلى الله عليه وسلم، بقوله : ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ) متفق عليه .
فالواجب على المريض أن يأتي ما قدر عليه مما أوجبه الله عليه، وما عجَز عنه، أو عن بعضه أتى منه ما استطاع ، أو انتقل إلى بدله، فيما له بدل .فمثلاً :
1- يجب على المريض أن يتطهر بالماء، فيتوضأ من الحدث الأصغر، ويغتسل من الحدث الأكبر، فإن لم يستطع لعجزه عن استعمال الماء، أو خوف زيادة المرض تيمم . فإن لم يستطع أن يتطهر بنفسه، لا بوضوء، ولا تيمم، وضأه ، أو يممه غيره .
2- إن كان في بعض أعضاء البدن الواجب غسله جرح يتضرر بمرور الماء عليه، مسحه، فإن كان المسح يضره، تيمم عنه . وكذلك لو كان عليه جبيرة أو لفافة، فإنه يمسح عليها . ولا يجمع بين مسح وتيمم، فإن كلاً منهما بدل عن الغسل .
3- يجب على المريض أن يأتي بجميع شروط الصلاة ، من طهارة البدن والبقعة، واستقبال القبلة، فإن تعذر عليه ذلك، صلى على حاله، ولا يحل له أن يؤخر الصلاة عن وقتها .
4- يجب على المريض أن يؤدي الصلاة على الصفة المفروضة من القيام والركوع والسجود والقعود. فإن لم يستطع القيام، صلى جالساً، فإن لم يستطع صلى على جنبه مستقبل القبلة، فإن عجز صلى مستلقياً، رافعاً وجهه نحو القبلة ، إن أمكن .
5- يجب على المريض أن يركع ويسجد، فإن لم يستطع أومأ بهما إيماءً، جاعلاً إيماءه للسجود أخفض من الركوع. فإن لم يستطع بجذعه، ولا رقبته، أشار بعينيه؛ فأغمضهما للسجود أكثر من إغماضه للركوع . وأما الصلاة بالإشارة بالأصبع فلا أصل لها .
6- إذا لم يستطع المريض الصلاة بأي من الأوضاع السابقة، صلى بلسانه وقلبه، فيكبر ناوياً بقلبه الانتقال من ركن إلى ركن، ناطقاًً بما يختص به ذلك الركن من قراءة، أو تسبيح، أو تشهد، فإن لم يستطع النطق اكتفى بالنية القلبية ، ولم تسقط الصلاة .
عاشراً : ( اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ ) :
هذا ما نهى الله عنه عباده المؤمنين، وعن مثله نهى نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: ( إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) متفق عليه .
هذا ، وإن كثيراً من المبتلين بالأمراض النفسية والبدنية ، إذا ضاقت بهم المذاهب، وضاقت عليهم أنفسهم فروا إلى متاهات الظنون، وركبوا بحار التخرص، وصاروا يرمون شباكهم يمنةً ويسرة، ويوزعون التهم جزافاً على عباد الله الغارين الغافلين، كالقابض على الماء، أو المتشبث بالريح، فلا يزيدهم ذلك إلا رهقاً، وإثماً، ولا يعود عليهم ظنهم ذلك بطائل، بل ربما حملهم على تقحم الجرم العظيم، والإفك الأثيم؛ من إتيان السحرة والمشعوذين، والراجمين بالغيب، فزادوهم رهقاً . والواجب على المبتلى أن يتوكل على مولاه، ويحسن الظن بعباد الله، ويعتصم بالعروة الوثقى؛ بتوحيد الله، وفعل الأسباب الشرعية، والحسية، لرفع المرض، أو تخفيفه، مع الصبر الجميل، والاحتساب على ذي الفضل العظيم، حتى تزول الكربة، وتكشف الغمة، ويذهب الغرم، ويبقى الغنم ، والله على كل شيء قدير .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتبه : د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
عنيزة . 26/12/1425